إغلاق
إغلاق
بين أسد الرب و عطيته حكاية بنت اسمها "مُصَالحَة" ! - بقلم الإعلامي المصري: عبدالمجيد إبراهيم
الاربعاء   تاريخ الخبر :2017-10-11    ساعة النشر :15:37:00


من قرأ قصة " حكاية بنت اسمها مَرْمَر " يتذكر أنها كانت تعالج قضية الصراع بين القيم التقليدية و المتغيرات الجديدة المتسارعة ؛ تماما مثل " المصالحة " الفلسطينية التي لا تختلف حكايتها عن حكاية " مرمر " إلا في كون المصالحة مجرد " بِنْت " أفكار ؛ ولدت من الجماع الذهني لبنيامين نيتانياهو . فلماذا لا يزال بيبي غاضبا على شارون الذي فعل كل شيء في الوقت نفسه ، و برؤية واقعية ؛ لحماية أمن و وجود إسرائيل ؛ بما في ذلك بل في مقدمته إزالة المستوطنات ؟!

أسد الرب شارون الذي تُوّج ملكا كان مغرما بفكرة " المشروع " ، و قد أنجز الكثير تحت هذا المسمى لنفسه و لإسرائيل . تذكرون مشروع النجوم السبع للاستيطان في الضفة الغربية ، و مشروع التوءمة مع كردستان الكبرى ، و مشروع التسوية عن طريق الترانسفير ، و مشروع الإدارة الذاتية للفلسطينيين عبر روابط القرى ، و مشروع الائتلاف السياسي بين اليمين و اليسار الإسرائيلي " كاديما " ، و الكثير من مشروعات البنى التحتية و الزراعة ، وصولا إلى مزرعته الخاصة في النقب التي كان يربي فيها الحيوانات المفترسة و يحلب اللبن من الأبقار ؛ مع احترام السبت غالبا ؛ و إن كان منتميا إلى اليمين القومي !

بيد أن المشروع الأهم في مسيرة شارون و هو الأخير في حياته من دون احتساب مشروع اغتيال القائد أبو عمار ؛ كان مشروع فك الارتباط الأحادي الجانب مع قطاع غزة الذي تنفذ في ظل رئاسته للحكومة و لحزب ليكود في 2005 ، و بموجبه أخلى المستوطنات و معسكرات جيش الاحتلال الإسرائيلي في القطاع و سحب نحو عشرة آلاف مستوطن من هناك بالقوة !

فكيف يكون رئيس الوزراء نيتانياهو الذي هدهد رموز حكومته و وأد تهديداته المتكررة لأبو مازن أمام ضجيج المصالحة الفلسطينية ؛ هو نفسه بنيامين الذي انقلب على شارون بسبب مشروع فك الارتباط ، و تآمر في حينه لإزاحته عن زعامة ليكود ، و صمم على انتقاده حتى في لحظات تأبينه و على هذه الخلفية خصوصا ؟! و ما كان شارون في تقدير الكثيرين من محبيه إلا ملكا من ملوك إسرائيل ؛ أرسلته السماء ليحقق أمنيات سابقيه بشأن غزة التي ستذهب إلى الجحيم و يبتلعها البحر !

إنها عقلية ملك بحق تلك التي أنجزت مشروع فك الارتباط . و قد كان مستوحى من القيمة التقليدية في استراتيجية إسرائيل المتمثلة في تخليق الظروف الموضوعية لإثارة الفتنة و الانقسام و التناحر و الاقتتال في صفوف الفلسطينيين ؛ انطلاقا من كل العوامل و المتغيرات الممكنة بما في ذلك الأيدولوجية . و فلسفة المشروع كانت مثالية بالمقياس الصهيوني ، و مؤداها ألا وجود في الأصل لما يسمى بشعب فلسطيني ؛ و من ثم لا حديث عن حقوق أو مطالبات إلا لشعب إسرائيل ! و ترتيبا ؛ لا مجال لحديث جاد عن دولة فلسطينية ، و لا يمكن المساس بفكرة الاستيطان التي هي بمثابة الروح التي يُستمَدّ منها بقاء الدولة اليهودية و استمرارها من أجل خلاص الشعب المختار .

بيبي الذي تعيّش لسنوات طويلة على مشروعات شارون و استثمرها ؛ لم يكن يفهم وقتها ما يفكر فيه الملك الداهية الذي لم تسمح له الأقدار برؤية أفكاره الملوكية و قد تجسدت على أرض الواقع في معركة دموية ؛ ألقي فيها الفلسطينيون بعضهم بعضا من فوق أسطح المنازل أمام عدسات الجزيرة و تحت شعارها الذي كان مطموسا : " الدم ... و الدم الآخر " ! ففي 2007 ؛ بينما كان الملك غائبا عن الوعي راقدا ، و بعد انتخابات تشريعية فلسطينية تفاجأ بنتيجتها الأخ مشعل الناجي من سمومه التي طالته في عمّان - وقعت الواقعة التي أحكم تخطيطها شارون ، و تقاتل الفلسطينيون ، و انتهى حكم منظمة التحرير في قطاع غزة ، و انفصلت الدولة التي لم تولد بعد إلى كيانين .

لا يتعلق الأمر بسوء قراءة أو تقدير بيبي لمشروع شارون الذي ختم به حياته الحافلة بالمشاريع الخلاقة ، و لا بتمرده عليه حتى اضطره إلى إعادة تنظيم حاشيته الفاهمة و المؤمنة بقيادته الملوكية تحت لواء " كاديما " ؛ حتى هذا المسمى الرمز لم يفهمه بيبي في حينه و لم يفهمه بعد حينه عندما انفصلت الوحدة تحت الجغرافية بين الضفة الغربية و القطاع في 2007 .

لم يفهم بيبي إلى وقتنا هذا أن مشروع شارون كان وحيا جاءه من السماء الزرقاء - البيضاء لتوديع الحلم الفلسطيني بالكامل ، و إنهاء حقبة التمثيل الشرعي و الوحيد ، و شطب المشروع المقابل الذي يتضمن عبارة مزعجة : " و عاصمتها القدس " ، و الذي أضاف إليه القائد أبو عمار قبل أن تناله هو الآخر سموم شارون في المقاطعة – تعليقا هجوميا فظا : " و اللي مش عاجبه يشرب من بحر غزة " !

الأمر يتعلق بانقلاب بيبي على المشروع الأهم لملك إسرائيل الذي تطور مع الوقت لانفصال كان أوشك أن يصير مستديما و أبديا بين الضفة و القطاع ؛ كأن لدى بيبي حقدا دفينا و كراهية مستترة للملك شارون الذي استحوذ على اللقب قبل أن يفعل هو كل ما يؤهله للفوز به عن استحقاق – حسب اعتقاده . إذ كيف لبيبي و قد رأى بأم عينه و استطعم بثقب لسانه منجزات المشروع الذي أسسه شارون ؛ أن يقبل بإعادة توحيد الضفة و القطاع و إحياء المشروع المقابل ؟! هل يريد بيبي أن يشرب من بحر غزة في نهاية المطاف ؟! أم أن ما حدث هو من تأثيرات المواظبة على استعمال السيجار الكوبي الذي انتهى بكاسترو إلى تطبيع العلاقات مع الإمبريالية العالمية !

بنيامين ليس ملكا و قد لا يصير ملكا على الأرجح ! لقد انقضى عهد ملوك إسرائيل ! و لئلا يغضب ! فلنقل أميرا ؛ هذا يناسبه مثل أولمرت و بقية أمراء ليكود الذين ساروا على درب واحد ثابت نهايته محزنة . و عندما يعقب على " حكاية " المصالحة التي منحته شريكا للتفاوض بأنه لن يسمح بها على حساب إسرائيل - و بما قد يأتي بعدها بالطبع - فهو يلاوع ، و يعمل على تمرير مشروعه الذي ضرب قيمة صهيونية تقليدية في الصميم إلى حاشيته و عشاقه و حلفائه في مجتمع اليمين ، و يلقي بالمسؤلية على الآخرين كأنهم هم من سمحوا بهذه الكارثة - حسب ما يفهم الجمهور . و عندما يتكلم عن شروط وضعها لنفسه يمكنها أن تمنعه - مؤقتا على الأقل - من محاربة المصالحة و تخريبها ؛ فإنه يعلن على الملأ الشروط التي حددها في الموائد السرية لاستمرار المشروع - خذوا عندكم : أن تقوم حماس ببتر ذراعها المسلحة ، و أن تعترف بإسرائيل و بيهودية الدولة ، و أن تقطع الاتصال مع " صُنّاع الصواريخ " الإيرانيين . و المعنى أن حماس لن تكون شريكا في المفاوضات ، و لن تكون هناك مفاوضات من الأصل ما لم تلتزم بكل هذا ؛ فهو لا يكفيه وثيقة حماس المعدلة في الدوحة التي كمشها بقبضة يده و وضعها في سلة المهملات ، و لا إقصاء الأخ خالد الناجي و رفيقه العلمي . و قد لا يكفيه إتمام صفقة استعادة أسراه .

اللحظة التي يعيشها بنيامين هي لحظة خروج على المألوف ODD ؛ على القيم التقليدية الجوهرية في الاستراتيجية . و هي تماثل لحظات عاشها قليل من سابقيه ؛ بمن فيهم الملك شارون .

والسؤال المحير هو : هل كان بيبي مضطرا للانقلاب على مشروع شارون الذي بانت كراماته حتى قبل أن يفارق عالمنا بجسده ؟ أم فعل ذلك عامدا طبقا لمشروع خرج من " بنات " أفكاره ؛ تقوده روح الانتقام من الملك ؟ أم فعله بتوافق و اتفاق ؟ و هل أخطأ أم أصاب ؟ إذ يجب أن نلاحظ أن هذا الخروج يمس واحدة من أهم مكونات الاستراتيجية التي بناها الرواد الحكماء ؛ عن طريق التقدم للمرة الأولى بخطوة من شأنها فض خلاف أو انقسام فلسطيني أو عربي !! و لا بد من التأكيد هنا على أن الحالة الذهنية لرئيس الحكومة هي فوق الممتازة ؛ لئلا يذهب المشككون بعيدا في قراءة المسألة ! فما الذي حدث إذن ؟

بسيطة هي المسألة ! و هي تفضح نفسها ، و تتعلق بالصهر و السفير و المبعوث . هل فهمتم ؟! ترغبون في توضيحات زائدة . فليكن ! اسألوا أنفسكم متى كان بيبي يقدم على أفعاله خصوصا الحاسمة منها مضطرا ؟ و متى كان يُخضِع لمشاعره الشخصية أفعاله المرتبطة بالدولة و الحلم الصهيوني الكامل و " النور الذي أطل علينا ليبقى إلى الأبد " ؟ ثم يعني ... من قال لكم إنه يحقد على الملك ؟ بالعكس ... هو يبجله و يقدره ، و قد قال هذا في حفل التأبين إياه في مزرعة النقب ! الموضوع و ما فيه هو منافسة تاريخية شريفة في خدمة إسرائيل .

إذن لم يبقَ لنا و بالأحرى له إلا خيار التقصد و التعمد النزيه مع التوافق و الاتفاق . و استأذنكم في إضافة " المشارطة " .

هذه هي حكاية " مصالحة " الفلسطينية برواية الأمير بيبي . أما مسألة الصواب و الخطأ فهذه تقديرية و يمكن تدبيرها بعمليات تصحيحية أو استكمالية ؛ فأن يكون هناك خطأ في الحسابات لا يعني هذا نهاية المطاف ؛ بالنهاية يمكن و يجب و يتعين أن تكون صوابا . فلو لم ينصَع الفلسطينيون تماما لكامل المشروع ؛ لو تلاعبوا في السكة ؛ ينفجر لغم المصالحة فيهم من بعد ؛ لأن " مصالحة " ليست قدرا إسرائيليا محتوما يسقط على الشعب الفلسطيني كالنسمة في عز الظهيرة ، و كثيرون جاهزون لهذا العمل ؛ بمن فيهم رجالات التليين و التسكين و المستعربون و الطائرات المأهولة و غير المأهولة ؛ الكل جاهزون ، و لن يعدم الأمير وسائله .

سيقول من تابعوا المشاهد عبر الشاشات بخليط من الحماس و الغضب و ربما الارتباك : لكنها مصر هي التي أنجزت هذه المصالحة و فعليا على الأرض ! صحيح و إلا كنا لا نرى ! إنما هل تستطيع مصر أن تفلت فرصة أتيحت أمامها لتحقيق هدف عملت كثيرا من أجله السنوات الماضية ، و لا يقدر على إنجازه سواها ، و هي تحرص على إنجازه . و هل هي مستعدة لتوجيهه في لحظة ما إلى الخلف ؟ بالطبع لا !

البادي أننا أمام مشروع جاد و خطوات تالية يفترض أن " تغير وجه التاريخ إذا نجحت " ؛ يحتاج بنيامين و هو يمشيها إلى دعم جمهوره ؛ فهل يفعلها و يجدد عصر ملوك إسرائيل و يخرج من سلك الأمراء و مصائرهم ؟

ليْلاتوف أدونْ بيبي ... تِزْخُرْ رَكْ شِيه شارون هُو هاميلِخْ شِيه هايا تَاميد أُومير هابارور اِينو زاكُوك لَابِيرور ... لِخْ كاديمَا جِيبُور !!




تعليقات الزوار