إغلاق
إغلاق
في مصر.. المدارس دخلت ! - بقلم الإعلامي المصري: عبدالمجيد إبراهيم
الاحد   تاريخ الخبر :2017-09-24    ساعة النشر :08:23:00



اعتاد المصريون استخدام تعبير مدهش للإشارة إلى بدء العام الدراسي لطلاب المراحل الأولية . ففي حين أن الاستقامة اللغوية تقتضي القول إن الطلاب دخلوا المدارس ؛ تراهم يقولون إن المدارس دخلت ! و مفهوم لمن له دراية بسيطة بعلم البلاغة العربية أن في التعبير استعارة تقوم على وصف حالة المدرسة بحالة الطالب . و ظني أن المصريين الذين ارتبطت حياتهم لآلاف السنين بالأرض و زراعتها و سقايتها ، و بمواقعة الأحداث التي تتكرر بانتظام في هذا السياق ؛ هو المفسرة الأساسية لهذا التعبير الذي يشيع استخدامه في سياقات أخرى عديدة ؛ مثل قولهم بدخول الشتاء أو الصيف ، و تعليقهم الثابت على حضور الشيء و حلوله اتساقا مع الناموس الإلهي أو مع منطق الأمور بالقول إنه " لا أحد يختشي من أوانه " . و معنى دخول المدارس أنها أخذت بالمضي في مسارها ، أو بالأحرى أن الحياة اليومية للطلاب و أسرهم و للمجتمع ككل أخذت مسارا له خصوصيته مع انتظام الدراسة في المدارس .

و نلمح في عمق هذا الاستخدام اللغوي مدى إيمان المصريين بفكرة المسار غير المستقيم للزمن و التاريخ ، و تيقنهم من كونه يتبع دورات منتظمة أو غير منتظمة و تعتريه تعرجات و انحناءات و لا يمضي إلى نهايات محددة و ينقطع . و هم يقولون في ذلك إن " الأيام دول " و إن " الدنيا على هذا و ذاك " . و لهذا ؛ و برغم حجم الصعوبات التي تواجه المصريين البسطاء مع دوران عجلة دخول المدارس ؛ تراهم في حالة بهجة و احتفال بهذا الحدث المتكرر ، تماما مثلما يفرحون بوفاء النيل ، و المزارعون منهم لحلول أوان الحصاد الذي يرتبط به إنجاز الأحداث المفصلية في حياتهم مثل زواج البنات أو غيره .

و الغريب أن فكرة التواصل و التكرار تفرض نفسها أيضا على المجال العام لمجتمع الطلاب ؛ فلا تزال التفاصيل و العلاقات و المفردات الخاصة بهذا المجال على حالها تقريبا مثلما تراها في الأفلام و المسرحيات المصرية القديمة التي يحفظها عن ظهر قلب إخوتنا في يافا ؛ مثل : غزل البنات و المراهقات و السكرتير الفني و مدرسة المشاغبين . و ينسحب ذلك على الخبرات النفسية وأساليب التحصيل العلمي و العادات المرتبطة بفترة الدراسة و طقوس التخرج و معالم زي المدرسة و وسائل الانتقال إليها و غير ذلك ؛ انتهاء بالألعاب و الأحاجيّ و الألاعيب التي يتوراثها الطلاب . و يسمح هذا التواصل بإعادة إنتاج العلاقات السائدة في المجتمع ككل خاصة على صعيد البناء الطبقي ، و الأهم أن المجال بكليته يتوارث متغيراته الأساسية الثابتة التي استُقِّر على اعتبارها حاسمة في تطور نظم التعليم و دوره في تنمية المجتمع و تقدمه ، و يأتي في مقدمة هذه المتغيرات مسألة ديمقراطية التعليم و تعديل المناهج التعليمية ؛ خاصة المتعلقة بتحديث المجتمع و تقدمه و تأصيل الذوات الثقافية و الآليات المستخدمة في التعبئة الأيدولوجية .

و يدهشني أن الباحثين المصريين المختصين لم يدرسوا إلى الآن التأثيرات التي أحدثتها الحروب التي دخلتها مصر خلال العقود الماضية على مجمل هذا السياق . ذلك إن حالة الحرب تفرض العديد من التأثيرات الاقتصادية و النفسية و الاجتماعية السلبية على نظام التعليم ، و هي تتضاعف إذا كنا بصدد صراع متطاول له طابع حضاري لا ينقطع – فهكذا يوصفه طرفاه .

و مما لا يقبل الجدل أن الحروب المصرية - الإسرائيلية كان لها دور معتبر في ارتفاع نسبة الأميّة التي كان يفترض أن تتقلص مع المشروع الوطني الذي جاءت به ثورة يوليو ، و في مركزه مبدأ مجانية للتعليم ، ثم كان لها تأثير فادح على جودة العملية التعليمية بسبب قصور الموارد و زيادة معدلات النمو السكاني التي تسهم فيها الحروب . و الأهم على الإطلاق هو مسألة الوعي . و على هذا الصعيد ؛ فإنني أقدر أنها عمقت فكرة الصراع مع إسرائيل في نفوس الشبيبة ، و زادت المخاوف الاعتيادية من مخاطر الانتقال اليومي للأبناء بين البيت و المدرسة ؛ خاصة مع اعتماد إسرائيل خلال هذه الحروب سياسة الاستهداف الممنهج للأطفال أينما وجدوا .

و الحقيقة أنني لا أعرف على وجه اليقين إن كان القادة في إسرائيل اليوم يسرهم أن تكون مجزرة بحر البقر حاضرة أم غائبة في الذاكرة المصرية عند دخول المدارس ! و قد قال سالفوهم وقتها إن قصف الطائرات الإسرائيلية للمدرسة الواقعة في محافظة الشرقية كان يرمي لإقناع الشعب المصري بالاستسلام بعد أن رفض جيشه أن يفعل ! فإذا به يقوم بفعل معاكس في يوم الغفران !

إن المصريين الذين تستيقظ وقائع المجزرة في ذاكرتهم مع دخول المدارس كل عام ؛ طبقا للآليات الاعتيادية للوعي الإنساني ، و ليس في ذكرى المجزرة الذي يوافق الثامن من إبريل 1970 - لا يستطيعون إلى حد الآن التعاطي مع الدعاوى و الحجج التي تقدم إليهم بشأن التعايش و السلام مع الجار الإسرائيلي . و يفهم هؤلاء القادة بكل تأكيد كيف أن استبعاد مجمل تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي من مناهج التاريخ ، أو محو أي أثر لفلسطين التاريخية من الخرائط - لن يغير في الأمر شيئا ؛ لأن المدرسة بوابة واحدة و ليست وحيدة للمعرفة و تشكيل الهوية . و هم لا يستطيعون بالمثل المكابرة بدعوة الإدارة المختصة بالتربية الفنية في وزارة التعليم المصرية إلى منع التركيز على معاناة الأطفال في الماضي و الحاضر ؛ فلئن غابت اليوم الرسوم عن بحر البقر فقد تحضر دير ياسين أو قانا أو صبرا و شاتيلا و حديثا سورية و العراق و هكذا . و عليه ؛ كانت الكلمات التي كتبها شاعرنا العربي المصري صلاح جاهين بعيد المجزرة نافذة إلى جوهر قضية الوعي و آليات تشكيله بالدم اللي على ورقهم سال – في قصر الأمم المتحدة – فيه مسابقة لرسوم الأطفال – إيه رأيك ف البقع الحمرا – يا ضمير العالم يا عزيزي – دي لطفلة مصرية و سمرا – كانت من أشطر تلاميذي – الدرس انتهى لِمّوا الكراريس و لهذا ؛ فمن المقطوع به أن استطلاعا لتوجه الرأي العام في مصر على أساس أقاليمي تجاه إسرائيل - في حالتها العدائية العدوانية - ستقف الشرقية فيه عند ذروة مقياس الكراهية و العداء ، و لا يكون مستغربا انتماء المغدور سليمان خاطر إلى محافظة " بحر البقر " .

فأما و قد سمحت للجنرال يعلون دراساته المتقدمة في علم الاجتماع باختلاس أفكار جابوتينسكي و تنظيرها تحت مسمى " كيّ الوعي " ؛ فإنه مطالب الآن بأن يفسر لنا كيف تحطمت النظرية على الأقل مع الشيخ حسن نصر الله الذي لم يعد يظهر على شاشات التلفزة في إسرائيل ! هل يفهم الآن و غيره من القادة أن ما لا يأتي بالدم لا يأتي بالمزيد منه !! الواضح أن الكثيرين من هؤلاء لم يفهموا بعد ، و في صدارتهم رئيس الحكومة الذي هدد الجميع قبل ساعات بالدمار الشامل من فوق منصة الأمم المتحدة ؛ متناسيا أن هاتف الجنرال دايان لم يرن حتى اللحظة !

ما أفهمه هو أن المسألة عند القادة في إسرائيل تتعلق بنظرية أخرى أكثر واقعية و لها مصداقيتها هي نظرية " بناء الكراهية " أو تربيتها ؛ إذا أحببنا محاكاة لسنج LEESING في أطروحته الهائلة عن تربية الجنس البشري . فهؤلاء القادة و مساعدوهم - بما في ذلك المضللون في مؤسسات الثقافة و الإعلام - لا يعترفون إلى الآن بأن السياسة العامة للدولة العبرية هي وضع الحواجز الدائمة أمام أية احتمالات لانصهار إسرائيل في بوتقة الإقليم الذي تقيم فيه . و هذه هي ذاتها السياسة التي تملي عملية الإلحاح اليومي على قضايا المحرقة و معاداة السامية و الشعارات المقولبة عن المحيط الذي يكرهنا و الأعداء الكثيرين و الدولة الصغيرة و المتفردة و الواحة التي في قلب البادية و هلم جرا . نحن هنا بلا جدال أمام عملية دفاع مستميت عن البقاء في دائرة الوحي ، و تعطيل عملية تطور وعي الإنسان ليتقدم روحيا ، و تربيته على الكراهية و العداء تجاه الآخرين ؛ لئلا يأخذه " عقل الإيمان " إلى ساحة الخير المجرد و السلام و التعايش .

أعني مما تقدم أن الهروب من العلاقات الطبيعية مع الجيران هو هروب من استحقاقات واجبة من الأساس لجعلها ممكنة . و مفهوم أن الأولوية في هذه الاستحقاقات هي تمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه الكاملة الثابتة .

و تعميقا للطريق البديل الذي اختارته مؤسسة الحكم في إسرائيل فإن الحكومات المتعاقبة تلجأ إلى مسارات التفافية كالضغوط المستمرة ؛ حتى على المنظمات المانحة لعمليات تطوير التعليم ؛ لإزالة كل ما تراه هي معاديا لها في مناهج التعليم أو في حقول الثقافة و المعرفة المختلفة ؛ بما في ذلك الهجوم السنوي المعتاد على معرض القاهرة الدولي للكتاب . و يقدم التحليل السابق مفسرة واقعية لتماهي المفاوض الإسرائيلي مع العبارات العامة الحميمة عن تطبيع العلاقات الثقافية في معاهدة السلام مع مصر ، و عدم تمسكه بإقرار مواد محددة و مفصلة كانت حاضرة في الملحق الأمني - لجعل هذا التطبيع أمرا ملموسا . و بدلا من ذلك تقوم الجهات المختصة في إسرائيل بإدارة عملية تطبيع وهمي على طريقتها ؛ عبر الاستيلاء على مفردات الثقافة المصرية و الفلسطينية و العربية عموما ، و هي عملية بدأت مبكرا جدا في حفل توقيع المعاهدة عندما أشاد بيجن بالرئيس الأميركي كارتر " الذي قام بمجهود أكبر من المجهود الذي قام به أجدادنا في بناء الأهرامات " !! و تتواصل اليوم مع تهويد المطربين المصريين و على رأسهم الست أم كلثوم ، و مع الفلافل المصرية و الملوخية الخضرا و الكشري المشكل ( ربما لا يعرفون أن لدى المصريين نوعا آخر منه يدعى : الكشري أبو عدس أصفر ! ) ، و غير ذلك .

إذن السياسة المعتمدة هي تجاهل شعوب الجوار " المعادية " و إبقاء الإسرائيليين تحت مظلة الوعي الزائف و الخوف و العداء و الكراهية و قيد السلاح إلى ما لا نهاية ، و اعتبار إنهاء حالة الحرب مع مصر بمثابة العتبة المقدسة للدخول في حالات جديدة من العلاقات " الطبيعية " التي تتوافق مع حاجة القادة في كل حالة منفصلة .

لماذا يصر القادة في إسرائيل بأفعالهم على أن يبقى الإسرائيليون في موقف التناقض العدائي مع شعوب الإقليم الذي تقيم فيه إسرائيل ؟ الإجابة التي قدمناها هي أن المسألة لا تتعلق بعملية كيّ الوعي و إنما ببنائه على قاعدة صلبة من الكراهية البغيضة . و لأن للوعي طبيعة تراكمية فإن التواصل و التكرار يعمل كحافز لاستمرار حالة العداء التي تضمن - بطريقة عكسية - توقف الوعي التاريخي لدى الإسرائيليين عند أزمنة سحيقة كان الفاعل الرئيس فيها هو الوحي و النبوءة و المعجزة .

في مصر المدارس دخلت . و لعلها تدخل قريبا في إسرائيل ! و لعلها تكون مدارس عربية - إسرائيلية " مشتركة " و " نموذجية " أيضا - ليس بعيدا على ربنا !!

لكنْ ... المصريون يقولون أيضا : الجامعة فتحت ؟!

هذه نتركها لمقال تالٍ .




تعليقات الزوار

إقرأ أيضاً