إغلاق
إغلاق
يافا رسائل في ظلال النكبة - بقلم الأديبة: رابعة حمو
الثلاثاء   تاريخ الخبر :2018-02-27    ساعة النشر :13:31:00

عندما كنت صغيرة أجلس في حضن جدتي أسمع قصصها وأحاديثها التي تدور كلّها في يافا، لم أُدرك وقتها ماذا تعني يافا، ولكنْ، ما كنت أعرفه جيداً أن يافا التي تتحدث عنها جدتي مكان جميل جداً، وبعيدة عنها بُعد السماء. جدتي التي أَلقت بها عصى الترحال من يافا إلى عمّان مروراً بنابلس لم تُحب يوماً أياً من مدن الغربة التي عاشتها، ولم تذكرْ هذه المدن بالحنين والذكريات، وكأن الزمن خارج يافا لا يعنيها، وتوقف بها في ذلك اليوم الذي أُجبرت على الخروح من بيتها في حي العجمي في يافا. وكانت دوماً تكرر جملتها المشهورة "من بعدك يا يافا ما شفنا يوم حلو في حياتنا". وكأنها سمعت ما قاله شاعر العراق الكبير محمد مهدي الجواهري بعد النكبة وسقوط يافا "من لم يزر يافا فهو محظوظ كان الله بعون أهالي يافا على ما فقدوه". كبرتُ وكبرتْ معي يافا وبقيت تلك الجنة التي لم تعرفها عيناي ولكن صدقتها الآذان وحلُم فيها الوجدان عشرات المرات. يافا التي كانت قبل البحر بل حتى أن المؤرخ الفلسطيني مصطفى هشام الدباغ لم يخطىء في وصفه لها أن معظم مدن الدنيا تبدو طفلة بالنسبة لها. فيافا أولى الموانئ على البحر المتوسط منذ عهد الإغريق.

يافا، هذه المدينة تعدُّ كتاباً تاريخياً لمن أراد أن يتعرف على تاريخ فلسطين عبر العصور، ودرساً عملياً لمن أراد أن يعرف أن الدول أيام ومهما طالت الأيام لن تبقى الدول على حالها. يافا الذي يمتد تاريخها إلى أكثر 5000 ق.م بناها الكنعانيون وكانت مملكة بحد ذاتها، ولم يبق غزاة على ضفاف المتوسط إلا وطمع بها وغزاها، فقد مرَ على أرضها الفراعنة والآشوريون والبابليون والفرس واليونان والرومان ثم فتحها القائد الإسلامي عمرو بن العاص وخضعت لكل الممالك الإسلامية إلى أن خضعت تحت حُكم الأتراك ثم الانتداب البريطاني وبعده نكبة 1948 واحتلال الصهاينة لها وتشريد غالبية سكانها وفقدان عروس البحر الفلسطيني التي تلطخ ثوبها بالدم بعد أن نهبتها أيادي العبث الصهيوني.

هذا الفقد لم يقف على سقوط يافا عام النكبة عام 1948، بل استمر بعد هذا التاريخ وما زال مستمراً للآن. إذ يُمارس في حق هذه المدينة أبشع صور التهويد والطمس والتغير. وقد وصلني مؤخراً في مطلع شهر كانون ثاني عام 2018 نسخة من كتاب "يافا : رسائل في ظلال النكبة" للكاتب عبد القادر السطل. هذا الكتاب الذي ما أن فتحت أولى صفحاته وبدأت في قرأتها حتى وجدتني في قد وصلت إلى منتصفه لشدة ما شدني إليه في أسلوبه وطريقته في الكتابة التي وصفها ابن يافا البار شفيق الحوت قبل رحيله عند قراءة هذا الكتاب في نسخه الأولى قبل طباعته بأنها كتابه تمزج بين التعبير الصحفي والوجداني. هذه الرسائل النابعة من قلب عبد القادر السطل الذي يعرفه الجميع بأنه ابن يافا البار وعاشق لهذه المدينة الساحرة ولكل ذرة تراب فيها ويحق لها هذا الحب، بأنها موجه إلى أهل يافا ومحبيها وأبناء فلسطين في كل مكان.

رسائل السطل هي بمثابه سرد لقصة يافا بعد احتلالها عام 1948 وما آلت إليه الأوضاع بعد الخروج العظيم في يوم 15 أيار 1948 اليوم الأسود في تاريخ يافا وأهلها التي تفرغت من أهلها وغدت مدينة لأطياف من اليهود القادمين عبر البحار وورثوا أرض يافا ابنة كنعان المدللة بقوة السلاح والحديد وأخرجوا أهلها بقوة النار والبطش وتهديد الموت. ليس إلا انتقاما من يافا التي لعبت مدينة دوراً مميزاً وريادياً في الحركة الوطنية ومقاومة المحتل البريطاني من جهة والصهاينة من جهة أخرى، فمنها انطلقت ثورة 1920 ومنها بدأ الإضراب التاريخي الذي عَمَّ البلاد كلها عام 1936 ودورها الفعّال في ثورة 1939، تاريخ يافا حافل بالثورات والإضرابات سجلها التاريخ وروتها صفحاته عن بسالة أهلها وشجاعتهم التي ما وهنت أيديهم ولا هاماتهم عن الدفاع عن مدينتهم ولكن خدعتهم خيانة الحكومات العربية المتأصلة في عظام حكامها في ذلك الوقت.

يتألف كتاب يافا : رسائل في ظلال النكبة من 259 صفحة من القطع الكبير، وصدر عن دار نشر كفر قاسم في كفر قاسم. وتصدر صفحاته مقدمة الكاتب نفسه عبد القادر السطل استعرض فيه في أولى صفحاته تعريفه بنفسه وتاريخ عائلته وكيف صمدوا في يافا ووقفوا في وجه الاقتلاع والرحيل، ثم بين ما آلت إليه يافا بعد زلزال النكبة، ثم تبع هذه المقدمة مقدمة للبروفسور مصطفى كبها رئيس معهد دراسة العلاقة بين الأديان في الجامعة المفتوحة وهو باحث ومحاضر في تاريخ الشعب الفلسطيني والإعلام العربي بيّن فيه أهمية هذا الكتاب السردي لمن يريد أن يعرف عن يافا وما آلت إليه هذه المدينة الساحلية وما عصف بأهلها من نكبات.

ولأهمية هذا الكتاب السردي والتوثيقي للأجيال الشابة المقيمة في يافا خاصة وللفلسطينيين عامة، نذكر أبواب هذا الكتاب وخطوطه الرئيسة : إذ يبدأ أول فصل فيه بعنوان ولادة مدينة، يتبعه عنوان مئة عام لتل أبيب وخمسة آلاف ليافا وفيه يتناول عبد القادر السطل تاريخ يافا العريق والاحتفالية المئوية لبلدية تل أبيب التي أقيمت على أشلاء أهالي يافا، ثم تبع هذا الفصل عنوان الاستيطان في يافا بعد النكبة والخراب الذي أحدثه هذا الاستيطان من سرقة للأراضي والبيوت العريقة لأهالي يافا أو التدمير والتخريب الذي حوّل يافا العريقة إلى بؤرة استيطان، ومن هذا الفصل ينتقل الكاتب بنا إلى أحياء يافا القديمة فيتحدث عن "جيتو حي العجمي" وجيتو" حي النزهة أكبر أحياء يافا العربية.

ثم يتطرق الكتاب إلى التعليم في يافا بعد النكبة والاحتلال الثقافي لها وما خلفه هذا الاحتلال من تغير للهوية وخاصة للشباب العربي، ثم يتحدث الكاتب أيضا عن لجنة شباب عرب يافا والرابطة لشؤون عرب يافا التي تقوم بجهود جبارة للحفاظ على يافا ومقدساتها. ولا ينسى الكاتب أن يقف لتحية أبناء يافا الرحلين فيفرد فصلا لشفيق الحوت بعنوان مهلا يا أبا هادر، وفصلاً أخر

ومن أهم ما وقف فيه الكاتب السطل هو تبيان تراث أهل يافا وعاداتهم واحتفالاتهم الشعبية، ومن هذا الفصل نقف عند عناوين . أو إنك يافاوي أو مش، ويافا هي نعمة، ويافا هي البيارة ، ويافا هي المدرسة ، ويافا هي الميناء ، ويافا أم الغريب ، ويافا والفاعل والمفعول به ، وسعد الدبّاح في يافا ، وعائد إلى يافا ويافا ساعة رملية وأسطورة أزلية.

الحديث عن يافا الجميلة لا يكفيه سطور ولا تسعه الكلمات ولعل كتاب عبد القادر السطل هو محاولة لإعادة فهم واقع هذه المدينة وإعادة ترميم الذاكرة وفتح الأسئلة على مصراعيها ليهب الجميع للحفاظ على ابنة كنعان، عروس فلسطين الأسيرة في أيدي الصهيونية العالمية وهي شعلة أمل لأجيال ولدت في رحم النكبة وما زالت تبحث عن جذورها الضاربة بعمق التاريخ. فتحية للكاتب عبد القادر السطل لكتابه وتحية ليافا الصامدة ولكل حبة تراب في فلسطين ألف قبلة وسلام.




تعليقات الزوار