إغلاق
إغلاق
من تغتال إسرائيل ؟! - بقلم الإعلامي المصري: عبدالمجيد إبراهيم
الخميس   تاريخ الخبر :2017-10-05    ساعة النشر :08:24:00



] لم يعد الاغتيال الجسدي للخصوم طريقا لتوجيه التطور في الاتجاه المرغوب بل أصبح وسيلة لدفعه في الاتجاه المعاكس [

حتى حادثة اغتيال ولي عهد النمسا التي أطلقت شرارة الحرب العظمى الأولى لا تقيم علاقة ارتباط عضوية بين عمليات الاغتيال الجسدي و نشوب الحروب . فالحقيقة الظاهرة هي أننا نتكلم في جميع الحالات عن طبيعة و حجم رد الفعل الذي يتجسد - إنْ وجد أصلا - في قائمة من الاحتمالات يصعب حصرها ؛ بما فيها احتمال ألا يأخذ شكلا من أشكال القوة المادية .

هذه الخبرة يقدمها مجمل الصراع العربي - الإسرائيلي منذ انطلاقه ؛ لكن هذا الصراع تحديدا يقدم تجارب مهمة تميزه ؛ بعضها يقع في دائرة الاحتمالات السابق التنويه إليها .

و لأن الطرف الإسرائيلي هو من يعتمد سياسة الاغتيال الجسدي كأداة من أدوات الصراع منذ بدايته لأسباب تخصه ؛ نقول إن أولى هذه التجارب و أهمها أن ردود أفعال الأطراف العربية القائمة على مبدأ القصاص التوراتي - القرآني أو بصورة فورية ؛ لم تكن واردة الإمكان غالبا في ذروة الاشتباك العسكري بملابساته و حساباته المتغيرة ؛ لكنها وقعت في بعض الأحيان اتساقا مع هذا المبدأ أو على نحو سريع . و نذكر هنا اغتيال الجبهة الشعبية لوزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي الذي كان من دعاة " الترانسفير " في القدس أكتوبر 2001 ؛ ردا على اغتيال القائد أبو علي مصطفى ، و العملية المذهلة التي نفذتها المجموعة 39 قتال في الجيش المصري المسماة بالأشباح تحت قيادة إبراهيم الرفاعي ليلة الأربعين لاستشهاد الفريق عبد المنعم رياض رئيس الأركان في مارس 1969 . ثانيا ؛ لوحظ أن انتقال دفة المواجهة في بعض الدول أو في مراحل معينة من مراحل الصراع إلى الجماهير ؛ خاصة التي شكلت حركات مسلحة للمقاومة - سمح في حالات كثيرة بتقديم ردود أفعال موجعة على عمليات الاغتيال الجسدي التي نفذتها إسرائيل ؛ و مثال ذلك الحالة اللبنانية .

أما الواقع الفلسطيني بمتغيراته الخاصة و منذ انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة فقد ميز ردود الأفعال الفلسطينية على عمليات الاغتيال الفردي أو التهديد بالتصفية الجماعية عبر التطهير العرقي – ميزها بالمرونة ؛ بمعنى القدرة على الاختيار من بين بدائل كثيرة للرد ؛ مثال ذلك اغتيال مؤسس حركة كاخ العنصرية المحظورة مئير كاهانا في نيويورك عام 1990 بأيدي أميركي من أصول مصرية ، و من بعده ابنه بنيامين ديسمبر 2000 بمعرفة عناصر من الجبهة الديمقراطية .

و من البدهي أن المعنيين في إسرائيل يقيّمون حسابات ردود الأفعال في كل عملية اغتيال جسدي تظهر الحاجة إليها في تقديرهم قبل اتخاذ القرار بشأنها ، و تأتي في صدارة العناصر التي يجري تقييمها قدرة الطرف المعني على الرد و طبيعة الرد الممكن و تداعياته ، و هي حسابات تكون شديدة التعقيد لن ندخل في سياق الحديث عنها . فالذي يعنينا هنا بالدرجة الأولى هو تبيين الظروف و الملابسات التي تدفع إسرائيل إلى اللجوء إلى استخدام أداة الاغتيال عند لحظة معينة في مجرى الصراع *.

و توضح الإجابة عن هذا التساؤل حتى في أبسط صورها واحدا من الأسباب الأساسية التي جعلت إسرائيل تعتمد ضمن استراتيجية البقاء و الدفاع في آن سياسة الاغتيال و تتمسك بها إلى حد الآن ؛ و صياغتها على النحو التالي : " إذا لم تستطِع هزيمة عدوك في ميدان الحرب فاقتله بعمليات أمنية غامضة " . والفكرة هي أن الطرف المشتبك في صراع ما يتعرض أحيانا إلى وضعية اعتيادية في السياقات الاستراتيجية تتمثل في تقلص أو فقدان الخيارات ، و المتعارف عليه علميا أن الطرف الذي تعتريه هذه الحالة يتعين عليه بحكم الضرورة - ما لم يكن مستعدا لتغيير الاستراتيجية و العقيدة - أن ينتقل من موقفه الراهن إلى موقف آخر ؛ و إلا فإنه يكون مطالبا بتحمل المزيد من الخسائر ؛ بما في ذلك على مستوى الهيبة التي تعتمد عليها في الأساس مكانته و قوة ردعه و قدرته على الاستمرار في الصراع التي لها علاقة ارتباط وثيقة بوجوده .
و بهذا تكون الإجابة في كلمات محددة : أن إسرائيل تستخدم وسيلة الاغتيال الجسدي لأنها تتجنب دائما تغيير موقفها في الصراع و تحرص على ثباته ؛ فتغيير هذا الموقف يعني باختصار تفكيك المنظومة المتكاملة التي تقوم عليها الدولة و من ثم يهدد وجودها . و بمنظور عكسي فإن عمليات الاغتيال الجسدي تعبر في حد ذاتها تعبيرا وهميا للخصم و للجمهور الإسرائيلي أيضا عن أنها تملك خيارات ، و في الوقت نفسه تقلل أو تعادل خسائر الهيبة و قوة الردع ، و ربما تؤكدها ، و قد تمكن في حالات معينة من قلب وضعية إسرائيل الاستراتيجية و تفتح أمامها فرصا و خيارات و بدائل فعلية جديدة و جذابة .
طبقا لهذا التحليل و من دون الارتكان إلى التصريحات التي نقلت عن ألسنة عدد من كبار المسئولين الإسرائيليين مؤخرا ؛ يمكننا التأكيد على أن الأجهزة المعنية في إسرائيل هي الآن قيد التخطيط أو ربما أنجزت خططا لتنفيذ عمليات اغتيال مؤثرة في سياق الصراع الذي تشتبك فيه بالسلاح مع الأطراف المؤتلفة مع إيران ؛ ضمن محور رديفه الطبيعي هو الجماهير الفلسطينية في الأراضي المحتلة بالذات .

إنما السؤال الأهم هو كيف تفكر هذه الأجهزة ؟ لقد طالت التصريحات الإسرائيلية المشار إليها كوادر و رموزا من جميع أطراف هذا المحور ؛ حتى الرئيس الأسد شخصيا لم يسلم منها ، و هو القاعد تحت حماية فولاذية ربما يتمنى الجنرال آيزنكوت أن يتوافر لمقاره القيادية الفرعية تُسع حمولتها و عُشر نطاقها .

من جانبها كشفت إيران عن رد فعلها المُحضّر حال تعرض شخص مؤثر في بنيتها القيادية كالجنرال سليماني مثلا أو واحد من علماء الطاقم الرئيس الذي يدير برنامجها النووي للاغتيال من قبل إسرائيل . و لحسن الحظ فإن رد الفعل المعلن لم توفره عملية إسرائيلية مباشرة بل وفره الدواعش المأجورون بمهاجمة مرقد الإمام الخميني و مبنى البرلمان في قلب طهران يونيو الماضي ، و قد تمثل في ضربة صاروخية دقيقة و مهلكة لداعش قطعت خلالها الصواريخ الإيرانية مسافة طويلة تم تحديدها بالمقاس !

أما الرئيس الأسد فقد انتقل منذ سبع سنوات تقريبا من نقطة الرد الدولاتي - الحكومي إلى فضاء الرد الثوري . و المؤكد أن الحالة المتغيرة للرجل الذي صمت في مقابلة اغتيال رفيقه العميد سليمان قنصا من البحر عند طرطوس في 2008 هي التي تستدعي الآن مهاجمة الأهداف المختارة في بلده عبر الأجواء اللبنانية ! إن الحسابات المعقدة التي أشرنا إليها لطبيعة ردود الأفعال و تداعياتها تجعلني مطمئنا إلى حد ما إلى أن المعنيين في إسرائيل لن يقدموا على اغتيال شخصية سورية مؤثرة ؛ إذ ليس من الممكن أبدا التعويل على ردود عقلانية من جانب جنرالات من نوعية زهر الدين أو النمر لحظة أن ينتقلوا إلى السلطة بعد اغتيال قائدهم ، أو حتى من دون ذلك .

و أما الفلسطينيون فهم بمثابة الساحة المفتوحة دائما لمثل هذه العمليات التي قد تمليها أحيانا حسابات تجعل حتى حماس غير راغبة في إبداء أي رد فعل . و في تقديري أن الحالة الفلسطينية بعد اغتيال الفقها و ليس السنوار لا تستدعي في الحسابات الإسرائيلية تنفيذ أية عمليات إضافية - يمكن تأجيلها في كل الأحوال - من القوائم المعدة بحق قادتهم من الساسة أو العسكريين .

لم يبقَ إذن سوى الساحة اللبنانية التي يعمل فيها حزب الله . و بالفعل فإن تصريحات القادة الإسرائيليين ركزت كثيرا على هذا الطرف بل سمت تحديدا أمينه العامّ حسن نصر الله الذي قاده إلى انتصارات مدوية . و بالطبع فإن من العبث أن تطلق الأجهزة الأمنية ما يعادل تحذيرات للشخص المستهدف بالاغتيال من جانبها إلا إذا كان التحذير لغاية في نفس يعقوب الجنرال و ليس النبي ! و الحقيقة أنني لست معنيا هنا بهذه المسألة على الأقل لكونها تحتاج إلى طواقم كبيرة و متخصصة لفهمها و تفسيرها .

و من دون الدخول في تعقيدات عملياتية تتعلق بإمكانية الوصول إلى نصر الله ؛ فمن المؤكد أن خيار اغتياله يبحث منذ سنوات طويلة و يعاد بحثه بصفة دورية منتظمة و استثنائية . و من المفهوم أن السطر الأول في وثائق البحث ينص على أن حزب الله لم يعد هو ذلك التنظيم الشعبوي الذي كان يقوده الموسوي فبراير 1992 عندما اغتالته إسرائيل بإشارة متأففة من يد شامير و بقرار تجاهل رد فعل الحزب ، و أن الأجيال الجديدة من قادته تغلب لديهم الروح القتالية على النزعات العقائدية ، و يتسمون بالشراسة و التهور ، و هم يجدون أنفسهم في وضعية قتال دائمة و مفتوحة و على ساحة ممتدة ، و يعاينون خبرات جديدة تتجاوز المعارف الخاصة بحروب الأنصار ، و قد اتسعت جبهة الاشتباك بينهم و بين إسرائيل بفضل خطايا هذه الأخيرة في سورية ، و تسلحوا حتى شبعوا و بنوعيات مستحدثة و بآلاف مؤلفة من الصواريخ المتعددة المدى التي تغطي جميع الأجواء الاسرائيلية تماما مثل منظومة القبة الحديدية ! فهل قدّر المخططون في إسرائيل هذه العوامل أم أن الهدف الذي تحدد لا يرقى إلى مستوى الأمين العامّ للحزب أم أن الخطة وضعت على أساس أن يقوم " الروبوت " بهذا العمل العويص ؟!

في كل الأحوال فإن عملية اغتيال جديدة تستهدف حزب الله لن يقف أمامها متفرجا أو متوعدا بالثأر أو مكتفيا برد على شاكلة ما جرى بعد اغتيال مغنية الابن أو برد متجمد على شاكلة الرد الذي لم يُفعّل بعد لتصفية حساب اغتيال مغنية الأب .

الحسابات الآن باتت شديدة التعقيد : فمن ذا الذي يستطيع أن يقدر حجم الرد الجوابي لحزب الله على عمليات اغتيال جديدة في حالات بعينها ؟ و من أين سينطلق هذا الرد ؟ و في أي اتجاه ؟! حتى التقديرات الدقيقة ستنطوي على مخاطر هائلة ، و هي تملي التوصية بتغيير الموقف بطريقة شجاعة و آمنة تدفع بالإقليم في مجمله - و ضمنه إسرائيل - إلى التعايش و نبذ الكراهية و إنهاء حالة الحرب المزمنة . بيد أن تغيير الموقف هو الآخر يحمل مخاطر بيّناها و لا يمكن تجنبها إلا بتغيير الاستراتيجية ؛ ففي واقع ارتقت فيه الأدوات و الوسائل لم يعد للشعارات الحماسية التي كان يطلقها شارون من عينة " إما نحن على أيديهم و إما هم على أيدينا " - أدنى فاعلية أو مدلول ! الأفضل أن تتعانق الأيدي على قاعدة التعايش و إرساء الحقوق و هذا ما يضمن وجود إسرائيل و يحميها .

لاحظتم بالطبع أن عنوان المقال - السؤال مراوغ ، و أن الإجابة تحتمل الكثير من المفردات المزعجة و ليس الأسماء و الرموز !!

* بصرف النظر عن التوقيت العملياتي الدقيق لأي من عمليات الاغتيال تلك ؛ فإن المخطط الإسرائيلي يتلمس في تحديده قدر الممكن - لأسباب تتعلق بتكنيكات الحرب النفسية - أن تتنفذ في شهر فبراير إن كانت تستهدف كوادر في حزب الله ، و في سبتمبر أو إبريل إن كانت موجهة إلى قيادات المنظمات الفلسطينية المسلحة .




تعليقات الزوار

إقرأ أيضاً