إغلاق
إغلاق
سقط بشّار سوريا، وبقي بشَّار روسيا - بقلم الشيخ حمّاد ابو دعابس
الجمعة   تاريخ الخبر :2016-12-16    ساعة النشر :08:34:00

لما تحرَّك ثوّار العرب، في دول الرَّبيع العربي، ضدَّ حكّامهم وطواغيتهم، مطالبين بالحرّيات، والحقّ في تقرير مصيرهم وانتخاب قياداتهم، ونيل حقوقهم الاساسيّة في العيش الكريم، كانوا يظنّون أنَّ قضيَّتهم مع الحُكّام الذين حوَّلوا بلدانهم إلى مزارع لعوائلهم واقربائهم........ ولكنَّ الذين يتَّضح هو أسوأ من ذلك بكثير........ اذ أنه ثبت للشعوب ولقادة الثورات أنهم أمام موظَّفين، يعملون بالسُّخرة لدى الدُّول الاستعمارية بوظيفة " رئيس "، وظيفته تطويع شعبه ليظلَّوا ضمن منظومة المستعمر لا يخرجون عن طوعه. فالذي ثار على مبارك وزين العابدين، والقذافي وعلي صالح ، وجد نفسه أمام سطوة أمريكا وفي مواجهة مصالح اسرائيل، فإن نجح في اسقاط " الرئيس" فستظلّ منظومة الدولة العميقة المرتبطة بأمريكا وإسرائيل تلاحق الثورة حتى تردّها إلى الحظيرة الأمريكية. أمَّا في سوريا، فقد تعلَّم الثوّار على جلودهم أنَّ " رئيسهم " ليس إلّا دميةً روسيَّة مفاتيحها بيد إيران، فإن اقترب الثوّار من إسقاط دميتهم وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع روسيا وإيران.

ولذلك فإنَّ المدن السُّوريَّة في معظمها قد حرَّرها الثوّار في عامين من الثورة، وعندها تدخَّلت الميليشيات الإيرانية، ومن بعدها سلاح الجوّ الرّوسي لتتولَّى الدّولتان الكبريان بنفسيهما الدفاع عن موظّفهما، وحارس مزرعتهما.... وعليه فإنَّ الثّورة السُّورية قد أسقطت بشَّار الأسد منذ زمن بعيد، ولم يعد بشّار إلّا رئيساً لبلدية دمشق " الصغرى " ، بدون ريفها وغوطتيها. أمَّا بقيَّة شئون الدَّولة، السِّياسيَّة والعسكريَّة والاستراتيجيَّة فإنّها تُدار من موسكو، مع بعض التوظيف لطهران والمليشيات الشِّيعيَّة. والدَّليل الأكبر،هو في اتفاقيات وقف اطلاق النَّار التي تُناقَش في مجلس الأمن والأُمم المتحدة ، اذ أنَّ الاتفاقيات تدور بين روسيا وأمريكا، ليس بين النظام وقوى الثَّورة.

ليست حلب وحدها التي سقطت بل كلّ بلاد الشام

نكبةُ العرب والمسلمين بخراب حلب، ودمارها ، واستباحتها من قِبَل المليشيات ، ليست نكبة سكَّانها الشُّرفاء وحدهم، ولا بدمار عمرانها، ومقتل الآلاف وتشريد مئات الآلاف منهم..... ولكنَّها أكبر من ذلك،إنَّها صكّ بيع لبلاد الشّام كلّها لإحتلال روسي إيراني بغيض مقابل بقاء بشَّار وحاشيته في قصر الرئاسة كدُمَي يتلاعبون بها. فبشَّار اليوم أسوأ من كرزاي افغانستان الذي جاء عقب الإحتلال الأمريكي ، وأسوأ من السيسي وشيعة العراق الذين نصَّبتهم أمريكا. بل ، لا تكاد تجد في التَّاريخ البشري كلّه أحقر من ذلك " الدُّمية " الذي استقدم الأجانب لتدمير بلده ، وقصف كل متحرِّك فيه ، من أجل أن يبقى هو حاكماً "صوريَّا"على رُكام المدن السُّورية العريقة.

لا حُرّيَّة في الشَّرق إلّا برحيل " الغرب "

اليوم يثبت لكلِّ ذي عينين ، أنّ وطننا العربي ، والعالم الإسلامي ، ودول " العالم الثالث " ، ما هي إلّا مناطق نفوذ للدُّول الكبرى ، وأنَّ إزاحتنا لرئيس ، واستبداله بآخر، ولو نجحت الثورات ، فإنّه لن يقدِّم كثيراً أو يؤخر، ما لم تتغيَّر المنظومة الدَّوليَّة ، فيقوم للمسلمين كيان يحميهم ، ويشكِّل نِدَّاً لدول الاستكبار العالمي ، ويستطيع المحافظة على إستقلالية القرار للأُمَّة جميعاً. إذاً ، ثورة في سوريا لتغيير الموظَّف الرّوسي بشَّار الأسد ، وثورات في مصر وتونس وليبيا واليمن لتغيير الموظَّفين الأمريكان ، أو النواطير في كلِّ البلدان العربيَّة، لن تقدِّم كثيراً ، ولن تأتي بالثِّمار الكبرى التي تنتظرها الأُمَّة ..... وعليه فيا أيها المؤمنون:

لا يحبطنَّكم تأخّر النَّصر، وعدم رؤيتكم ليد الله تقصم ظهور الجبَّارين ، وتزيح اولئك " النواطير" المأجورين ..... إنّما يريد الله تعالى أن يتدخَّل بجبروته وعظمة بطشه ، وقوَّة سطوته، بالجبابرة الكبار، وليس" بالموظفين الصغار". ويوم يأتي أمره ، فلن يُبقِي الله قوَّةً عُظمى ولا ما دونها ...... بل يتدخَّل ربّكم لتكون كلمته وحده هي العليا، وتكون كلمة كلّ جبابرة الأرض هي السُفلى وللأبد بإذن الله. والسؤال:

هل أنتم مستعِدّون للثمن الباهظ لذلك؟

فإذا كان اسقاط " الموظَّفين الصغار" يكلِّف كلّ تلك التضحيات، فاعلموا أنَّ إسقاط الجبابرة الكٍبار قد يؤدِّي إلى مئات الأضعاف من تلك التضحيات، ولن يثبت أمام ذلك إلّا من ثبَّته الله.

وعليه:

فإنَّ الأمر أعظم من ثوراتنا، وأعظم من أحلامنا، وأعظم من تصوّراتنا . إنَّه إعادة هندسةٍ للعالم بأسره ، قد تنتهي بدمار نصف العالم ، وقيام كيان إسلامي عالمي يقوده أُناس يصنعهم الله على عينه ، ثمّ يؤول الأمر إلى سيّدنا المسيح عيسى بن مريم ليحكم العالم كلّه بالإسلام وحده.

إنَّه الفصل الأخير فلا تستعجلوه ، إذ ليس لكم دونه إلّا أحلام الصِّغار.

والله غالب على أمر




تعليقات الزوار