إغلاق
إغلاق
الفشل الفلسطيني/ بقلم: إبراهيم عبدالله صرصور
الجمعة   تاريخ الخبر :2018-01-19    ساعة النشر :08:19:00

أشرت في حلقة الأسبوع المنصرم إلى أن تآكل المشروع الوطني الفلسطيني رغم مرور نحو مائة عام على بداية النضال الفلسطيني في مواجهة المشروع الصهيوني الاستعماري، ورغم التضحيات الجسام البشرية والمادية التي قدمها الشعب الفلسطيني على صخرة هذا الصراع، كانت له أسبابه في الماضي والتي أدت إلى وقوع النكبة، وما زالت ذات الأسباب تلعب دورا حاسما في فشل المشروع الوطني الفلسطيني حتى يومنا هذا.. من هذه الأسباب ما له علاقة بالفلسطينيين قيادة وشعبا في الماضي والحاضر، ومنها ما له بموقف العالم العربي والإسلامي من هذه الصراع، ومنها أخيرا ما له علاقة بالمجتمع الدولي وانحيازه للمشروع الصهيوني والذي وصل ذروته في الفترة الأخيرة بتحول الرئيس الأمريكي ترامب الى عضو كامل العضوية في حزب الليكود والحركة الصهيونية العالمية.

لست معنيا في هذه المقالات الثلاثة التركيز على الأسباب ذات العلاقة بالعالم العربي والإسلامي وتفريطه في الماضي والحاضر بأم القضايا العربية والإسلامية، ولا بتلك ذات العلاقة بالمجتمع الدولي وانتهاكه للمواثيق الدولية التي تنص على حق الشعوب في الحرية وتقرير المصير بما في ذلك الشعب الفلسطيني، وخيانته لقيم العدالة الإنسانية التي صَدَّعَ بها رؤوس البسطاء من شعوب الأرض، وهو أبعد ما يكون عن العمل بها وتحقيقها على ارض الواقع وخاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال والتخلص من الاحتلال الإسرائيلي أسوة بكل شعوب الأرض.

لكني معني في هذه المقالات التركيز على دور الفلسطينيين قيادة وشعبا في إدارة ملف قضيتهم سلبا او إيجابا، إقداما او إحجاما، تقدما أو تأخرا!

لكني قبل ان استمر في تحليل الموقف، أرى أنه من الانصاف ان أذكر هنا ان الشعب الفلسطيني في أغلبيته الساحقة لم يدخر جهدا ولم يبخل بدم أو جهد في سبيل خدمة قضيته والدفاع عنها في كل مراحلها ابتداء بعشرينات القرن الماضي، مرروا بالنكبة ما قبلها وما بعدها، وانتهاءا بانتفاضاته التي حركها ضد الاحتلال الإسرائيلي والمستمرة بشكل او بآخر حتى يومنا هذا. كما انه من الانصاف الإشارة إلى ان الكثير من القيادات عبر الحقب المختلفة التي مرت بها مسيرة القضية قد قدموا هم أيضا قوافل الشهداء في سبيل نصرة القضية ووصولها إلى أهدافها المرسومة.

مع ذلك ما زالت هنالك مجموعة من الامراض التي يعاني منها (اهل الحل والعقد) أساسا في الشعب الفلسطيني والتي فتكت بالجهود المخلصة وضيعت الكثير من المنجزات في الماضي، وما تزال تفتك بالجهود وتضيع المنجزات حتى يومنا هذا. أكبر دليل على ذلك ان التضحيات التي لا حدود لها التي قدمها الشعب ولم تنجح القيادة في تحويلها إلى إنجاز سياسي حقيقي يمكن ان يُطَمْئِنَ الشعب الفلسطيني على انه يسير في الطريق الصحيح.

لعل اعترافات الرئيس أبو مازن في خطابة الاخر امام أعضاء المجلس المركزي الذي انعقد مؤخرا في رام الله، ما يشير إلى ما ذهبت اليه. اعترف الرئيس (وليس لأول مرة، فلطالما اعترف على مدار السنوات الماضية بما اعترف به الان) بمجموعة من الحقائق التي يعرفها الصغير قبل الكبير والتي من أهمها: أولا، أن السلطة التي يقف على رأسها هي في الحقيقية سلطة وهمية بلا صلاحيات، وان الاحتلال الإسرائيلي هو التي يتحكم في كل شيء على الأرض الفلسطينية بما في ذلك انتقال السيد الرئيس من موقع الى آخر على ارض سلطته. وثانيا، ان الاحتلال الإسرائيلي مع إقامة السلطة الفلسطينية لم يعد احتلالا مكلفا لإسرائيل، بعد ان القت بعبئ الخدمات المكلفة جدا على عاتق السلطة الفلسطينية (الوهمية) بينما بقي مصير فلسطين شعبا ووطنا ومقدسات وحدود ومعابر ومصادر مياه وغيرها في يد الاحتلال الذي اطلق يد أذرعه الرسمية والشعبية لتنفيذ خططه في السيطرة والتحكم الكامل بارض فلسطين تمهيدا لضمها كاملا تحت السيادة الإسرائيلية والتي بدأت بوادرها تظهر بوضوح كامل في الفترة الأخيرة وخصوصا بعد اعلان ترامب.

لكن السيد الرئيس أبو مازن لم يكن بالشجاعة ذاتها التي تحدث بها عن طبيعة السلطة وتكلفة الاحتلال، في تطرقه لمسألتين أعتبرهما من أخطر المسائل المهددة للمستقبل الفلسطيني. أولهما، دوره من الوصول بالسفينة الفلسطينية إلى هذا الضياع مع انه المهندس لاتفاق أوسلو بلا منازع، والمحرك لأشرعة المفاوضات منذ انطلاقتها مرورا بتسلمه رئاسة الوزراء في عهد الرئيس الراحل عرفات رحمه الله، وانتهاء بتسلمه رئاسة فلسطين في العام 2004 وحتى الان. لم أسمع ولو كلمة واحدة في خطابه الذي استمر لساعتين تقريبا ما يشير تلميحا او تصريحا لدوره ودور القيادة من حوله (وكلها فتحاوية طبعا) في هذا الفشل والتراجع الخطير في مسيرة القضية، ناهيك عن ان يقف بشجاعة ليقول: فشلت، ولذلك فانا أعلن اعتزالي العمل السياسي، والدعوة الفورية الى انعقاده المجلس التشريعي الفلسطيني لتحديد ملامح المرحلة القادمة وانتخاب رئيس جديد لفلسطين، او وضع حلول أخرى منها مثلا البحث الجدي لموضوع حل السلطة الفلسطينية ورمي الكرة بالكامل في الملعب الفلسطيني من جديد.

اما المسألة الثانية فهي عرقلته المتعمدة لمسيرة الوحدة الوطنية الفلسطينية جغرافيا (غزة والضفة والقدس) وسياسيا (إعادة ترتيب أوراق البيت الفلسطيني ابتداء بإعادة بناء وهيكلة المجلس الوطني وباقي المؤسسات الوطنية، مرورا بترتيب أوضاع السلطة الفلسطينية نفسها على الأرض، وانتهاء بوضع استراتيجية فلسطينية جامعة تحقق الاصطفاف الأقوى والاعمق لمواجهة المرحلة الخطيرة القادمة على ضوء انسداد الأفق كاملا امام الحل السلمي! لماذا لم يعترف أبو مازن بفشله أيضا في هذا الجانب وهو الأخطر في نظري بالرغم من ان حركة حماس قد استجابت لكامل طلباته واشتراطاته لتحريك عربة الوحدة الوطنية وعلى رأسها حل اللجنة الإدارية في قطاع غزة، وتسليم المعابر وتمكين حكومة الوفاق الوطني برئاسة الحمدلله.

هنا أصل إلى مربط الفرس قبل ان اعرض الفصل الثاني من محضر الاجتماع الذي انعقد في الدوحة برعاية امير قطر تميم بن حمد، والذي نشرت الفصل الأول منه في حلقة الأسبوع الماضي، والذي يشير بما لا يدع مجالا للشك إلى دور الرئيس أبو مازن وبطانته في هذا التدهور المستمر للقضية الفلسطينية من خلال عدائه الفطري للوحدة الوطنية الفلسطينية الشاملة وذلك لرفضه الباطن والظاهر للقبول بالطيف السياسي الفلسطيني كاملا دون انتقائية كشريك كامل ومتساوي معه ومع حركته (فتح)، ولرفضه (أسوة بالأنظمة العربية السائدة) للإسلاميين كفصيل شرعي له ما للآخرين من الحقوق، وعليه ما على الاخرين من الواجبات. فتراه لهذه الأسباب يتقدم خطوة على طريق الوحدة ويتراجع خطوات، بالرغم – كما قلت – من استجابة حركة حماس لكل طلباته التعجيزية، واصرارها على المضي في طريق الوحدة الوطنية مهما كلفها ذلك من أثمان!

قد أجد للسيد الرئيس أبو مازن عذرا عند حديثه عن خيانة المجتمع الدولي وعلى رأسه أمريكا، فهذا في النهاية خارجٌ عن إطار سيطرته، لكني لا اجد له عذرا أبدا في وضعه للألغام والكمائن والأفخاخ في طريق الوحدة الوطنية والتي كلها بيده دون غيره.

من هنا أخلص الى النتيجة التي يكاد يجمع عليها كل المحللين والمؤرخين، وهي ان اهم أسباب فشل المشروع الوطني الفلسطيني هو الخلافات الداخلية وعدم قدرة قيادات الشعب الفلسطيني على الالتقاء على قاعدة المشتركات، والاجتماع حول دائرة الاستراتيجيات، والتسامي على الولاءات التنظيمية و "الانا" الفصائلية، وتقديم المصلحة العليا للشعب الفلسطيني على كل المصالح الفئوية والحزبية.

قد يغفر الشعب الفلسطيني لقياداته عجزهم عن مواجهة خيانة المجتمع الدولي للقضية الفلسطينية، الا انه لن يغفر لها تفريطها في الوحدة الوطنية والتي هي جواز دخول قضيتنا الى المحافل الدولية لا لتحظى بالدعم القولي وهو تحصيل حاصل منذ العام 1948 وحتى القرار الدولي الأخير الرافض لقرار ترامب حول القدس، ولكن لتحظى بالدعم الدولي العملي الذي يفرض الدولة الفلسطينية وقرارات الشرعية الدولية على إسرائيل، ولا يترك لها مجالا للتهرب من الاستحقاقات الأممية حتى لو اضطر المجتمع الدولي لاستعمال القوة لإجبار إسرائيل على الانصياع للإرادة الدولية بهذا الشأن.

(3)

أنشر الان الفصل الثاني من محضر الجلسة التي دعا اليها امير دولة قطر (تميم بن حمد آل ثاني) وشارك فيها وفد السلطة الفلسطينية برئاسة الرئيس الفلسطيني محمود عباس ووفد حركة حماس برئاسة السيد خالد مشعل رئيس حركة حماس (السابق)، وذلك عشية الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، نشرته صحيفة " الأخبار" اللبنانية بتاريخ 1.9.2014، والذي يدل – كالذي سبقه - على عمق الازمة الفلسطينية والأسباب الكامنة وراء فشل المشروع الوطني الفلسطيني في تحقيق أهدافه حتى اليوم، والتي تتمثل أساسا في عجز الرئيس أبو مازن (راضيا او مكرها) على الاعتراف بالحقائق، واصراره على المضي في طريق الخراب والتدمير الذاتي ..

جاء في التقرير ( الجزء الثاني) :

- أبو مازن: قبل الانقلاب كانوا متفقين مع دحلان على الانقلاب، وقبل شهرين طلبوا منه المغادرة، وقالوا له: نستطيع تنفيذ الانقلاب وحدنا، فخرج هو وجماعته، وحتى الآن بينهم تعاون، أقاموا عرسا جماعيا مشتركا والأموال من الامارات، واستقبلهم دحلان في الامارات ومعهم إخوان مسلمون واتفقوا على إقامة مشاريع مشتركة بأموال إماراتية، وأرسلت الامارات مستشفى ميدانيا وسلموه لاتباع دحلان، وهذه «صورة» تجمع أحد شيوخ الامارات مع أشخاص من حماس والجهاد، ماذا يعني هذا؟! لماذا التعامل والتعاون مع محمد دحلان؟! ما من نيات طيبة عند حماس. لا يمكن أن أعمل معهم بهذا الشكل، ولا أريد أن أبقى طربوشا. التجربة معهم تقول إن لا ثقة فيهم... حتى أثناء المفاوضات يقولون لوفد فتح: نحن نريد الشراكة، لكن أنتم كفّار بالنسبة لنا. نحن من يمثّل الاسلام.

ــــ الأمير: يا ليت كلامهم صحيح، ويمثلون الإسلام بحق.

ــــ أبو مازن: أنا بعرفهم كويس، لا علاقة لهم بالإسلام، من شيخهم الكبير إلى أصغرهم. (...) كثير من الدول العربية طلبت مني تهميشهم وإخراجهم من المشهد، السعودية ومصر والإمارات والأردن وآخرون اعترضوا على مصالحتي مع حماس، وأبلغت العرب أنني ماضٍ في اتمام المصالحة. بعد كل هذا يخططون للانقلاب عليّ في الضفة الغربية، ويؤلفون خلايا ضدي، يعملون على تدمير الضفة...

تميم لعباس: بصراحة أنت حكيت معلومات مصدرها إسرائيل، بالتأكيد صحيحة

أعطى عباس تميم CD يحوي عبارة: «تسمعهم يقولون فيه هذا اللغم لأبو مازن»

ــــ الأمير: الوضع كما قلت لا يحسد عليه أحد. معلومات إسرائيل دائماً صحيحة، ولكن في النهاية حماس اخوتك وبالإمكان التفاهم معهم. البلاء كله من العرب، والكل يحاول إفشال جهودك في المصالحة...

ــــ أبو مازن: لماذا نتآمر على بعضنا بعضا وننفذ انقلابا؟

ــــ الأمير: بصراحة أنت حكيت معلومات مصدرها إسرائيل، بالتأكيد صحيحة.

ـــــ أبو مازن: هذه معلومات أكيدة، وأسأل ماجد مدير مخابراتي، لديه معلومات أيضاً، وليس إسرائيل وحدها، دائماً يقول لي اللواء ماجد ضبطنا خلايا حمساوية هدفها الانقلاب، وأقول له خذ سلاحهم واتركهم، ولديه معلومات عن خطف حماس المستوطنين الثلاثة بهدف التخريب لضرب المشروع الوطني والسلطة، ما مصلحتهم من خطف ثلاثة أولاد صغار؟... لماذا الانقلاب؟! أرسلت لمشعل التسجيل بالصوت والصورة، وأبلغته أنهم وضعوا لي لغما في الطريق، فقال لم يصلني شيء ولا أعرف عنه أي شيء! ــــ الأمير: الأخ خالد مشعل آت الآن، ولنتحدث بصراحة معه في كل الموضوعات.

ــــ أبو مازن: أود يا سمو الأمير أن اشكرك على تحويل الــ 50 مليون دولار، فقد جاءت في الوقت المناسب، نحن ننتظر مساعداتكم كل شهر، وكنتم وعدتم بفتح سفارة لفلسطين في الدوحة.

ــــ د. العطية: أنا أشرف على موضوع السفارة بنفسي، وستكون أكبر سفارة لفلسطين في المنطقة العربية.

ــــ الأمير: يجب أن تستعجل الامر وتنجز ذلك بسرعة.

(انضم السيد خالد مشعل والوفد المرافق له إلى الاجتماع، وقدم التحية للأمير، وحيّا الرئيس أبو مازن ومرافقيه) ..

ــــ الأمير: كنا نتحدث مع الرئيس أبو مازن وذكر نقاطاً كثيرة. خلاصة الكلام، نحن الآن أنجزنا مرحلة مهمة من المصالحة، وحدث العدوان. فخامة الرئيس ذكر العديد من النقاط، وأترك له أن يشرح، لكن الهدف أن نصل إلى حلول.

ــــ أبو مازن: أولاً المسار السياسي؛ بعد فشل تجربة 20 عاماً من المفاوضات، إسرائيل وأميركا لم يقدموا لنا شيئاً، والاحتلال ما زال قائماً، وهنا نضع استراتيجيتنا السياسية كالآتي: أن تقبل أميركا وإسرائيل خطياً بدولة فلسطينية على حدود 67، والقدس الشرقية عاصمتها، وبسقف زمني محدد، نبدأ مباشرة بترسيم الحدود خلال مدة محددة، ثم نناقش قضايا الوضع النهائي. فإذا قدموا لنا قبولاً خطياً كان به، وإذا لم يقبلوا سنعمل على الآتي:

1 ـــ وقف التنسيق الأمني والتعاون مع إسرائيل. 2ـــ ندعو نتنياهو إلى تسلم السلطة، وتتحمل إسرائيل مسؤولياتها كدولة احتلال.

ولدينا أيضاً قضية القدس (...) نتخذ نفس الخطوات السابقة: وقف التنسيق وحل السلطة، وهذا ما أكدته للملك الأردني عبدالله.

ثانياً العلاقة بيننا. هي حتى الآن بلا أساس. لا أريد العودة إلى الماضي، فقد شرحت لسموّ الأمير كل ما حصل منكم منذ عام 2006، والألغام التي وضعتموها لي، ونفذتم الانقلاب بالاتفاق مع دحلان، وحتى الآن لكم علاقة معه، وتعملون معه بأموال الإمارات.

ــــ موسى أبو مرزوق: بعدك لغاية اليوم مصدق هالقصة؟ قصص صراعكم الداخلي.

ــــ أبو مازن: لا تقاطعني، لا تستفزني يا أبو عمر.

ــــ مشعل: رجاءً أكمل أخي أبو مازن.

البقية تأتي ...............




تعليقات الزوار