إغلاق
إغلاق
عِجلٌ لها خِوار في عصرنا سننسفه بنور الحق المبين - بقلم الشيخ: محمد نضال محاميد
الثلاثاء   تاريخ الخبر :2018-02-06    ساعة النشر :10:15:00


إن للحق منابر تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وكذلك للباطل أبواق تدعوا للرذيلة وتطمس الفضيلة، فقد قصّ علينا القرآن الكريم في سورة طه قصة رجل من بني إسرائيل يقال له السامري أجاد النفخ في بوق الشر والفساد حينما كان كليم الله موسى عليه السلام يخاطب الناس من منبر الخير والإصلاح، فالسطور القادمة ستحمل قصة السامري ومؤامرته على عقيدة التوحيد والفتنة التي أثارها في قومه حتى اندحاره أمام دعوة الله جل وعلا، وامتداد تلك التجربة إلى عصور قد تلتها بزمن بعيد وصولا إلى المرحلة الراهنة التي نتنفس أنفاسها ونعايش أوقتها.

وأما قصة السامري أولا، تأتي بعدما أستوطن بنو إسرائيل في أرض مصر في عهد نبي الله يوسف عليه السلام، فانصهروا بمجتمع الفراعنة، ودرسوا علومهم، وعكفوا على عبادة آلهتهم من الأصنام بعد ما فرطوا بعقيدة التوحيد، فسخرهم الفراعنة للقيام بأشق الأعمال وأحقرها، وكلفوهم بأصعب الصناعات وأحطها، حتى جاء فرج الله فأرسل إليهم نبيه موسى عليه السلام ليخرجهم من الظلمات إلى النور، فأخرجهم بأمر الله تعالى من ضيق فرعون وظلمه إلى فضاء الحرية ونعيمها، فتعقبهم فرعون على رأس جحافل جيش جرار ليردهم إلى الذل الذي كانوا عليه، فأدركهم عند شاطئ البحر الأحمر فأمر الله موسى أن يضربَ البحر بعصاه، فانفلق فكان كلُّ فِرْقٍ كالطَّود العظيم، فسار موسى وقومه في طريقهم، وتبعهم فرعون وجنوده، ولكن البحر بعد خروج موسى وقومه أطبق على فرعون وجنده وأغرقهم وكانوا من الهالكين.

وبعد الخلاص من الطاغية وذله، استقر بنو إسرائيل ينعمون مع نبيهم حتى ذهب كليم الله موسى عليه السلام لميقات ربه ليتلقى التوراة في أربعين ليلة, وما أن فارقهم حتى تأججت الوثنية في صدر السامري رائد الفتنة والضلال فنفخ ببوق الفساد حتى ضل ضعفاء الإيمان، فأمرهم بأن يأتوه بحليهم وزينتهم فصاغ لهم بها عِجل له خوار فأنكب القوم للصنم ساجدين، فأوحى الله لموسى عن فتنة السامري وارتداد قومه، فعاد موسى عليه السلام إليهم يتملكه الغضب وأمر بمقاطعة السامري مُقاطعة تامَّة، حتى لا يتمادى في إضلالهم، ثم حرق الإله الزائف، ونسفه في اليمِّ نسفا بين سمعهم وأبصارهم، وتجاوز المشروع الرباني تلك العثرة بل وداسها ليتقدم موكب الحق والإيمان.

وما زالت عثرات العجول الخائرة وفتن ورثة السامري متناثرة على طريق الدعوة إلى الله والمشروع الإسلامي المبارك، فتارة ترى أبو جهل ورفيقه أبو لهب يصدان عن دين الله، وتارة أخرى تجد مسيلمة الكذاب يخرج بفتنة ليمزق صفوف المؤمنين فيتبعه عبد الله بن سبأ ليشتت كلمتهم، ثم الفرس والروم والمغول والفرنجة الأوروبيين يصبون نار حقدهم على المسلمين، ولكنهم تساقطوا كوريقات الشجر عند عصف الخريف وواصلت دعوة الإسلام دربها بربيع زاهر باهر يثلج الصدور، وحتى المرحلة الراهنة تجد مرضى النفوس وأتباع الهوى ينكبون على مقارعة الحق بالباطل ومحاربة الفضيلة بالرذيلة يشترون الضلالة بالهدى ولكنهم لن يفلحوا أبدا، فالطريق واضح ومعالمه بيّنة لا ريّب فيها، فسيسقطون كما تساقط أسلافهم الخاسرين.

فتجد أهل الباطل يعدون ويجمعون لغزو عقول أتباع الحق، فيبثون البرامج الدخيلة عن مجتمعاتنا المفسدة لأخلاق شبابنا كبرامج الغناء الماجن القبيح، وأنا لست ضد الفن إنما الفن الملتزم البنّاء الراقي قطعة من دعوتنا ولكني ضد التبرج والتعري والاستخفاف بعقول الناس وإثارة شهواتهم وليس هنالك إنسان يخلو من الغريزة ومن يدعي غير ذلك فهو ليس على فطرة البشر، والأمر غير محصور بتلك البرامج إنما يمتد لترويج المُسكرات من الخمور والمخدرات بأواسط شباب الأمة ليخدروا عقولهم ويستولوا على ثرواتهم، بعد مسخ عقيدهتم وإبعادهم عن دينهم بل وتحريضهم عليه بحجج واهية لا أساس لها ولا صحة...

والأمر أبعد من ذلك وذاك فخفافيش الليل تبعث إلينا سفراء محملين بصحف صفراء فاقع لونها بين سطورها السُم وعنوانيها الخداع فيُروجون عبرها السلع الفاسدة والمفاهيم الوضعية الخبيثة التي لا تخلوا صفحاتها من الطعن بالإسلام وعقيدته ورسالته، المزيّنة بالعبارات السحرية لتتم عملية التنويم المغناطيسي للإنسان المسلم وطمس معالم هويته وصدقها تمهيدا لرده عن دينه وجره إلى مستنقعات الشر والضلال، مدعين أنهم دعاة حضارة وانفتاح ولكن دعاة خسارة وانبطاح، يقول الحق تبارك وتعالى فيهم:{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [ سورة الصف 8]، فنحن نعلم علم اليقين أن مساعيهم مصيرها البوار ومآلها الفشل تماما كالعجل ذو الخوار، وأن سحرهم سينقلب عليهم وباطلهم سنرده إليهم حق بإذن الله رب العالمين ولنا في وعظ التاريخ دروس عبر.

فمكان العِجول الخائرة بكل الوانها وأطيافها نجده في مزابل التاريخ، وحتى ندرئ فتن ومفاسد عجول عصرنا وحاضرنا لا بد أن لا نركن للتاريخ وحسب فذلك لن يأتينا بحل لأمرها، ولكنه عامل أساسي بشحذ الهمم وتقوية العزائم ورفع المعنويات..، فالمطلوب إخلاص النية لله وحده تبارك وتعالى فمنه المدد والنُصرة وهو ولي التوفيق، والعمل الدؤوب لبناء منظومة إعلامية فردية وعامة تطرح البديل وتعرض مشروعنا وفكرنا الذي نحمله للناس كافة، تطلع الأمة على الحق وتجندها لإتباعه ونصرته وعدم خذلانه، تكشف للعالم كله قضايا المظلومين والمستضعفين وتفضح قوى الإفساد والإستكبار، مطلوب همة ونشاط واغتنام كل منبر لتحرير مجتمعاتنا من ظلمات العجول الخائرة لنور دعوة الله رب العالمين، وحتما سننتصر عليها بإذن الله تعالى فهي مشاريع دخيلة وخبيثة ومشوهة وحتما سننسفها كما نسف نبي الله وكليمه موسى عليه السلام ذلك العجل الذهبي!.




تعليقات الزوار