إغلاق
كحيل
إغلاق
العوامل الخمس لبقاء الحركة الإسلامية المعاصرة وإستمرارها - بقلم الشيخ: محمد نضال محاميد
الاحد   تاريخ الخبر :2018-01-14    ساعة النشر :13:38:00

إن الإنسان في أصله كائن إجتماعي بإمتياز، فحياته متوقفة على وجوده في دائرة المجتمع الإنساني، ولو قمنا بعزله عن محيطه من أبناء جنسه، ووفرنا له جميع مقومات الحياة كالمأوى والماء والرطوبة والهواء والدواء والغذاء لمات الإنسان!، وذلك لحاجة الماسة لأبناء جنسه لأسباب لا تُعد ولا تُحصى، وبناء على ذلك قام الإنسان منذ قديم الزمان بتطوير كيانات تنظيمية إنطلاقاً من الأسرة ومن ثم القبيلة وحتى إنشاء الممالك والدول القديمة ذات الطابع التنظيمي، وكل ذلك تم لسد إحتياجات الإنسان الشتى والحفاظ على بقائه وإستمراره.

ومع تطور الإنسان وإزدهار حياته وتوسعه الجغرافي وإزدياد اعداده، باتت تتشكل داخل المجتمع الإنساني جماعات وتيارات تختلف فيما بينها، فكلما ضلّ الناس وانحرفوا عن فطرتهم أرسل الله سبحانه وتعالى إليهم الأنبياء لإرشادهم وتقويم إعوجاجهم وردهم إلى الفِطرة التي خلقهم الله عليها، فهذا الأمر اسس لإنقسام إجتماعي حيث نشأت فيه الجماعات والفصائل والمعسكرات، منها من أتبع الحق ومنها تاه بالباطل، منها من عدل وأقسط ومنها من ظلم واستبد، منها من دعى إلى الفضيلة ومنها من نادى للرذيلة، ومنها من أصلح وعَمّر ومنها أفسد ودَمّر...، فمن هنا نلحظ واقع الصراع الحقيقي بين الحق والباطل.

وأما اليوم في واقعنا المعاصر، نجد أن نطاق دائرة هذا الإنقسام الإجتماعي الذي تمتذ جذوره لأعماق التاريخ القديم، قد توسعت لتشمل جوانب أخرى بالإضافة لأصل الصراع الثابت بين الحق والباطل، لتتفرع إلى صراعات إقتصادية تولدت منها الشيوعية والرأس مالية وغيرها..، وإلى صراعات فكرية انتجت الماركسية والفاشية والنازية وغيرها الكثير من الحركات الإسلامية والدينية الأخرى والقومية واليسارية والسياسية والإجتماعية..، وحتى لدى أبناء الدعوة الإسلامية نجدد المدارس والمناهج المختلفة!، فمما لا شك فيه أن عدد اللاعبين بصراع اليوم كثر وزاد، والصراع أشتد لتوزيع القوى والمقومات المختلفة بين جميع الفئات التي ذُكرت، وبمثل هذه الظروف تندثر جماعات وتختفي أخرى وتسقط ايدولجيات وتنهار مبادئ، ولا يبقى إلا من توفرت عنده عوامل البقاء والصمود.

فقديما في عهد النبوة وما تلاه كان الخروج من جماعة المسلمين ردة عن الإسلام!، فكان ذلك الأمر يحول دون انشقاق صفهم وتفرق كلمتهم واما اليوم وبوجود جماعات وفئات كثيرة اصبح الخروج من الجماعة على ما يحمله من أثار سلبية امراً عادياً حيث باتت الحركة الإسلامية وغيرها من الجماعات جماعة من المسلمين وليست الإسلام!.

ولذلك أول ما ينبغي علينا أن نقوم به كأبناء للمشروع الإسلامي هو البحث عن مقومات البقاء والثبات والصمود..، وذلك لن يتحقق إلا إذا عدنا لبطون مجلدات التاريخ نبحث عن جماعة استمرت وثبتت وبقت، فلن نجد بالتاريخ كله جماعة او دين ثبت كالإسلام!، وحينما اقول ثبت أقصد في ذلك بقاء الثوابت وعدم تحريف المبادئ والحفاظ على الطقوس ذاتها وأزدياد الأتباع وتوسعهم!، ولو درسنا اسباب صمود الدعوة الإسلامية لوجدنا عدة نقاط مهمة!، وأهمها الحفاظ على الأصول وسلامة المنهاج ومرونة التجديد والتوسع والإنفتاح والتضحيات الجسام، فهذه النقاط الخمس تحفظ كياننا ووجودنا وإستمراريتنا!.

وهذه النقاط الخمس هي التي حافظت على الحركة الإسلامية المعاصرة، فلو تعرضت أي فكرة أو جماعة أو تيار لنزر قليل مما تعرضت له الحركة الإسلامية على مدار الزمن وخاصة في عصرنا لانعفى اثرها وماتت في صفحات التاريخ وما وجدنا لها اثر في ادنى واقع الحياة، ولذلك بات من الواجب دراستهن وفهمهن وإستخلاص العبر منهن بل وتطوير بعضهن!.

الحفاظ على الأصول ضرورة بل والتمسك بها واجب وتركها ضرر وفيه خلل!، فالأصول عندنا واضحة المعالم من القران الكريم والسنة النبوية المُطهرة وأمهات الكتب وربنا سبحانه وتعالى تكفل بحفظ أهمها وهو القرآن لقوله تبارك وتعالى: { إِنَّا نَحْنُ نـزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [سورة الحجر: الاية رقم ٩ ]، فهذه الأصول فيها التغذية الفكرية والمنهجية والعقائدية، وهي خارطة الطريق المستقيم، فلا بد منا الإلتزام بها بمطالعتها ودراستها وفهمها والتدبر منها وإتخاذها دستور ومرجعية، وبهذا نضمن تميّزنا عن غيرنا إنطلاقاً من المبادئ والعقائد مرورا بالمفاهيم والرؤى ووصولاً إلى الأحكام والتعاملات والسياسات، فهكذا نحافظ على هويتنا وكياننا.

وسلامة المنهاج هي ضروري مهمة جداً، وهذه الضرورة لا نحققها ولا نستطيع العمل بها إلا إذا فهمنا المبادئ والأصول بشكل واضح، فسلامة المنهاج نحققها بإطلاع أبناء الحركة الإسلامية المعاصرة على ثوابت الإسلام صافية صحيحة دون زيادة او نقصان من منابعها المباركة بالأصول المعروفة!، ومن ثم تغذية الحاضنة الشعبية والإجتماعية للحركة الإسلامية بهذه المفاهيم والقيّم، ودعوتهم إلى الإيمان العميق بها ومن ثم تطبيقها بحياتهم، فهذه الأصول أنزلت من عند الله تعالى لتطبق فهي ليست نظريات وضغبة من صنع البشر قد تصلح في زمان دون غيره من الأزمنة.

مرونة التجديد هي عامل آخر من عوامل البقاء والصمود، فالإسلام يتجدد ويتمدد فعن سيدنا ابي هريّرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا "، [رواه ابو داوود]، أي يقوم فرد أو جماعة من المسلمين يردون الناس إلى جادة الدين وتعاليم الإسلام ويبصرونهم بالخير ويدافعون عن المؤمنين ويدرئون عنهم الشرور!، وهذا الأمر يتحقق بمرونة وإنسجام الإسلام وتعاليمه التي تراعي شؤون الناس وفطرتهم في كل زمان ومكان، والتي تسمح كذلك بتطوير و"تجديد" الدعوة بما يلائم العصر وتحدياته!.

التوسع والإنفتاح عنصر مهم للغاية، فهنا نستوقف عند الفرق بين الماء الآسن الآجن الغير جاري الذي سرعان ما يتحول إلى قِبلة للحشرات والمكروهات وتصبح رائحته نتنة ومن ثم يجف تحت عوامل الطبيعة ولا يبقى له اثر!، وبين الماء الجاري المتجدد الخالي من الملوثات الذي فيه الحياة تتجدد وتبدأ ومائه طاهر وطيب ولا يجف ويبقى نهرا جاريا من "أصله ونبعه"، فالتجديد والتوسع كالنهر الجاري، فبالتجديد تطور وسائل الدعوة حتى نستطيع خلاله التواصل مع كافة شرائح المجتمع وإيصال رسالتنا وكسبهم لقضيتنا العادلة!، وبالتوسع داخل المجتمع المسلم وخارجه نضمن تجديدا آخر وهو بناء الكوادر والعناصر الأفذاذ من أبناء المشروع الإسلامي وبذلك تتسع قاعدة العمل وهنا نكتشف طاقات ابناء الحركة الإسلامية وبناتها ونطورها ونستثمرها ونكسب شريحة الشباب التي تضيع في القوالب التنظيمية الجامدة الغير قابلة للتطوير فتتركها!.

وأما التضحيات الجِسام فهي لن تتحقق ولن تكون إلا حينما يكتمل بناء الفرد المسلم العقائدي والفكري.. عبر جميع الوسائل والنقاط السابقة، فالإنسان لا يضحي من أجل قضية إلا إذا كانت أجل منه وأعظم منه وأكبر منه..، وإذا تم إنشاء هذه النوعية من الصادقين الاوفياء فسنحافظ على كياننا ووجودنا وستنهار عند أقدامنا كل المخاطر والتحديات...




تعليقات الزوار