إغلاق
إغلاق
أوركسترا الحياة أقوى من فحيح المدافع - بقلم الإعلامي والكاتب نادر أبو تامر
الثلاثاء   تاريخ الخبر :2016-12-20    ساعة النشر :18:12:00


في حفل تكريم الشاعر محمد بكرية

ظننت ان صديقي محمد بكرية قد تخطى مرحلة الطفولة.. لكنني وجدته اكثر الرجال طفولة في براءته وخشوعه المرهف نحو الامل... في صلاته الى السماء بان تترفق بالإنسان...

قد لا نتذكر من كان ديفيد كاميرون او تيريزا ميي لكننا لن ننسى شكسبير.. وقد لا نتذكر عبد السلام عارف لكننا سنذكر أبو الطيب المتنبي... وربما لا نعرف من كان وزير الداخلية الفلسطيني لكن محمود درويش باق معنا ابد الدهر...

من هنا تأتي أهمية مثل هذا الحدث الذي اشكر القائمين على تنظيمه واطلاقه في فضاء شحيح المعارف كثير المعارف...
بالدهشة أُصبت حين باغتتني كلمات الكتاب. قرأته وتابعت مطالعته حتى القمر لا الرمق الأخير. انقوعة مستخلصة من عصير الكلمات تفوح مع كلّ هفهفة بجناحي فراشة الشعر والنثر.

روح محمولة على الريح هي ريح تجتاح الروح... تحملنا في رحلة خضراء لا تنتهي...

كلمات الكتاب لها أصداء تتحلّق حول ذهنك كدوائر تتمخّض عن صخرة تهوي في بركة من المشاعر الفوّارة، فهي تقتنص منك تفاعلات وجدانية عميقة لا عقيمة.

تحاول ان تهرب من وهج الكلمات إلى خارج النص فلا تستطيع اقفال الباب وراءك نظرًا لأنّ إعصار المدلولات المنفلت منها يحول دونك. العبارات مفتوحة على مصراعيها وكأنك تدخل في كلّ مرة من باب دوّار من تشبيهات وتنبيهات تشفطك إلى داخل النص من جديد، إلى مجمّع من تلاقحات مُبْهِرَة ومُبَهَّرَة بتوابلَ تضفي على طبخة الإبداع مدى لا يتوقف من المذاقات والطعمات والتطعيمات والتطميعات بالمزيد والمزيد بان القادم اجمل....

عندما تتسلق تضاريس النصوص تنهال التداعيات من مرتفعات الكلام الشاهقة، وتتدلى شلالا من عبير ينزلق على صخور هاوية الوجع نحو قاع منحدر من الفكر العميق العميق.

يزاوج الشاعر بين طبيعة الله وطبائع الانسان فيمتشق من خاصرة الوادي ضمّة من الرموز الثقافية المستفيضة تلقم ثقافتنا كغلاية من القهوة التي تغازل نار الفحم بتوظيفات غير معهودة.

عند هذا الشاعر انت لا تتنقل بين كلمات، بل بين محطات تاريخية ورموز ثقافية، بين حكم ووقفات من الأمل والتألّم.. وهو يستحضر من رحيق المسافات عطرا للوجع..

يدق بكرية أوتار خيامه في كلّ مكان، إنسانيٌّ هو في مفاهيمِهِ العابرة للتأطير والرامية للتأثير، ويفتحها للضيوف كخيمة إبراهيم الخليل فوق الجبل مفتوحة من كلّ الجهات. فيها الفرات والعراق وإبراهيم وإسماعيل وهاجر وموسى كليم الله والاشوريون وكافور وأبو الطيب وشكسبير الذين يتهادون في قوافل الحجيج صوب افق انساني راق ورائق وفائق ولائق...

في كتاب محمد بكرية لك لقاء مع محمود درويش ومقابلة مع أبي الطيب المتنبي وزيارة الى طاغور ..

يتعانق عنده الحاضر الموجوع مع الماضي المرجوع والواقع المصدوع.. ان كان عراقيًّا أو محليًّا سوريًّا يتناثر على سواحله اللاجئون.. لأنه ينقب في الجرح ليعرف من نكون، ويحن الى التراب والى الزمان والمكان..

أمه، والدته، أبوه، أرضه، بلدته تسكن الورق بلا ارق وبكثير من الألق والحبق.... ان هذه المركبات حاضرة فيه ذاكرته لأنه يتنفّسها ويتنسّمها في كلّ لفظة مشبعة بالحبر.

يوحّد الشاعر الديانات من أقصاها إلى كنائسها فيجعلها مئذنة تطلق حنجرة الإمام لتتمازج مع رنات الأجراس المتدفقة في المدى.

لا يتوانى الكتاب عن خلخلة التوازنات فتشرق من الغرب شمسُه وتنكسر أشعّتها في الجنوب.

لكي تبحر فيه أنت بحاجة الى مجاذيف من إحساس وقارب من ثقافة لا تتناهى.. بحاجة الى ويكيبيديا وموسوعة معارف.. لكن ورغم ذلك فهو شفاف، مرهف، جميل، إنساني، طيب، خاشع..

يموسق هذا الكتاب الصدى والسدى والهدى والعدا.. في توصيفات تسكب نضارة في صحراء تغزوها غثاثة المعاني..

يهتمّ المحتفى به بالإيقاع لكنه ينحّي المعنى.. بين العفيف واللطيف والخفيف والطفيف والظريف والعقاب والقباب والغلام والظلام والحرب والسلام... ينساب مرزاب الحكم والمفاهيم والاستخلاصات.. يرنو إلى الخَلَاصَات ..

واذا كان يكثر في قصائده من السجع والقوافي، فيعطيك العوافي، انت لست بحاجة لها لان الموسيقى الداخلية المنبوضة في الكتاب مترعة بالمعاني المتراقصة ..

يسكنُهُ الوطن العربي الكبير المحقون في شرايينه (..عيون القدس وقمرًا على دمشق..) يتمختر ويتبختر في ديوانه ما بين الياسمين الشامي والنخل اليماني والتمور (أخاف من العرب على العرب) ..

يطرز محمّد كلماته كثوب تراثيّ أصيل مشغول بالمحبّة ينسج في أكمامه أكاليل من الشوق والشوك بتشبيهات وصور خلابة (ارفع قلبي عاليا)

بكرية يوظف الحضارة، بمهارة، بشطارة ونضارة ولا يبخل علينا بالعُصارة.. يستحضر التاريخ والجغرافية ويُبَوْصِلُها في مسافات الريح من نيرون روما إلى سين باريس إلى نابليون الذي يخطف قلب الشمس.. إلى هوميروس أثينا عبر ثنايا الإلياذة والاوذيسة بين الحاضر والامس.. معه تمضي الى سراديب التاريخ وتكون بأمس الحاجة الى قناديل المعرفة المشعة بالنور لتفتح أمامك الطريق..

لغته منقوعة في مرطبان مليء بالقراءات والاطلاع والتجربة، كلبنة أمه المكعبلة المخللة في زيت الزيتون الأصليّ .. ومثل كوب من الرزّ المنقوع في طشتية مغمورة بالماء قبل تجهيز الغداء، في غلاية تصهر مفرداتها وتشويها على المِرْجل لا المَرَاجل الطنّانة والرنانّة والخاوية كصوت الطبول البتول..

يحلق بنا في ربوع الدنيا عبر حَبَقات تفوق الحَقَبات، والعَبَقَات التي تتخطّى العَقَبات، يعنكب الفولاذ ويهشّش السلاطين ..

تخضرّ الكلمات في الكتاب فنحن نطالعه بلهفة الباحث عن كنز يختبئ في المغارة القادمة وعليك أن تصطحب معك ضميرَك ليهديك..

تخضرّ المعاني وتنبت نخلة باسقة تبلغ الغيوم، حيث تدلّي النوارسُ أقدامَها وإقدامَها لاجتراح أفق أنصع..

صفوة القول التي تختزل مسافات الشعر والنثر هنا هي عبارة تتركك في حالة من ذهول.. (إني وقد انتصرت اليوم على شهوة الدم سأغني.. سأغفو ملء جفني وأغني).. ونحن معك، الشاعر الخلّاق محمد بكرية، سنغني.. ملءَ الوتر سنغني، وبعمق الجرح سنغني وبحضور الحنجرة سنغني، فأوركسترا الحياة تخرس فحيح مدافع الحرب وتغني.. معك سنغني..




تعليقات الزوار