إغلاق
كحيل
إغلاق
النظام الداخلي للجماعة هو صمام أمانها وسر قوتها - بقلم الشيخ: محمد نضال محاميد
الاثنين   تاريخ الخبر :2018-01-29    ساعة النشر :14:18:00

إن الإنسان مخلوق إجتماعي بإمتياز، ولذلك يحرص بفطرته أن يكون فردا في جماعة من الناس أي ما نطلق عليه مصطلح "المجتمع"، والمجتمع عادة يتكون من أفراد تربطها أمور عديدة كالدين او العِرق او اللغة او النسب او الوطن...، وبناء على طبيعة الإنسان الإجتماعية قامت المجتمعات الإنسانية على مر العصور بتطوير سُلطة عليا تحكمها وتدير شؤونها وتسوسها وتهتم بحفظ ماضيها وبرعاية حاضرها وبتأمين مستقبلها، وأفرزت هذه السُلطات سواء كانت جيدة أم سيئة قوانين وأنظمة حكم ودساتير تضبط فيها النظام داخل المجتمع وذلك لتأمين إستقراره وحماية مُقدراته المختلفة.

وأما نحن كجماعة من المسلمين يجمعنا الإيمان العميق برسالة الإسلام والفهم الدقيق لتعاليم شريعته والإتصال الوثيق بالله رب العالمين عقائديا وفكريا ومنهاجيا، بالإضافة لعملنا الميداني في خدمة رسالة الإسلام الشاملة بكافة الميادين والأصعدة ينبغي علينا تنظيم أمورنا بكبيرها وصغيرها أكثر من غيرنا من الناس، وذلك لأمرين إضافيين على كوننا مجتمع من البشر اولهما حملنا لأعظم رسالة وأكبر مشروع عرفته البشرية وستعرفه حتى قيام الساعة، وثانيها لأننا قد أمرنا في ذلك، فيقول رسول الله ﷺ: "إذا كنتم ثلاثة في سفر، فأمروا أحدكم"، اي ليختر الثلاثة واحدا يكون عليهم أميرا ينظم مسعاهم ومسراهم ويجمع كلمتهم، فكيف نتوقع من دين يُعنى بالإمارة والتنظيم بين ثلاثة افراد ألا يعني بها بالنسبة لمجتمع كبير وأمة عريضة..؟!.

فلو قلبنا صحف السيرة النبوية المُطهرة وتمعنا بقراءة وفهم وإستيعاب النقلة النوعية بحياة الرعيل الأول من المسلمين بعد الهجرة الثانية إلى المدينة المنورة، لوجدنا مجتمعا قائما بذاته منظم على قواعد سياسية وعقائدية فيه سلطة عليا يقف على رأس هرمها رسول الله ﷺ ومن ثم الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم بالإضافة لذلك فإن جميع الوظائف السياسية المتعلقة بالمعاملات كانت موجودة في ذلك النظام الشامل من أجهزة لتنفيذ العدالة، وتنظيم الدفاع، وبث التعليم، وجباية المال، وعقد المعاهدات، وإنفاذ السفارات...، فالإسلام دين نظام ليس في نطاق المعاملات وحسب إنما يشمل العبادات كالصلاة والزكاة والصيام والج كلها تؤدى وفق نظام حازم وحكيم، فالإسلام جاء لتنظيم الحياة كلها بنطاقها الواسع والضيق على حد سواء!.

وبناء على كل هذا التمهيد نبارك لحركتنا الإسلامية المباركة داخل الخط الأخضر إنجاز دستورها ومن ثم ميثاقها العام "المرّن"، فالدستور والميثاق هما القانون الذي يحدد القواعد والمبادئ والأوليات الأساسية للحركة الإسلامية، وهما ينظمان المؤسسات العاملة في إطارها وتحت سقفها من حيث التكوين والإختصاص والعلاقات فيما بينها وحدود كل مؤسسة وصلاحيات كل جهاز وواجباته، وكفالة حفظ الحقوق الأساسية لأبناء الحركة الإسلامية، وتوجيههم العقائدي والفكري وتنظيمهم في الدوائر الحركية بناء على النظام الهرمي.

فالدستور والميثاق العام يعنيان نضوج بالتنظير التنظيمي والحركي وخطوة محمودة نحو ترسيخ القواعد التنظيمية التي تضبط الجماعة فكريا وعمليا وتقوم أي إعوجاج في قيادتها او مؤسساتها او افرادها، وأما القضية المركزية المُلحة الآن هي آليات التطبيق العملي لهذه المبادئ والقيم والقوانين داخل التنظيم الحركي لضمان تنفيذ تلك الوصايا والتوجيهات، وأما هذه الآليات فنختصرها بثلاث هيئات تهتم بالتربية والرقابة والقضاء.

أما الهيئة التربوية وهي الأهم على الإطلاق، هي التي يجب أن تتحمل نقل هذا الدستور والميثاق من رحم الصحف والأوراق إلى حياة الدعوة العملية، أي إخراجه من قيد التنظير إلى حيّز التنفيذ، وذلك يتم بإعداد كوادر مؤهلة تبني برنامجا واضحا متكاملا شاملا تتواصل فيه مع أفراد الحركة الإسلامية ذكورهم وإناثهم شيبهم وشبابهم وحتى أشبالهم في دور القران وحلقات مؤسسة الفرقان!، وذلك لترسيخ مفاهيم الحركة ومبادئها وقوانينها في عقول افرادها، حتى لا نجد من يعمل خارج الصف ويحلق خارج السرب بمناطق رمادية وسوداء بحجة عدم وضوح القواعد والقوانين!، ومن واجبات الجهاز التربوي كذلك إحياء الدعوة وتعزيز التنظيم الحركي وتحفيز القواعد الشعبية في صفوف المجتمع الحاضن للحركة وكسب شرائح أخرى.

وأما الهيئة الرقابية فهي المكلفة بضمان سيرورة تطبيق النظام الداخلي وتطبيقه من سدة قيادة الحركة الإسلامية حتى أدنى قواعدها، في جمعياتها ومؤسساتها وأفرادها، وبالمتابعة عن كثب نضمن تنشيط الجامد وإصلاح ما فسد وتقويم ما اعوج وعلاج ما تردى..، فلوظيفة الجهاز الرقابي أولوية قصوى بترميم وصيانة أي ضرر وتدارك الأمور وتسييرها نحو الأفضل والأكمل بقدر المستطاع والمتاح.

وأما الهيئة القضائية فهي لازمة، فالقضاء كان وما زال منذ الأزل عامل مهم بتطبيق القوانين والدساتير للدول والجماعات "الاحزاب" فنجد معظم الأحزاب الكبيرة التي تحترم نفسها في عالمنا المعاصر تمتلك هيئاتها القضائية لتنفيذ أحكامها الداخلية بإطار التنظيم، ونحن بالحركة الإسلامية أولى الناس بأن نرتقي خطوة إضافية ونأسس هذا الجهاز الذي تُرفع إليها مظالم أفراد الحركة حال وقعت مظلومية والامر وارد فنحن جماعة من بشر غير معصومين!، وكذلك لمحاسبة أي تقصير او تخاذل او فساد تنظيمي او أخلاقي يضر بالفرد والجماعة، وهنا ننصح أن تكون هذه الهيئة القضائية من أهل الفقه وعلوم الدين وبالذات من قيادة الصف الثاني بالحركة وذلك لتجنب أمرين، الأول عدم حدوث أي تجاذب او استقطاب او حسابات شخصية عن محسابة فلان او علان المحسوب على ذلك او ذاك!، وهكذا نضمن سلامة الصدور، والثاني عدم إستغلال أي قيادي لموقعه بتصفيات شخصية تخدمه كشخص وتضر بالدعوة وسلامتها، ومرة أخرى صحيح إننا نتحدث عن أناس ملتزمين بالدين ولكن اؤكد أننا بالحركة الإسلامية لسنا مجتمعا ملائكيا بل مجتمع من بشر نصيب ونخطئ!.

فهذه الهيئات الثلاث على تنوعها تُكمل بعضها بعضا لإخراج القوانين والمبادئ من جدران الكتب إلى واقع الحياة والجماعة، فالقوانين تبقى شموعا كالأجساد الهامدة لا روح فيها إلا إذا عُمل بها وتم تطبيقها، ولصحة الحركة ولتحقيق قوتها التنظيمية داخل اروقة الحركة وخارطها علينا إعداد النظام الداخلي المتين "العملي" لصحة الجماعة، وكلي ثقة بأن التجربة العملية ستضيف وتنقص من قوانين الدستور ومبادئ الميثاق وفي ذلك سنقطع شوطا كبيرا في كافة الميادين التنظيرية والميدانية والله حسيبنا ونصيرنا...




تعليقات الزوار