إغلاق
إغلاق
الوَقْف الداعشي ! - بقلم الإعلامي المصري: عبد المجيد إبراهيم
السبت   تاريخ الخبر :2017-09-09    ساعة النشر :06:32:00



من كلاسيكيات السياسة الإسرائيلية أنها تفك و تربط انتماء إسرائيل - أقلها الجغرافي - إلى الإقليم الذي تقيم فيه ؛ حسب الاقتضاء . و مفهوم أن هذا الاقتضاء يكون معنيا أساسا بإشعار من هم خارج الإقليم بما يسمى خطرا وجوديا يتهدد الدولة . و السؤال هو : إنْ لم تكن إسرائيل تنتمي إلى الإقليم أو الفضاء العربي الشرق أوسطي فإلى أي إقليم تنتمي ؟! و هل بمقدورها أن تغفل حقيقة كونها هي الكلمة التي يتكرر ذكرها في جلسات القمم العربية المغلقة التي تتلقى تسجيلاتها من الملوك الأوفياء ، و بأكثر بكثير من جميع الكلمات الممقوتة في هذا الفضاء من عينة الحرية أو الديمقراطية أو حتى التنمية !

فلنأخذ أمثلة ! هبْ أن هذا الفضاء ضربته كارثة طبيعية مروعة أتكون إسرائيل بمنأًى عنها ؟ هب أنه استفاق ذات يوم على المسيح الدجال بيننا ممتطيا حماره أتقف إسرائيل متفرجة غير معنية ؟! إنها أمثلة حقيقية لفهم التأثيرات المدوية للحوادث الإقليمية المروعة على إسرائيل ، و على مجمل الفضاء الذي يضمها ؛ كحادثة " الانكفاء " الداعشي في سورية و العراق .

لكنْ توجد مشكلات في هذا التصور ! منها أن تعبير الانكفاء و بالمثل الاندحار قد لا يكون هو التعبير الصحيح أو المناسب عن مآل داعش في البلدين الجارَين لإسرائيل . و منها أن داعش التي قد تكون بصدد " تقليص " أعمالها هناك لا تزال تعمل بنشاط في مواضع أخرى عديدة في هذا الفضاء المسموم . و منها أن داعش لا ينحصر وجوده في هذا الفضاء وحده ؛ فهو موجود في فضاءات كثيرة أوربية و إفريقية و أمريكية و آسيوية ، و من بينها الفضاء الإسرائيلي ؛ بمنظور كونه فضاء استثنائيا فريدا غير منتمٍ إلى إقليمه !

إلى أين يحتمل أن يتجه الفضاء العربي الإقليمي و في قلبه إسرائيل مع " انحسار " أو " تفكيك " داعش - التنظيم في سورية و العراق ؟ و نقول " التنظيم " لأن داعش هو في حقيقته و جوهره فكرة و عقيدة . و لماذا انحسار أو تفكيك أو اندحار أو تراجع أو انكفاء أو أي تعبير آخر بديل ؟ لماذا كل هذا الإرباك ؟! ألا يوجد تعبير واحد دقيق و محدد يعطينا دلالة مباشرة بشأن واقع ما يجري في سورية و العراق ؟! الإجابة – سنحاول الوصول إلى هذا التعبير معا فهذه واحدة من مهامّ هذا المقال .

أولا ؛ يستدعي ما يجري في سورية و العراق عند أمثالي من المحللين ضعاف الذاكرة الكثير من الوقائع التاريخية . فهناك في المقام الأول واقعة " الإخلاء القسري " لمستعمرة ياميت – عروس البحر التي باتت أطلالها عند قرية أبو شنار قرب رفح معبرا لكباش داعش الناطحة . و هناك الفصيلة 42 الأمريكية المسماة بالمغيرين على طريقة " العمل معا " التي كان الانضمام إليها مشروطا باستعداد متطوعيها لذبح الأعداء ذبح الشاة ، و التي كانت تتحرك على اتساع مجال الاشتباك بين الأمريكيين و اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية . و هناك أيضا المجتمع – التنظيم الذي أنشاه تشارلز مانسون في كاليفورنيا نهاية الستينات ؛ ليكون باكورة لما سماه بالفوضى المتدافعة ؛ تأسيسا على المشاعية البليدة و فكرة نهاية العالم مثلما صورها العهد القديم . و هناك أخيرا الفقيدان سعد حدّاد و خلفه أنطوان لحد اللذان تعهدا أول نموذج للمناطق العازلة و الجيوش الحرة في الإقليم امتدادا لتجارب لا حصر لها خاصة في أمريكا اللاتينية و في غيرها .

ثانيا ؛ يبدو للمحللين المدعومين بدراسة الفلسفة و تعقيداتها أن خطأ جسيما وقع فيه مؤسسو هذا التنظيم . فداعش الفكرة و العقيدة لا يناسبه إلا نمط الحواضن البشرية ؛ يعيش و ينغمس فيها و يمارس عمله باللعب بين مفاصلها ؛ على غرار سالفه القاعدي و جده الإخواني . فكيف لداعش أن يتجسد في هيئة دولة ؟ متى كانت الأفكار و العقائد تصنع دولا ؟ حتى الصهيونية بجلالة قدرها لم تفعل ذلك ! و ليس هكذا كانت وصايا آبائنا المحدثين في دراسات الحرب من عينة ناي و هوارد و لوتواك و ليند و ربما أيضا ستيوارت كوهين . فأنت تمنح جيوش المرتزقة من الوسائل على قدر المهمة المطلوبة و ليس أكثر ، و تتخذ من الأسباب ما يضمن طاعتها الكاملة . هذه وصايا أساسية ! و الأهم من كل ذلك أن تكون المهمة واقعية و ممكنة .


التأسيس اعتراه عيب جسيم يبدو لي منذ البدء أشبه بتكليف قيادة أركان الجيش لعناصر سلاح الإمداد و التموين بالتصدي لطائرات العدو في عمق مياه البحر ! أو بالإيعاز لسلاح الهندسة العسكرية بفض مظاهرة احتجاج يطالب فيها الشواذ بحقوقهم !

الآن بات من المؤكد أن يرث الظواهري و تلميذه النابغ الأمين أبو محمد الجولاني عمامة البغدادي و لحيته و ساعته الثمينة و زوجاته و سباياه ، و صورة شهادة رسوبه في الابتدائية التي تطالعنا في فضاء الإعلام الإلكتروني على اتساعه مخرجة لنا لسانها ! ليس المتعلقات وحدها ؛ المساعدات أيضا - الإنسانية و غير الإنسانية - سيرثها المجاهدان على بعد المسافة بينهما : الصواريخ الفتاكة الأمريكية ، و الأسلحة الكيماوية التركية ، و سيارات الدفع الرباعي اليابانية و الكورية المؤيدة ببيانات المستورد الخليجي ، و المعدات الإسرائيلية غير الفتاكة من مثل الطائرات المسيرة و المناظير الليلية و الضمادات الطبية ، و الأقلام و الكراسات المتداولة في مدارس دولة الخلافة الفانية و توابعها في إدلب !! لن ينازعهما أحد في الورث سواء تمثل في أصول ثابتة أو منقولة كالآليات العسكرية و الصواريخ ؛ و باستثناء الأرض التي عادت إلى مالكيها ؛ فهذا وقف إسلامي مقطوع في شأنه طبقا لديوان بيت المال الذي خلع القائمون عليه في مدينة الميادين ملابسهم التاريخية و الداخلية ، و حلقوا لحاهم ، و احتفظ كل منهم بجانب من المال و بواحدة فقط من سباياه ، و اندس بين الناس هاتفا للأسد - و إن أحببتم لخامنئي !

فإذا أردنا أن نسمي الأشياء بمسمياتها الصحيحة فإن ما يجري في سورية و العراق هو عملية سحب و إخلاء و تصفية يعرفها المعنيون جيدا ؛ بيد أنها تتم تحت الحديد و النار و بشروط قاهرة و تسيل فيها أنهار من دماء الدواعش من دون أن يتأثر لهم أحد .

داعش شيء و داعش " التنظيم " شيء آخر . ما يجري نزعه في سورية و العراق هو هذا الموضوع بين علامتي التنصيص ؛ و على الأرض - بين فكي الكماشة العراقية السورية التي يقاومها المسمار الأمريكي و يعاكسها تحت مسمى التحالف . فالتنظيم يعني هياكل و موارد و أجهزة و بنية و معدات و هلم جرّا ، و هذه كلها يمكن حرقها عند الاقتضاء و إن كان بتركها للقوات الجوية الفضائية الروسية ؛ يمكن التضحية بها و تعويضها لاحقا ، مثلما يمكن إنقاذ البعض منها إذا أمكن أو كان مطلوبا . الأهم على الإطلاق هو العناصر البشرية المتمرسة و الموثوقة ، و هذه أنهت واشنطن عملية طارئة لسحبها بعيدا عن الميدان استعدادا لتوظيفها في مشروع تالٍ ، و ضمنهم بالطبع مسئولو علاقات داعش – التنظيم مع الدول الصديقة و أجهزتها المعنية التي يحتمل أن تحتاج في المستقبل القريب إلى إعادة بناء و ترميم ؛ بما في ذلك " الغرف " و دورات المياه . و هؤلاء النابهون النوابغ بمقدورهم بالتعاون مع مشغليهم أن يطوروا وسائل و أساليب و تاكتيكات مبتكرة للعمل ؛ للقتل و التوحش ، و أن يعاد تمديدهم بما يلزم لتنظيم مجموعات جديدة من الكباش المنتشرة في جميع الفضاءات ، اعتمادا على أموال ديوان الركاز الداعشي التي تم جمعها من حقول البادية السورية ؛ و لو كانت في حوزة أوغلو أردوجان بلال ، أو حتى من التعويضات القطرية !

ثالثا ؛ نهاية القصة السورية تحديدا و هذا مما يثير الضحك تستدعي دراما قصة الكونت دو مونت كريستو التي صدع بها السينمائيون الرءوس الناجية من سكاكين الدواعش . فمن يضمن ألا يتصرف الدواعش بعد تصفية التنظيم في سورية و العراق على طريقة البحار المغامر ، فيشرعوا في الانتقام الممنهج ممن خانوهم واحدا تلو الآخر ؟ و أن يتصدروا الشاشة الدولية مرددين بين وقت و آخر أرقام ضحاياهم على طريقة الفنان أنور وجدي ؟ و لمزيد من الضحك المرير فإنني أقترح أن يضاف إلى القائمة المعدلة لأمير الانتقام الداعشي الأب فاريا المسكين الذي كان سببا في ثراء البحار و تطرفه في آن !

معنى هذا أن دولا عديدة صارت مهددة بنزوح داعشي أو بهجرات داعشية عائدة لمواطنها الأصلية . و المشكلة الحقيقية هي أن تتصور الكباش الداعشية " العاربة " خطأ - لا سمح الله - أن إسرائيل أو خَدَمة الحرمين كانوا من بين المؤتمنين على تأسيس و ترسيخ دعائم دولة الخلافة ثم خانوا الأمانة ، و قد باتت هذه الكباش ترعى و تمرح في البوادي المتاخمة بحثا عن الماء و العشب و الإناث ؛ تتعقبها صقور الحرس الثوري و حزب الله .

أما مشكلة أبو حنظلة الكوبنهانجي و من هم على شاكلته من الكباش الداعشية " المستعربة " فهي مشكلة هينة ؛ بمقدور حاجي بابا مسعود أن يدبرها بمساعدة أصدقاء كثيرين لهم مصلحة مشتركة مع الأب فاريا المسكين في تقويض مضاجع الأوربيين و الروس و الصينيين . 


و لأن الدويلة التي يجري نزعها في سورية و العراق قد أحدثت اختلالات هائلة في البلدين لا يمكن إنكارها ؛ فمن الوارد أن تتحول داعش الفكرة و العقيدة لفتح قنينة السنة - الشيعة المعتقة بدعك فوهتها بيدها الكريمة أو بإطلاق العبارة السحرية للصّ علي بابا ! و من الوارد أيضا أن ينفتح مجال واسع لنزاعات مريرة تخوضها الأطراف التي جرى إحياء أحلامها و مطامعها .
و المأساة الكبرى هي أن تركب داعش رأسها و تعلن الحرب النهائية المقدسة و تنادي بالعودة إلى الأراضي المقدسة هنا و هناك .


طبقا لوسائل الإعلام الداعشية داعش تخسر الآن بعضا من ولاياتها التابعة لدولة الخلافة ، و لذا فإن السؤال ليس عن الإقليم ما بعد داعش بل ما بعد الأمريكيين الذين يخسرون كل شيء . داعش الفكرة و العقيدة خسارتها تاكتيكية ، لكن واشنطن تخسر استراتيجيا و معها تخسر إسرائيل التي يجب أن تفكر سريعا في القادمين الجدد إلى الفضاء الذي يضمها ، و أن تنقل عطاءها من الرياض الى طهران . و لِمَ لا ؟ بوتين جاهز ! و آخرون كثيرون .

أزمة الفضاء الإقليمي العربي و في قلبه إسرائيل هي أن مشروع " فراتستان " - و هي تسمية محببة بالتأكيد للساسة و القادة في إسرائيل - زاد بؤر عدم الاستقرار في كل الاتجاهات ؛ مع التأسيس و مع التصفية . و ما يعقد الأمر أن عوامل عدم الاستقرار متنوعة و متأصلة في فضائنا المشترك من قبل أن يوجد داعش – التنظيم بعشرات السنين .

و بوجه العموم فإن الإرهاب المؤدلج ليس بجديد على هذا الفضاء الملعون ، و هو لن ينقطع ؛ سيظل باقيا يتحشد في الخلفية و يداهم . فليت القادة الإسرائيليين يوفرون الشواقل التي ينفقونها في تعليم أشبال دولة الخلافة و عيادة آبائهم لاستكمال بناء الأسوار في الشمال و الجنوب و قريبا في الشرق ؛ أن يتحلوا بالنضج الكافي اللازم للتفاعل مع متغيرات الإقليم !!

هزم الأسد الجميع ! و صحيح أن بونابرت لم يكن يقصدها في عبارته الخالدة ؛ لكن إيران فعلتها هي الأخرى !
أعيدوا يونيفل ، و اذهبوا إلى التسويات . داعش - التنظيم لم تعد رهانا . أما الفكرة و العقيدة فإنّا لها واقفون !




تعليقات الزوار