إغلاق
إغلاق
مقال ناقد للبروفيسور، ابن يافا، مكرم خوري مخول، بعنوان:"يافا الحاضر ما بين التحديات الكيانيّة والإقتتال الداخلي".
الاثنين   تاريخ الخبر :2017-11-06    ساعة النشر :15:34:00

بالنسبة ليافا وفلسطين ككل فاليوم يرتبط بالأمس وإن كان الامس هو قبل قرن عند صدور وعد بلفور عام ١٩١٧. فمنذ ان تمنى بن غوريون في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين الوقوع المدوي ليافا المدينة الفلسطينية الحضارية المركزية على امتداد البحر المتوسط والعمق العربي والمد الغربي، ومرورا باحتلالها اثناء نكبة فلسطين عام ١٩٤٨ وبقاء فقط زهاء ٣،٥٠٠ من سكانها (أسميهم نُجاة النكبة) وهي تخضع لمخططات تمحو ما تمحو من معالمها وعمرانها وجغرافيتها واُخرى تُخضع مجتمعها الى اشرس مخططات الطمس والتفتيت عبر حرب نفسية واقتصادية دون هوادة لكي تستمر السلطة المركزية بإحكام قبضتها على كل نَفَر في يافا ولكي لا يتعافى المجتمع ولا تنشأ يافا ولا تزدهر ثانية لمصلحة أهلها الاصلييين. 

لقد نشطت شخصيا وبشكل مكثف في المجالين الإعلامي والاجتماعي- السياسي في مدينتي الغالية يافا وعلى مدار الساعة وبدون كلل ولمدة عقود إلا انني لم أشعر وأبصر في اي صهريج ضغط اقتصادي واجتماعي وسياسي يعيش أهالي يافا كل دقيقة حتى تركت يافا في أيلول ١٩٩٩. ابتعدت جسديا الا ان الرؤية ازدادت وضوحا. فقد ظهرت الصورة جليا لدى وصولي الى ومن الغربة حيث شاهدت بذهني بشكل جليّ واكبر حجم المخططات الماكرة إما لترحيل أهالي يافا او لأضعافهم وكل ذلك لمحو عروبتها وفلسطينيتها ولإبقائها تابعة ضعيفة مشتتة ومشرذمة يعمل فيها كل شخص لمصلحته الذاتية وضد أخيه وجاره فلن تقوم لها قيامة. 

لن ابدأ بإحصاء اللقاءات المتلفزة التي أشارك فيها ولا الأماكن التي ازرها في العالم لحضور ندوات ومؤتمرات ومناسبات مختلفة . وفِي كل مرة لم تتأخر هويتي اليافاوية لتسطع فوق بحر بقية الهويات لتكون الأعمق من بين كل انتماءاتي وليتم التركيز عليها بعد دائرة الهوية العربية والفلسطينية وكجزء منها يمثل الصمود المستمر والرغبة في الحياة. فمن لم يولد في يافا ومن لم يسبح في بحر معاناتها او من لم يعش في جدلية صيرورتها سيصعب عليه استيعاب حب يافا المجبول بعراقة الماضي والعذاب المستمر منذ النكبة. ومن هنا ينبع حرصي على بقعة غالية تعيش غليانا اجتماعيا وباستمرار. 

رغم تعاملي بقضايا تصل قمم العالم ومهما كانت ملحة وكارثية فكل هذا يتنحى جانبا عندما تصلني اخبار عن اي تحرك سلبي ولو صغير في يافا حيث يأخذني هذا ويشدني عن المصائب الكبرى الحاصلة في العالم والتي اتابع احيانا مجرياتها عن كثب. ولذلك فتراني احزن في الغربة لما يعانيه شعبي- مجتمعي اليافاوي من تشرذم يقطع وحدته ونزاعات تدفن تقدمه وضغينة تهدد وجوده وانتقامات لا تشير الى تقدم مجتمعي. قد يتم استعمال آخر صرخة من نسخ التكنولوجيا فقط لإظهار اسواء التصرفات. نعم. أقول أرجوكم استفيقوا ولو لدقائق من عراككم اليومي لنيل لقمة العيش واستوعبوا ما الذي يحدث لكم وحولكم!!! أقول هذا لأنني ارى صورة وضع مجتمعي اليافاوي أوضح من لندن... أقارن وضعكم مع اوضاع تجمعات فلسطينية اخرى في العالم. تزداد الاهانة الوطنية عندما تستمع تعليقا مهينا عن المجتمع اليافاوي وآفاته. ارى كيف ان كل واحد منكم مستهدف بداية من التضييق عليه ومرورا بنتائج التوتر الناجم عن ذلك التضييق وانتهاءا بزرع بذور التصرفات الانانية لاثارة ردود فعل بدائية تُبقي المجتمع اليافاوي في مكانة متدنية لا ينعم فيها لا بالأمن ولا الامان ولا الصحة المجتمعية. 

أليس من مصلحة المجتمع الواحد ورغم وجود تيارات سياسية مختلفة في أوساطه، والتعددية شيء جيد وشرعي، ان يتسم بالتعاضد والمؤازرة؟ المؤامرات التي حيكت ضد كل حي من احياء يافا وكل طائفة وشارع وبيت ونفر في يافا تجعل تبعاتها تطفو على السطح وتظهر على شكل مظاهر الكراهية الداخلية والغضب والعنف والغلواء والاعتداء. 

ليعذرني بعضكم وانا لا أعمم الا انني اشعر وكأن بعضكم لا يرى ما أراه من الغربة ( وهكذا كنت أنا في الداخل) وكيف ان كل مشكلة او حادثة او عقدة، صغيرة كانت أم كبيرة ، يتم استغلالها داخليا لإلهائكم ببعضكم بعضا؟؟ لتكرهوا وتحقدوا على بعضكم بعضا ! لتتخاصموا وتلتهوا ببعضكم بعضا فتبقوا من المجتمعات الضعيفة المهمشة. 

هل من الصعب، ونحن، كشعب فلسطيني تفخر بِنَا شعوب العالم من اقصاه الى اقصاه، وتتعلم من معاناتنا وصمودنا، ان نُظهر تجاه بَعضُنَا البعض نسبة من الرحمة عند الانزلاق؟ والرأفة عند الخطاء؟ والشفقة عند التعثر؟ والتفهم عند الضعف؟ والعطف عند الشعور بالحرمان؟ والتعاضد اثناء الأزمات العامة والشخصية منها؟ 

نحن نعيش في عالم متقلب سريع وتيرة الأحداث ليس لأحد فيه مفر آمن يضمن فيه عدم مواجهة أزمة ما في وقت ما. فمهما ازدادت المصائب وبالتحديد عند بلوغها الذروة، فيا حبَّذا لو اخترنا التعقل لابعاد الفتن والرشد لانصاف الجميع والتروي لإظهار العدالة والاخلاق لكي نفكر أيضا على من يمكن ان يُظلَم دون ذنب اقترفه ويعاني جراء أزمة لقريب له ليس له فيها شأن مباشر ؟ كمن ناضل في يافا ومن يافا ولأجل يافا عدة عقود لربما انه لدي الحق بان إناجي نفسي واناجيكم قائلا : يا حبَّذا لو اتحتم لي قراءة وسماع ومشاهدة اخبار تختزل النميمة وتمحو الضغينة وتختصر من الذمة الواسعة وتستبدلها بالطيبة الرحيمة لكي نخفف من معاناة هذا ومن عذاب ذاك. لا ان نساهم في تفاقم هذه المصيبة والتي قد تؤدي الى دمار هذا وذاك. استفق يا شعبي في يافا، فلا مكان للأخطاء.... كفانا عذابا كفانا شقاء. 

د. مكرم خُوريْ - مَخُّول 
كيمبريدج - إنجلترا.




تعليقات الزوار

إقرأ أيضاً