إغلاق
إغلاق
السياسة الروسية و احتواء الجنون الأمريكي - بقلم: الدكتور حسن مرهج
الثلاثاء   تاريخ الخبر :2017-11-07    ساعة النشر :11:01:00


على الرغم من انحسار جبهات القتال في سوريا ، و المنجزات الميدانية الهامة التي يحققها الجيش السوري على امتداد الجغرافية السورية ، إلا أن الحرارة التي تحيط بالميدان السوري لا زالت ملتهبة ، و لا زال مستوى التوتر بين القطبين الروسي والأمريكي مرتفعا ، حيث أن المواجهة على أشدها من قبل حلفاء القطبين على الأرض ، في السعي للسيطرة على المناطق التي لا زالت تحت وطأة تنظيم داعش الإرهابي ، وسط حديث عن احتمالات اندلاع مواجهة مباشرة بين كل من الروس والأمريكيين إن لم يكن على الأرض ففي الأجواء السورية.

لا تزال العلاقات بين أمريكا و روسيا إلى اليوم ، تعتبر القضية الأكثر أهمية في العلاقات الدولية ، على الرغم من انهيار الاتحاد السوفيتي وظهور تدريجي للصين باعتبارها القوة الثانية في العالم ، ولكن لا يمكن لأي تحول دولي و رئيسي في السياسة الدولية أن يكون بعيدا عن العلاقات بين موسكو و واشنطن ، ففي العلاقات الروسية الأمريكية لا شيء ثابت ، هي علاقة تتسم بالبرود تارة و بالانفراج تارة أخرى ، ربما مصالح الطرفين تفرض عليهم إما التقارب أو إطلاق تصريحات نارية تصل ربما لحد الصدام المباشر ، لكن يبدو أن الثابت في الطرف الروسي هو القدرة العجيبة على احتواء الجنون الأمريكي و تأطيره بما يخدم المصالح الاستراتيجية و هذا ما بقيت عليه العلاقة الروسية الأمريكية لعقود طويلة .

شكلت الأزمة السورية تباينا واضحا بين الطرفين ، روسيا مع الدولة الشرعية في سوريا ، و أمريكا على النقيض تماما ، إذ تقوم بدعم الفصائل الإرهابية و العمل على تقويتها من جهة ، و من جهة أخرى تسعى للاتفاق و التنسيق مع الجانب الروسي ، و الأغلب تنقلب على ما اتفقت عليه و هذا ما أثبتته الوقائع ، و هذا التنسيق لا ينطبق فقط في سوريا ، بل بكافة قضايا المنطقة التي تشكل هذه الأيام مواد دسمة يسعى الأمريكي من خلالها لتمرير مصالحة و الضرب على وتر الاستقرار في الشرق الأوسط.

و في قراءة للاستراتيجية التي تعتمدها روسيا مقابل أمريكا ، نجد أن الاستراتيجية التي يتعامل بها قادة الكرملين في تعاملاتهم مع دول منطقة الشرق الأوسط ، هي عدم التدخل في القضايا الداخلية التي تخص تلك الدول ولقد أكدت مؤشرات النهج الواقعي الذي يتبعه قادة الكرملين في سياساتهم الخارجية ، بأنهم يركزون على مفهوم المصالح المتبادلة في تعاملاتهم وتجنب التدخل في الشؤون الداخلية الأخرى لشركائهم في المنطقة ن وهذه السياسة تأتي وفقا لمبدأ السياسة الخارجية لبوتين فيما يتعلق بالتطورات الأخيرة في منطقة غرب آسيا، ومن زاوية اُخرى نرى بأن بعض الدول في منطقة الشرق الأوسط سمحت للروس بالتدخل في بعض شؤونها الداخلية ، ولهذا فلقد دخلت القوات العسكرية الروسية إلى سوريا، بعد أن طلبت حكومة دمشق منهم ذلك.

وخلافا للنهج الروسي، فالبيت الأبيض يقوم بالتدخل في شؤون الكثير من دول المنطقة وذلك من أجل تحقيق مصالحه الخاصة، فيقوم في كثير من الأحيان بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول عن طريق استخدام مجموعة من الذرائع كحقوق الإنسان وحرية التعبير ودعم المعارضة والانقلابات وخلق حروب داخلية وفي بعض الأوقات يقوم بالتدخل العسكري المباشر في تلك الدول ، وهنا يمكن القول بأنه على الرغم من عمليات القمع التي يقوم بها نظام آل سعود على نطاق واسع داخل السعودية وتلك الجرائم التي يقوم بها في اليمن، إلا أن واشنطن لا تتحدث عن قضايا حقوق الإنسان فيما يخص تلك القضايا وذلك لأنها تربطها مصالح مشتركة مع الرياض، ولكن فيما يتعلق بإيران، وبسبب تضارب مصالح الولايات المتحدة مع طهران في المنطقة، فقد دأبت أمريكا على ممارسة كافة الضغوطات على إيران، كفرض عقوبات صارمة والقيام بالتهديدات العسكرية .

من هنا كانت السياسية الروسية تسعى دائما لاحتواء الحماقة الأمريكية التي تعتمد على التهديدات و التدخلات المباشرة في الشؤون الداخلية للكثير من بلدان الشرق الأوسط ، و بالتالي يمكن القول بأن الدور الروسي في منطقة الشرق الأوسط هو دور رادع للجنون الأمريكي ، إضافة إلى أنه دور هجومي ضد الإرهاب و داعميه ، و في ما يتعلق بسوريا التي تعتبر محور الخلاف الروسي و الأمريكي ، نجد أن معركة اليوم القائمة بين الأمريكيين والروس على امتداد الخارطة السورية، يسعى القطبان إلى حصرها ضمن المنافسة الميدانية بين حلفائهم على الأرض دون ترك المجال للآخر بتخطي الخطوط الحمر، ولكن يبقى السؤال إلى أي مدى سيتمكن الطرفان من ضبط هذه اللعبة دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة جوية وحتى برية ، فالكل يعلم أن الميدان يجر الأمور باتجاهات قد لا تروق أحيانا للسياسات المرسومة والاتفاقات الموقعة على الورق.




تعليقات الزوار

إقرأ أيضاً