إغلاق
كحيل
إغلاق
يا عرب: ابكوا كالنساء ملكا لم تدافعوا عنه كالرجال - بقلم:- الشيخ ابراهيم صرصور
الجمعة   تاريخ الخبر :2018-01-05    ساعة النشر :09:03:00

لا أدرى لما تذكرت – وانا اتابع حالة التصاعد غير المسبوق في الغطرسة الإسرائيلية – الامريكية مقابل الانحطاط غير المسبوق للواقع العربي والإسلامي، القصة التي انتشرت في الكتب المهتمة بتاريخ الأندلس، أعني قصة (زفرة العربي الأخيرة) والتي تحكي لنا أن ملك غرناطة المسلم (أبو عبد الله) لمّا سلّم مفاتيح آخر دولة إسلامية للملكين الكاثوليكيين (فرديناند وايزابيلا) سنة 1492 ميلادية، ثمّ همّ مغادرا تلك المدينة برفقة عائلته وحاشيته، صعد ربوة تطلّ على غرناطة وقصر الحمراء فيها، ثم زفر زفرة ألم وتحسّر على ضياع مُلْكِهِ وانقراض دولة الإسلام بالأندلس على يديه. وحسب نفس القصة فإن أمّه لمّا رأته في هذه الحالة خاطبته بكلمات قاسية، وقالت تلك الجملة الشهيرة التي انتشرت انتشارا واسعا وأصبحت ملاصقة لصورة أبي عبد الله في الأذهان: (ابك كالنساء ملكا لم تدافع عنه كالرجال).

العالم العربي والإسلامي (الا القليل) يُباع في هذا الزمان في سوق النخاسة الدولي، وليس ادل على ذلك من غياب دوره في لجم المتآمرين الذي يكيدون له سرا وعلانية، بل وتواطؤ الكثير من انظمته مع هؤلاء المتآمرين طمعا في البقاء مدة إضافية على سدة الحكم ولو شربوا في سبيل ذلك من كؤوس الذل والمهانة ما شربوا!

النهاية محتومة.. لن يكون حالهم أفضل من حال (أبو عبدالله)، مع فارق واحد.. فعبدالله الصغير خاض مقاومة شرسة بتحريض من والدته (عائشة الحرة) ودافع لسنين عن آخر قلاع الوجود الإسلامي في الاندلس حتى آخر نفس.. عندها وعندها فقط كان لا بد من القرار المؤلم: الاستسلام والخروج الآمن من غرناطة الحاضرة الإسلامية الرائعة بعد مرور 800 عام على الحكم الإسلامي في الاندلس!

إسرائيل وامريكا ومعهما الغرب وإن بنسبة أقل ولأسباب تكتيكية وليس استراتيجية، منسجمون تماما مع أنفسهم.. مصلحتهم جميعا تقتضي ان يظل العرب والمسلمون في حالة عجز كامل وشلل شامل عن استرداد دورهم كأمة لها شأن، وككيان سياسي له مكانته الدولية وتأثيره في السياسة العالمية ويحظى بالاحترام والتقدير. لذلك لم يعد سرا ولا مستغربا ان يتحدث ترامب عن ان العرب والمسلمين ليسوا أحرارا في التصرف بما تحت أيديهم من كنوز طبيعية وبالذات البترول، ولذلك بدا الحديث عن ان السيطرة الامريكية – الإسرائيلية - الغربية على مصادر الطاقة في هذه الدول وبالذات دول الخليج والعراق وليبيا وغيرها من الدول، عند اول بادرة استقلال بها بعيدا عن الإرادة والقرار الدوليين، اصبحت ضرورة لن تتردد أمريكا في الذهاب اليها دون الالتفات لأي اعتبار أو معيار..

من نافلة القول الإشارة هنا إلى أن العالم العربي في اغلبه الساحق يعيش تحت احتلال غير مباشر صادَرَ وَعْيَهُ وإرادته وقرارَه، تمثل الأنظمة الحاكمة في هذا الإطار الوكيلة المباشرة لهذا الاحتلال تنطق باسمه وتحمي مصالحة وتنفذ قراراته وتقود شعوب المنطقة لخدمته، في مقابل حماية وهمية ومهينة ومذلة لعروش بُنِيَتْ على الظلم والفساد والاستبداد.

عندما تأتي ساعة الحساب، هل سيجد هؤلاء الحكام من يقول لهم ما قالته (عائشة الحرة) لولدها (عبدالله الصغير) عندما رأته يبكي ضياع ملكه؟ أم ان الامر اليوم أكثر تعقيدا، حيث يتوهم الكثير من زعماء العرب ان مُلْكَ بلادهم بيدهم، وهم في الحقيقة قد ضيعوه منذ امد بعيد، وما بقي في أيديهم سوى بقية وَهْمٍ سينفجر في وجوههم عندما يرون جحافل اعدائهم تقف امام غرف نومهم العفنة!

(2)

من نتائج هذا الواقع المر أنه حيثما قَلَّبْتَ النظر في أنحاء الأرض، ترى شعوبا وأمما تعيش آمنة مطمئنة يأتيها عيشها رغدا من كل مكان... أممٌ تسعى لتطوير أوضاعها، وأنظمةٌ تبذل الطاقة في خدمة شعوبها... هذا هو الواقع الذي يعيشه العالم شرقا وغربا ... أما عالمنا العربي والإسلامي فيعيش حالة استثنائية يصعب معها في كثير من الأحيان وضع تفسير ممكن لها وللأزمة التي تجتاحها من الداخل ومن الخارج على حد سواء....

لقد واجهت أمتنا في الماضي تحديات عاصفة خارجية وداخلية... الحملات الفرنجية وبعدها المغولية كان لها أثرها الكارثي على شرقنا الإسلامي... لقد نجحت هذا الحملات والتي جاءت بعدها مما اصطلح على تسميته بالاستعمار الحديث في تحقيق كثير من أهدافها ولمدة محدودة، مستفيدة من حالة التمزق الكامل التي استغرقت الأمة في كل نواحي حياتها، والتحارب الداخلي الذي ساد العلاقات البينية بين ممالكها ودويلاتها، والروح الخيانية التي أصابت بمسِّها كثيرا من القادة والزعماء العرب الذين ظنوا واهمين – كما اليوم – أن خيانتهم لشعوبهم ولأمن أمتهم ووحدة أرضهم، ستضمن لهم سلطانهم أو تحفظ لهم بنيانهم، وما عرفوا أن الحبل الذي مده لهم أعداؤهم لإنقاذهم من إخوة الدين والعقيدة والوطن ، إنما امتد ليشنقهم أيضا... وهذا ما حصل فعلا، وعندها ما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منتصرين....

يبدو أن صورة الأمة هذه الأيام هي ذاتها التي كانت بالأمس... فما زالت الأمراض تفتك بها وبشكل أشد ضراوة وأعمق أثرا حتى استسلمت لِما أصابها، وعجزت عن الذود عن حياضها أو الدفاع عن كرامتها، حتى تحولت إلى لقمة سائغة في فم أعدائها، فما عاد أحد يقيم لها ولا لمشاعرها ولا لوجودها وزنا.

الملاحظ أن أوضاعا كالتي تمر بها الأمة اليوم لم تكن يوما في تاريخها وبهذا الحجم... لقد كان العدو يضرب في الماضي في ناحية من نواحي الجسد الإسلامي الكبير، إلا أن أطرافا أخرى فيه كانت تنطلق لتحقق المعجزات وتفتح أبواب الأمل، فما هي إلا بضع سنين حتى يرتد العدو عن حياضها مذموما مدحورا، ويقف عملاق الإسلام من جديد ليرسم لوحة ملحمية إبداعية جديدة من لوحات المجد والنور والخير والصلاح ...

إنه العنصر البشري الذي يلعب الدور الحاسم في هذه المعادلات، فهو الحاسم في الحوادث الحضارية والمحطات التاريخية تقدما وتأخرا، إقداما وإحجاما، نجاحا وفشلا وارتقاء وانحطاطا... بلاد كانت يوما الدرة في تاج تاريخنا كالأندلس مثلا ظلت بعد انحطاط إنسانها بمساجدها ومآذنها وقصورها وجناتها، شاهدة على عاقبة الذين ظلموا وإن كانوا مسلمين، ونهاية الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم وإن كانوا مؤمنين... فما الذي حصل لأمتنا في هذا العصر، ولما لا تَعْتَبِرُ من تجربتها الماضية ؟؟؟!!!...

(3)

الأمة في داخلها ممزقة ... دول تجاوز عددها الخمسين ... هيئات ومنظمات عاجزة عن القيام بأي دور ذي شأن يمكن أن يُحَسِّنَ من أوضاعها ويرفع من شأنها... صراعات بين يمين ويسار، بين أنظمة وشعوب، بين علمانيين ومتدينين، بين إباحيين ومحافظين... إلى غير ذلك... هزائم عسكرية متلاحقة..

الأمة كلها تحت الهجوم... دينها وأرضها ومقدساتها وإنسانها وأخلاقها ورموزها تحت الهجوم.... حاضرها ومستقبلها تحت الهجوم... هجوم يعتبر الأشرس والأعنف على وجه الإطلاق، استباح فيه العدو كل شيء حتى ما عاد يردعه في هذه الحرب خلق ولا دين ولا قيم ولا قانون...

لا شك عندي في أن بقاء الأمة بكل خصوصياتها الدينية والثقافية والحضارية تحت الهجوم الأمريكي- الاسرائيلي، سيفتح باب صراع الحضارات على مصراعيه، وسيجر المسلمين عاجلا أو آجلا إلى التحرك دفاعا عن كرامتهم ودينهم وأرضهم...

(4)

يشعر الكثيرون منا بالغضب وبحق من سياسات ترامب المنحازة بفظاظة لإسرائيل واستهتاره بأمة المليار ونصف المليار، إلا أنني أرى فيما يجري حِكَمٌ قد لا تظهر واضحة وسط الركام الكثيف الذي يغطي الجغرافيا العربية والإسلامية.

لذلك اعذروني إن قلت: الحمد لله الذي ساق لأمريكا وإسرائيل السيد ترامب! أتعرفون لماذا ؟؟!!! لأن الأمة بحاجة ماسة إلى من يقدم لها السمَّ الناقع صافيا كترامب ونتنياهو، أكثر من حاجتها لمن يقدم لها السمَّ الزعاف ممزوجا بالعسل كأوباما وبراك مثلا ... لعل ترامب وامثاله يوقظون في الأمة ضميرها، ويحركون كوامن الغضب فيها، فتتحرك لتمزق أسمال الذل والعار وتلبس بدلا منها خِلَعَ العز وأكاليل الغار....

لا جديد تحت الشمس ... إسرائيل المتمردة على القانون الدولي، والمتنمرة على شعوب المنطقة وانظمتها، والمتمادية في تحديها للشرعية الأممية، هي، هي.. لم تتغير، ولا أظنها ستتغير... إنها تَحِنُّ إلى الصدام مع المحيط القريب والبعيد (كالمدمن) على المخدرات... تحتاج إليه لتهدئ النار التي تَلظّى في عروقها، فلا تهدأ إلا إذا أخذت (وجبتها) الكافية من (أفيون) الغطرسة والطغيان... إنها لا تتسول المال لشراء وجبتها من هذا المخدر القاتل، فقد زودها العالم وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية بكل ما تحتاجه من سلاح للوصول إليه، وحماها العالم بكل القرارات السياسية وعلى رأسها الفيتو لتسهيل مهمة الولوغ فيه دون عوائق، وضخ في عروقها الصدئة ترليونات الدولارات منذ قيامها حتى تقوى على تنفيذ مخططاتها بكل يسر ...

نعم إسرائيل المدمنة ما زالت ترى في شعب فلسطين العائق الأخير في وجه تحقيق أحلامها التلمودية بعد أن استسلم لها العالم العربي والإسلامي، وانحاز إليها العالم الغربي والشرقي، وعليه لا بد من القضاء على هذا الشعب، أو على الأقل لا بد من القضاء على قوى الممانعة والمقاومة فيه، حتى ينضم هو الآخر إلى جوقة (المرعوبين) خوفا وَفَرقاَ من قوة بطشها وصلفها، وعمق سيطرتها على القرار الأمريكي الذي أصبح المرجعية الدولية بعد ان داس ترامب على مؤسسات الأمم المتحدة بحذائه الثقيل في آخر موجة من القرارات ...

أما الأمة العربية والإسلامية أنظمةً وإلى حد كبير شعوباً ، فهي أيضا لم تتغير... فهي، هي، ذلا ومهانة واستسلاما وخضوعا وفرقة وضعفا وتخلفا وهزيمة، رغم مرور نحو سبعين عاما على نكبة فلسطين، ورغم التحولات الجذرية التي حدثت في حياتها، والعمليات التجميلية التي مَرَّ بها مِبْضَعُ الحداثة والمدنية على وجهها الشائه... ارتفعت على أرضها الشاسعة العمائر الشاهقة، والفنادق الفارهة... وانسابت على وجهها (الاوتوسترادات) الواسعة، وتحركت على سطحها المركبات شبه الفضائية، وامتلأت خزائنها بمال النفط وعوائده التي أصبح معها ما وصف القرآن الكريم من خزائن قارون (صفرا على الشمال)...

شيء واحد لم تحصل عليه الأمة في خضم هذا التطور المتسارع الذي أبقى امتنا العربية الأكثر تخلفا وفقرا وجهلا حسب أكثر التقارير العالمية والمحلية تفاؤلا، أنها الكرامة... الغيرة... الشعور بالمسؤولية الجماعية... الشعور بالأخوة العربية والإسلامية التي تجعل الأمة جسدا واحدا، إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى... الإحساس.. الحياء من الله ومن الضحايا الممزقة... (فزْعَة) الجاهلية الأولى... لم يعد هنالك في أنظمة الأمة شيء من هذا... لقد (طق شِرْشُ الحياء) فيها، حتى عادت كالعرجون القديم... تبلد فيها الشعور، وانعدم فيها الإحساس، وقست فيها القلوب فهي كالحجارة أو أشد قسوة، وأصبحت فيها الزعامات كالخُشُبِ المُسَنَّدَة، وسيطرت فيها عصابات (الرُوَيبِضَة) وهي كما وصفهم الرسول وهو يتحدث عن أعراض المرض في حياة الأمة في آخر الزمان: أسافل الناس يتحدثون في أمر العامة!!!

(5)

أبَشِّرُ النظام العربي الرسمي أن أهدافه المتفقة مع أهداف الاحتلال الإسرائيلي وأهداف دول الاستكبار العالمي، في إزالة من يسمونهم (بالظلاميين) الإسلاميين لن تتحقق أبدا... اجتياح القدس وفلسطين استيطانيا لن يجلب الهدوء والاستقرار لإسرائيل.. العكس هو الصحيح. كما لن يعفي الأنظمة العربية من وجع الرأس الذي تسببه حماس والإسلاميون لهم على طول البلاد العربية وعرضها... وسيبقى الإسلاميون أمل الأمة في الخلاص من أعدائها في الداخل والخارج مهما طال الزمن ومهما طالت ليالي الظلم ...




تعليقات الزوار