إغلاق
إغلاق
الإنزال السوري الأخير - بقلم الإعلامي المصري: عبد المجيد إبراهيم
الاربعاء   تاريخ الخبر :2017-09-13    ساعة النشر :14:50:00



بملاحظة بعض من تفاصيلها ؛ من المقبول مقارنة الحرب التي يخوضها الجيش العربي السوري و حلفاؤه ضد أعدائه و مرتزقتهم على الأرض السورية بالحرب العالمية الثانية . و للمعترضين على هذه المقارنة نقول: لا بأس ! فليكن من بعض جوانبها في أقل تقدير . في مجال الاستراتيجية ، و بتركيز النظر على الحرب العالمية الثانية - يجب أن نتذكر بعض القواعد و العبر الأساسية ؛ بهدف استشراف آفاق الحرب السورية التي لاحت بالفعل . في تلك الحرب خيضت معارك كثيرة و اتّبعت تاكتيكات متنوعة لكن القليل منها هو ما اعتبر معارك أو تاكتيكات حاسمة و فاصلة في مسار الحرب . فلنعطِ نماذج . هناك الصمود الأسطوري للسوفييت في ستالينجراد و الغارة اليابانية على بيرل هاربور و الإنزال الضخم عند نورماندي و معارك العلمين و كريت ، و هناك الالتفاف المبهر حول خط ماجينو و دخول المشاة اليابانية على الدراجات إلى الملايو و هكذا .
و ماذا عن العبر ؟ أهمها في تقديري أن الاستراتيجية لا تعني أبدا أنك تملك دائما خيارات أو أنك تستطيع بشكل مطلق أن تناور ميدانيا . يكفي أن نتذكر هنا مآل عملية بارباروسا التي أحبطها البرد القارس ، أو الهزيمة التي مني بها روميل في العلمين بعد تدمير حاملة النفط الإيطالية الذي عطل مدرعاته . في الاستراتيجية باب واسع جدا للحالات التي تفقد فيها القدرة على الفعل و تنعدم فيها الخيارات المتاحة أمامك .

ما الذي كان يملكه الألمان و اليابانيون في مايو و أغسطس 1945 على التوالي من خيارات سوى إعلان الاستسلام غير المشروط ؟ مع استمرار المقارنة يمكن القول إن إسرائيل لا تخوض الحرب في سورية بشكل مباشر و هي ليست مضطرة لأن تتجرع مرارة الاستسلام و أن تحمل جثامين جنودها من الميدان و ترحل ! المسألة بسيطة : هي ستترك شرذمة من الإرهابيين المأجورين ليلاقوا مصيرهم المحتوم ، و تندفع إلى الحضن الروسي معززة مكرّمة و مرحب بها و ستحصل بالنهاية على الجوائز . صحيح ! هذا الأمر أيضا يذكرنا بحالات كثيرة في الحرب العالمية الثانية .

و الحقيقة هي أنني و ربما محللون آخرون أنظر إلى المشاركة الإسرائيلية في الحرب السورية مشدوها ! و لكلٍّ بالطبع أسبابه . من ناحيتي ما يشدهني هو معرفتي الوثيقة بقدرات صنّاع القرار الاستراتيجي في إسرائيل و دربتهم . فناهيكم عن عدم إدراكهم إلى حد الآن لكون إسرائيل لم يعد أمامها خيارات ميدانية في سورية مثلما يحاولون إفهامنا على الأقل ؛ أجدهم و في تكرار محير لحالات سابقة مريرة يسقطون ضحايا للأيديولوجيا . و هذه آفة مستنكرة تماما في المجال ؛ فالأيديولوجيات تعصف بالاستراتيجية ؛ تطيح بها ؛ تدمرها تدميرا . و النماذج يعرفها هؤلاء أكثر مني . أفلا يكفيهم حرب الأيام الستة مثلا أو غزوة 82 كنماذج متعاكسة . المهم . في النموذج الأخير ، و هذا ما بينته تحقيقات لجنة كاهان ؛ ألحقت أيديولوجية وزير الدفاع آنذاك شارون ضررا كبيرا بإسرائيل و سحقت الاستراتيجية الحصيفة تحت أقدامها على الرغم من تقديرات و تحذيرات رئيس الأركان و رئيس شعبة أمان و غيرهما . فالأمر لم يكن متعلقا بمذبحة صبرا و شاتيلا التي لوثت سمعة إسرائيل بقدر ما كان معنيا بالذهاب إلى حرب غير ضرورية ثبت لاحقا أنها كانت سببا مباشرا في نقل معركة منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل إلى الداخل و وضع القاعدة لعسكرة الشيعة اللبنانية و التأسيس للنفوذ الإيراني الذي يقوض اليوم مضاجع إسرائيل .

في الحالة التي نحن بصددها الطامة الكبرى هي أن الطبقة السياسية الحاكمة بأكملها هي من تقود إسرائيل إلى كارثة كبرى بالإصرار على إنجاز كامل الأهداف التي حددتها إسرائيل لنفسها مع إطلاق الحرب على سورية ، و صرف النظر عن رؤية الواقع و تدبره استراتيجيا للتعاطي معه بحكمة .

لقد سقط صنّاع الاستراتيجية في إسرائيل هذه المرة بين براثن الطبقة اليمنية الحاكمة التي نجحت في إيصال زعمائها إلى مواقع مفصلية في دائرتهم . و الأسماء كثيرة و معروفة . و السؤال هو كيف للاستراتيجية العاقلة أن تسلم أمرها لهؤلاء الذين يرون العالم الواقعي بمناظير الفرس و الأسر البابلي و الملك أحشويروش ؟ كيف يمكن لإسرائيل في واقع إقليمي يتغير بمنتهى العنف أن تتحمل قرارا عقيما برفض الاعتراف بالواقع تحت تأثير الأيديولوجيا و أن تتجاهل التقديرات و النصائح الاستراتيجية التي يقدمها المعنيون بالحرب و حساباتها العقلانية الموضوعية ؟

ليس عندي حقا أية شكوك أو أوهام بشأن التوصيات الفعلية التي يقدمها هؤلاء الأخيرون و أراهم يلحون في الأخذ بها و تناولها و يعرضون بشأنها بدائل كثيرة ؛ كلها تقع في دائرة التناغم مع الواقع و التحضير للمستقبل المثقل بتوقعات و معطيات حقيقية يرونها ماثلة أمامهم .

إن مقاربة الواقع الراهن الذي صادر مشروع إلغاء سورية من الجغرافيا السياسية للإقليم يملي القبول بانعدام الخيارات الاستراتيجية الميدانية ، و مقاومة هذا الواقع يمكنها أن تجر إسرائيل وحدها إلى كارثة هائلة . و ليس هناك من شك في أن قرار غارة مصياف كان أقصى ما يمكن تمريره من قبل الاستراتيجيين تحت إلحاح رموز الطبقة الحاكمة من الساسة تجنبا لهذه الكارثة . و عندي أنه قرار أقرب إلى التسليم بانعدام الخيارات ، و من المرجح أن يكون قسم من الجمهور اليميني المتهور قد فهمه على هذا النحو ؛ و إن كان أشبع غرائز المتشددين في الحكم .

و استمرارا للمقارنة من المقبول جدّا أن نتوقع ميلاد نظام عالمي جديد من الحرب في سورية . لذا دعونا في ما بقي من هذا التحليل نتدارس بعض التفاصيل الاستراتيجية الميدانية المتعلقة بحسم الحرب .

تعرفون أن الطريق الذي فتح إلى دير الزور لم يكن ممكنا فتحه بغير عملية الإنزال الجوي لقوات النخبة السورية جنوب ناحية الكدير خلف خطوط داعش . و يدرك الاستراتيجيون أن استعادة ما تسيطر عليه داعش من أرياف محافظة دير الزور و أحياء مدينتها المركزية التي تعد عاصمة الشرق السوري ؛ يعيد إلى الدولة السورية مخزونها الرئيس من الموارد الطبيعية الذي تعتمد عليه ، و هذا يعادل بالمقارنة مثلا استعادة الدولة الألمانية سيطرتها على إقليم الحديد في بداية الحرب أو وصول الحلفاء في نهايتها إلى الراين . استعادة الشرق السوري هو إعلان مبدئي بنهاية الحرب يعادل مثلا نجاح عملية الإنزال في نورماندي أو تراجع الجيوش الألمانية في الشرق إلى حوض الدانوب . فكيف يمكن للسوريين و الروس و بقية الرديف إنهاء الحرب نهاية تستظهر نظاما عالميا جديدا و تعالج جميع المشكلات الاستراتيجية التي أوجدتها هذه الحرب ؟ مفهوم بالطبع أننا ننشير هنا إلى خطط توسيع كيان كاك مسعود على حساب الشمال السوري ، و التواجد التركي على الأرض السورية شمال حلب ، و مقلب نفايات الإرهابيين المفتوح في إدلب ، و أخيرا " نصف " الجيب الذي تعمل فيه عصابات داعش و النصرة تحت الرعاية الإنسانية للجيش الإسرائيلي في الجولان .

أظن أن الإجابة باتت واضحة الآن . توجد معارك حاسمة إضافية متوقعة لا تنسجم نتائجها الحتمية مع القرارات التي تلح الطبقة الحاكمة في إسرائيل على الاستراتيجيين لتمريرها بتأثير الدوجمائية التي تجعلهم غير قادرين على رؤية الواقع و الاعتراف به و قبوله .

علينا أن نسأل الآن عن الإنزال التالي و الإنزال الذي يليه و هكذا . من السهل التنبؤ بهذا التالي . المؤكد أنه سيكون على الضفة الشرقية لنهر الفرات عند موقع مختار قريب من الخط الذي تمدد إليه الأكراد في الريف الشمالي لدير الزور ؛ ليكون بمثابة رأس الجسر للقوات العابرة من الريف الجنوبي الغربي لاستعادة السيطرة على ما تبقى من الأراضي التابعة للمحافظة التي قد لا تكون مشمولة بالاتفاقات الروسية الامريكية ، و لإغلاق الحدود السورية بالكامل أمام ابن ملا مصطفى الذي يستعد للاستقلال التامّ عن الحكومة المركزية في بغداد . و سيكون هذا الإنزال بعد تأمين محيط مطار دير الزور و ربما قبل استعادة الميادين . و سيبدو هذا كأنه معادل موضوعي للوجود الأمريكي في منطقة الطبقة و مطارها غرب الفرات ، لكنه سيكون أيضا قابلا للتمدد و الانتشار وصولا إلى الحسكة و القامشلي للالتحام مع القوات السورية المرابضة هناك . بالنسبة إلى الكثيرين من العرب الذين لم تتلوث دماؤهم بسموم داعش و مخزونه القاعدي الإخواني سيكون هذا أمرا رائعا و مثيرا و جاذبا للأنظار و لعدسات و منصات الميديا الجديدة التي لم تنجح بعد في إلغاء عالمنا الواقعي ؛ على الأقل لأنه سيذكرهم بالمشاهد الخالدة للجنود المصريين البواسل و هم يعبرون أكبر مانع مائي في تاريخ العمليات العسكرية في يوم الغفران مكبرين !

هذه مجرد اجتهادات قد تصيب و قد تخطئ مثلما تفهمون ؛ لكنني واثق بأن صنّاع القرار الاستراتيجي في إسرائيل أُبلغوا بالفعل بأن القوارب باتت جاهزة و بأن الجسور العائمة وصلت مع القوات المتقدمة من السخنة لتكون بديلا من الجسور و الكباري التي دمرتها طائرات التحالف الأمريكي بطريقة ممنهجة خلال الأعوام الماضية .

قريبا جدّا يقطع الجيش السوري التواصل المفقود منذ سايكس بيكو بين مسعود البرزاني و أبنائه الأعزاء في الشمال الشرقي لسورية و سيكون هذا برضاء و مساعدة جميع الأطراف التي ترفض هذا التواصل و لو كان عبر الحلفاء الدواعش . يدخل في هذا الحساب تركيا و العراق و إيران و الروس ناهيكم عن آخرين يعرفهم الاستراتيجيون في إسرائيل جيدا . و بالطبع لن تتمكن واشنطن من التصدي لهؤلاء و لو ضاعفت مرات و مرات أعداد بؤر الإنزال التي أوجدتها في سورية هنا و هناك .

يتصور المتشددون العقائديون و ساستهم و من يظاهرونهم من المندسين في الأجهزة المعنية أن بالإمكان الاحتفاظ بنصف الجيب الذي فتح للإرهابيين المرتزقة في الجولان و حمايته و الدفاع عنه و تطويره ؛ ليكون حاجزا أبديا ينهي حقوق سورية في العودة إلى أراضيها المحتلة في الجولان نزولا إلى طبرية . و يعرف الاستراتيجيون أن هذا " الحلم " قابل للتبخر في ساعات قليلة عبر " إنزال " أخير داهم ؛ يشبه حالة المصريين و السوريين البسطاء على موائد الطعام العامرة حين يجنّبون أشهى ما تحمله لينقضوا عليه في نهاية الوجبة باعتباره " تحلية " ! ربما تكون هذه من ثقافة الصبر و الصمت و الصمود ؛ الثقافة التي اطّلع عليها و خبرها الإسرائيليون في حرب الاستنزاف ، و لم يأخذوا منها العبرة ! كأن ذائقتهم قد تأثرت بمرور السنوات !!




تعليقات الزوار