إغلاق
إغلاق
جدتي.. والمطران الراحل كبوتشي! - ﺩ. ﻣَﻜﺮَﻡْ ﺧُﻮﺭﻱْ – ﻣَﺨُّﻮﻝ
الجمعة   تاريخ الخبر :2017-01-06    ساعة النشر :09:11:00


لكل فرد الحق في ان يندهش من رحيل المطران كبوتشي مباشرة بعد تحرير مسقط رأسه حلب. ولكل الحق في ان يشير الى المفارقة ان يتم ‘الاتفاق’ ما بين فصيلين فلسطينيين متنازعين ولمدة عقد من الزمان على ان يتم وصف المطران العربي السوري الابرز منذ نكبة فلسطين في العام 1948من جانب الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومن قِبل حركة “حماس″ بـ “المناضل الكبير”.

بينما كتب الصحافي الفلسطيني الياس نصرالله والذي يكبرني بعقدين من الزمن مكرسا للمطران الراحل كبوتشي فصلا كاملا يمتد على زهاء 30 صفحة في كتابه الذي صدر مؤخرا عن “دار الفارابي” في بيروت (2016) بعنوان “شهادات على القرن الفلسطيني الاول” حيث كتب كصحافي واكب محاكمة اعتقال المطران هيلاريون كبوتشي في القدس عام 1974بتهمة تهريب الأسلحة لرجال المقاومة الفلسطينية في مطلع السبعينيات من القرن المنصرم، تعرفت انا الى المطران كبوتشي من زاوية شخصية بحتة وذلك كطفل صغير داعبه المطران كبوتشي مرارا عندما كان يزور بيتنا في يافا. كطفل، لم يكن بمقدوري بداية التفريق بالرمزية الدينية ما بين رجل الدين المسيحي او المسلم الذي كان يزور بيتنا وبالتأكيد ما بين مطران القدس للروم الكاثوليك والروم الارثوذكس؛ لا ولم اتساءل عن سبب الزيارات المتكررة للمطران كبوتشي بين الفينة والاخرى الى بيتنا. اهتمامي الاكبر تركز كطفل في طول وحجم الشاشة السوداء المتدلية من خلف قبعته المطرانية التي اكسبت هامته الطبيعية هالة اضافية كلما تناثرت في الهواء وكلما سار قدما.

عندما تم اعتقال المطران كبوتشي من قبل الاداراة الصهيونية التي تحكم فلسطين بلغ التوتر في بيتنا اوجه وفقا للباروميتر البيتي والذي كان مؤشره وتيرة وشدة فرك كفتي ايادي جدتي، تيتا بلاجيا (مدام خوري) وبقاء شفتيها ‘مزمومتين’ الى ان اكتسبتا اللون النبيذي تارة والازرق الداكن تارة اخرى. كان لاعتقال المطران كبوتشي في مسيرة تنشأتي السياسية كطفل صغير الوقع الكبير الثاني بعد اندلاع حرب 1973. فضاء البيت امتلأ بشحنات توتر الاهل وبعدد الاسئلة اللا متناهية من جانبي وجانبنا نحن الاولاد ككل. عندها فهمت ان المطران كبوتشي عربي سوري تماما مثل جدتي التي كبرته عمرا بعقدين، تلك الجدة التي انقطعت عن وطنها سورية بعد النكبة واصبحت تعيش في حالة بٌعد عن وطنها الأم وفي حصار في فلسطين المحتلة، ادركت ان زيارة ابن بلدها الذي كان يتحرك (بسبب مكانته الدينية… فوفقا لاتفاقيات رودوس عام 1949 ما بين العرب وادارة احتلال فلسطين تمت الموافقة لرجال الدين المسيحيين بالسفر لأسباب تتعلق بطبيعة عملهم إلى الأردن ولبنان والدخول منهما إلى فلسطين (إسرائيل) عبر بوابة ماندلبوم في القدس ورأس الناقورة شمال فلسطين وعلى الحدود مع لبنان وايضا ما بين فلسطين وسورية اصبح مع مرور الوقت متنفسا عاطفيا وتواصلا وطنيا مميزا لتيتا بلاجيا التي وجدت حلا نفسيا عقلانيا لبعدها عن وطنها سورية وذلك بتبني شعور (لاحقا عرفت انها ايديولوجية قومية) انها في وطنها العربي الكبير وبالصدفة في فلسطين بعد النكبة وليس في حمص مسقط رأسها. كانت تعانق جدتي المطران كبوتشي بحرارة وكأنها تلتقي ابن شقيقتها الذي جاء يزورها لانه ‘يقيم في المهجر حيثما تقيم”.

فقد حمل كبوتشي لقب النائب البطريركي إضافة إلى كونه مطراناً. فبطريركية الروم الملكيين الكاثوليك لا تزال تتخذ من مدينة أنطاكية مقراً رئيساً لها رغم تسليمها ضمن لواء الاسكندرون من جانب الاستعمار الفرنسي إلى تركيا عام 1938، عندها نُقلت البطريركية مقرها موقتاً إلى دمشق، كما ان البطريركية تحتفظ تاريخياً بثلاثة كراسي بطريركية لها في كل من القدس والاسكندرية وعين تراز بلبنان. فمطران الروم الملكيين الكاثوليك في القدس، هوالمسؤول تاريخياً عن شؤون هذه الكنيسة في الضفة الغربية ومنطقة يافا وجنوب فلسطين، ويختلف عن المطارنة الآخرين في هذه الكنيسة كونه نائباً لبطريرك أنطاكية للروم الملكيين الكاثوليك، فالكرسي المقدسي يتمتع بأهمية كبيرة بالنسبة إلى هذه الكنيسة العربية. (انظر، الياس نصراللة، ص 368).

ادخل اعتقال كبوتشي تيتا بلاجيا الى ازمة نفسية حادة حيث اخذت، وبهدوء جسدي تحركت فيه عيونها البرّاقة الثاقبة فقط، والتواصل مع اي شخص ممكن ان يوضح الوضع القانوني للمطران كبوتشي وبطلب المعلومات المترجمة من الصحف العبرية ( اذ انها رفضت تعلم اللغة العبرية وصممت على مخاطبة اليهود الذين كان عليها مخاطبتهم في فلسطين اما بالعربية اذا كانوا من العالم العربي او باللغة الروسية التي اجادتها حيث تخرجت من كلية السمنار الروسي في بيت جالا (الذي ادخلها اليها اخيها الذي كبرها بنحو ثلاثة عقود البروفيسورانطوان بلّان الذي كان من بين تلامذته امثال ميخائيل نعيمة واصبح فيما بعد مدير التعليم الروسي العالي في بلاد الشام، حيثما تخرجت منه قبلها من السمنار ذاته بعقد من الزمان على سبيل المثال العلامة كلثوم عودة) . فبدا لي المشهد كمسلسل بوليسي يشوبه التوتر الشديد دون فهم جميع حلقاته او ان استطيع الربط ما بين كل مركباته.

يصف الياس نصرالله في كتابه وبدقة الخوف والتشكك في اوساط البطريركية وبعض الفلسطينيين المسيحيين بالتحديد في تلك الاثناء، الامر الذي يعكس الجو الذي ساد في بيتنا في يافا آنذاك، اذ كان من الممكن الزج في اي شخص بالسجن وفقا لانظمة الطوارئ الموروثة من “الاحتندادب” (مصطلح الكاتب، ويعني الاحتلال الذي تحول الى انتداب بريطاني) والمتبناة من قبل الاحتلال الصهيوني. يكتب الياس نصرالله في هذا الاطار واصفا الاجواء حيث عمل كصحفي:
هاتفت في الحال مقر بطريركية الروم الملكيين الكاثوليك في باب الخليل”.

فردت على الهاتف سيدة متقدمة في السن كانت تعمل هناك، وبدت على ما يبدو خائفة ومتشككة في كل ما يجري حولها بعد اعتقال المطران كبوتشي، فرفضت بحزم الحديث عن الموضوع، ورداً على سؤالي عن خالي قالت: «أبونا حنا غير موجود ». وأغلقت الخط. فزاد قلقي حيال خالي، فعاودت الاتصال ثانية وقلت لها: «أنا ابن أخت أبونا حنا »، لكنها ظلت متحفظة ورفضت الرد على أسئلتي، فطلبت منها أن تحولني إلى كاهن هولندي كان يعمل في البطريركية، فقالت إنه أيضاً غير موجود، وطلبت منها أن تحولني إلى أبو يوسف، مسؤول المطبخ. فأكد لي أبو يوسف خبر اعتقال المطران كبوتشي وأبلغني أن خالي غير موجود لكنه بخير، وأضاف أن أبونا حنا بادر إلى تنظيم اعتصام ضد السلطات الإسرائيلية احتجاجاً على اعتقال المطران كبوتشي والمطالبة بالإفراج عنه حالاً، وأنه موجود مع المعتصمين في كنيسة تابعة لبطريركية الروم الملكيين الكاثوليك في المرحلة السابعة من درب الآلام في القدس القديمة. كان اختيار مكان الاعتصام في المرحلة السابعة من درب الآلام موفقاً ورمزياً إلى أبعد الحدود، إذ أوحى بأن كبوتشي المعتقل في سجون إسرائيل كان يعاني معاناة شبيهة إلى حد ما بمعاناة المسيح، نظراً لما لهذا المكان من أبعاد عميقة في التاريخ القديم لفلسطين.” (ص 364).

ما بين توتر جدتي المنضبط وسيناريوهات والدتي انطوانيت اديب الخوري والتي كانت كاتبة روائية شددت على اكتساب فهم ما يجري عبر The Elimination process” – “عملية القضاء ” والتحقيقات الصحفية السياسية المسدولة بسحاب دخان سيجارات والدي نعيم مخّول ازداد حب استطلاعي ستطلاعي كطفل وجد نفسه في موقع تصوير مشاهد من فيلم هو فيه ليس الا طالبا يعوض عن قلة معلوماته بمروج من الخيال. 

استمرت جدتي بمتابعة التغطية الاعلامية لمحاكمة المطران كبوتشي باستمرار واهتمام وعن كثب وبدون ان تصدر تعليقا او تنبس ببنت شفة. في هذه الاثناء كان المصدر الاوثق والاقرب الى جدتي ارشمندريت كنيسة الروم الكاثوليك في يافا، رجل دين عربي سوري مسيحي آخر وهو الارشمندريت الراحل جورج رزق والذي تواصل مع جدتي باستمرار لاعلاقة له بامور دينية طائفية اذ انها كانت عربية مسيحية اورثوذكسية ومن مؤسسات جمعية النساء الارثوذكسيات في يافا قبل النكبة ومؤسسة الحركة العربية النسائية بعدها. اخذ ابونا جورج يزور بيتنا باستمرار متكلما بصمت قريب الى ‘الوتوتة’ مع تيتا بلاجيا. تآلمت تيتا بلاجيا بصمودها المتين الصامت من قرار سجن المطران كبوتشي. في تشرين الثاني 1978 تنفست جدتي الصعداء عندما عرفت انه سيتم ‘الافراج’ او طرد…المطران كبوتشي من فلسطين…فقط لتوافيها المنيّة بعد شهر وذلك عن عمريناهز الثمانين عاما. بقي معنا (عدا افراد العائلة) في يافا الاب جورج رزق ‘وريثا’ قوميا اجتماعيا على “الارث السوري” . مرت الايام وشاءت الظروف ان اتواصل شخصيا مع المطران كبوتشي في المدة الاخيرة من كيمبريدج (انجلترا) الى روما حيث كانت لي مكالمة طويلة وهو في مكان اقامته في الفاتيكان. اول ما ذكره في حديثنا كان جدتي “مدام خوري”. وبتنهيدة طويلة صدرت من حنجرته كعمق ذاكرته من حلب الى القدس فيافا والفاتيكان… صرخ عاليا: آآآآآآخخ….يرحم روحك يا خالتي بلاجيا…!! الى ان جاء الاول من يناير 2017 لنترحم على روح هذا المطران الشامخ عبر العقود ولتبقى العديد من الامور في حيز الكتمان.




تعليقات الزوار