إغلاق
إغلاق
الشيخ عبد الله.. ما بين التأسيس والتجديد والطلائعيَّة - بقلم الشيخ حمّاد أبو دعابس
الجمعة   تاريخ الخبر :2017-05-19    ساعة النشر :08:28:00


ترجَّل فارس الدَّعوة، ومؤسِّس الحركة الإسلاميَّة في الدَّاخل الفلسطينيّ ، وانتقل إلى جوار ربِّه عزَّ وجلَّ ، راضياً بإذن موالاه تبارك وتعالى.

لقد عرفه القاصي والدّاني كمؤسِّس للحركة الإسلاميَّة، ورئيسها الأوَّل ، المفكِّر والقائد والمنظِّر ورجل الميدان، الذي جاب البلاد طولاً وعرضاً . لقد أرسى الشَّيخ عبدالله نمر درويش القواعد الأولى لتنظيمٍ حركيٍّ متميِّز، فهو من جهةٍ يواكب الحركة الإسلاميَّة العالميَّة، فِكراً ومنهجاً، ومن ناحيةٍ أُخرى يحافظ على خصوصيَّات شعبنا الفلسطينيّ في الدَّاخل، مع الأبعاد الأمنيَّة والقانونيَّة التي يفرضها واقعنا في هذه البلاد.

وتعالوا بنا نتذكَّر، فضل البدايات، والقيمة العليا للطلائعيَّة التي تبوّأها فضيلة المؤسِّس رحمة الله . فقد جاء الجهد المبارك للشيخ عبدالله نمر درويش بعد سنواتٍ قليلةٍ من سقوط الضَّفة الغربيَّة والقدس الشَّريف تحت نير الإحتلال عام 1967م، وبعد سنوات الحكم العسكريّ التي انتهت قبيل حرب الأيام السِّتة، أيّ في أوَّل فرصةٍ تاريخيَّةٍ أُتيحت لتجديد العمل الإسلاميّ في فلسطين بعد النَّكبة والإحتلال. ثمَّ إنَّ جهود الشَّيخ عبد الله المباركة (رحمه الله) ، جاءت في وقتٍ لم يكن العمل الإسلاميّ فيها موجوداً او معروفاً أو مرغوباً. بل كان حِراكاً تبوَّأته ثُلَّةٌ قليلةٌ حول فضيلة الشَّيخ عبدالله ، عُرِفَ منهم مَن عُرِف ، وجُهِل منهم مَن جُهِل، والله حسيبُهُم أجمعين.

كان التيَّار السَّائد في مطلع السَّبعينات من القرن الماضي في بلادنا هو تيَّار اللّامبالاة، واللَّا تنظيم : المساجدُ خاويةٌ ، والمقاهي والخمَّارات عامِرةٌ ، والشَّباب في لهوٍ ومُجون ، والمدارس تُحيي المناسبات الخاصَّة بإستقلال دولة إسرائيل، ولا يعرف أحدٌ شيئاً عن المولِد النَّبوي ولا الإسراء والمعراج ولا الهجرة النَّبويَّة ولا غير ذلك . وبدأ جهد الشَّيخ المبارك رحمه الله ، يوم لم تكن مناصب ولا مدخولات ، بل تخوّفات ومحاذير من مقاربة العمل الإسلاميّ.

ويُحسب للشّيخ عبدالله ( رحمه الله ) أنَّه سبق الآخرين ، وامتلك الجُرأة والشَّجاعة ووضوح الفكرة ، وبُعد النَّظر، الذي قاده لإجراء مراجعات فكريَّة بعد السّجن ، وإرساء معالِم حركةٍ تعمل ببُعدِ نظرٍ وطول نَفَسٍ وبجهدٍ منظَّمٍ ، تسير بين القَطرات ، فلا تتناقض مع شرائع الإسلام ولا تتجاوز القوانين الوضعيَّة ، منعاً للحرج والصِّدام مع أجهزةٍ قمعيَّةٍ متربِّصةٍ بكلِّ ما هو إسلاميّ في المنطقة.

مجدِّدٌ وصانِعٌ للقيادات
كانت الطلائعيَّةُ واضحةً جليَّةً في تاريخ تأسيس الحركة الإسلاميَّة على يدّ فضيلة الشَّيخ الرَّاحل رحمه الله ، ولكنها إلى جانب ذلك تحمل التجديد.

فالشَّيخ رحمه الله كان وبحقٍّ مجدِّد العمل الإسلاميّ في الدَّاخل الفلسطينيّ بعد النَّكبة، وهو بذلك مجدِّدٌ لحياةِ أُمَّةٍ وشعبٍ.إنَّ ما نراه اليوم في بلادنا من مساجدٍ عامرةٍ ، وشبابٍ ملتزمين ، وأخواتٍ عفيفات وتيَّارٍ إسلاميٍّ يعيش جنباً إلى جنبٍ مع نُظرائِة الوطنيين والقوميين . وما نراه من حضورٍ شعبيٍّ وسياسيٍّ وإجتماعيٍّ للحركة الإسلاميَّة والتّيار الإسلامي في كافّة مناحي الحياة..... لم يكن كلُّ ذلك مفهوماً ضِمناً حتَّى مطلع ومنتصف ثمانيَّنات القرن الماضي، ولكن جهود المخلصين ورؤيتهم الثَّاقبة ممَّن وقف إلى جانب الشَّيخ الرَّاحل يومها ، وتوفيق الله تعالى أوَّلاً وآخراً أحدث هذه النَّقلة الكبرى في حياة شعبنا وحاضره . ولذلك فقد حُقَّ للشَّيخ عبدالله نمر درويش رحمه الله تعالى أن يطمع في أن تكون كلّ تلك الصَّحوة المباركة وكلّ ما تبعها من جهودٍ وبناءٍ وعملٍ جماعيٍّ منظَّمٍ، وبناءِ مساجد ومؤسَّسات خدماتيَّة، وعلمٍ شرعيٍّ ، أن تصبَّ كلُّها في ميزان حسنات ذلك الطَّلائعي المُجدِّد الذي لا يشقُّ له غبار.

والحديث حول مآثر الشَّيخ عبد الله يطول، ولكن دعوني أُشير عن قربٍ بخصلة من خصائله الطَّيبة الكثيرة ، ألا وهي حسن فراسته في الأَشخاص الذين يرقّيهم للقيادة ، بل وينتشل بعضهم من موقعٍ إلى موقعٍ ، ما كان يبدو لأحد، وسرعان ما يُكتَشف بأنَّه الرّجل المناسب في المكان المناسب . كان رحمه الله يعامل أتباعه وشركاءه في العمل كأبنائِه، لا يبخل عليهم بشيء. يحذّرهم من أيَّة مغامراتٍ لا حاجة لها، ولكن إذا وقع أحدهم في الزلل لا يتخلَّى عنه. وإذا عقَّه أَحدُ أبنائِه، أو جحد فضله، ظلَّ به حليماً وعلى تطاوله صبوراً، حتَّى لا يُقال بأنَّ الشَّيخ يُصَفِّي مخالفيه. وما شهدناه وقَّع على قرار فصل لأحدٍ من أبناء الحركة الإسلاميَّة طوال رئاسته لها. وكان يحذِّر من الشخصنة واتباع الأشخاص لأشخاصهم، بل يقول للقيادي في الحركة : " لا تربط النَّاس بشخصك ولكن علّقهم بالله تعالى ، فإن صَدَقَ الأخ مع الله تعالى فستجده صادقاً معك ما دُمت أنت مع الله".

رَحِمَ اللهُ الشَّيخ عبدالله رحمةً واسعةً وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنَّة .




تعليقات الزوار