إغلاق
إغلاق
محاولات الاغتيال العربية مسرحية تحمل اجندات سياسية- بقلم الشيخ: ابراهيم صرصور
الجمعة   تاريخ الخبر :2018-03-16    ساعة النشر :12:50:00

الانفجار الذي قيل انه استهدف موكب رئيس الوزراء الفلسطيني (رامي الحمد الله) ورئيس جهاز مخابراته (ماجد فرج) يذكرنا بمسرحيات محاولات الاغتيال التي جرت في العالم العربي بتخطيط وترتيب من زعمائها وتنفيذ اجهزة مخابراتها، ابتداء من عهد عبد الناصر وليس انتهاء بعهد محمود عباس. الهدف: تلميع النظام وتعزيز منظومة الاستبداد، وضرب قوى المعارضة الحية والقادرة على التغيير.

ردود الفعل السريعة والمتسرعة من جهة السلطة الفلسطينية ابتداء من رأس هرمها الرئيس أبو مازن، مرورا بكبار رجالاتها من قيادات فتح والمنظمة الفلسطينية وليس انتهاء بالناطقين باسمها والمتحالفين معها والمطبلين لها طمعا في بركاتها، تدل بما لا يدع مجالا للشك ان وراء الأكمة ما وراءها، وأن الحادث بكل تفاصيله وملابساته يفرض أسئلة جدية حول المستفيد من هذه العملية الفاشلة والخبيثة والدنيئة!

(1)

ليس الأمر بحاجة إلى عبقرية فذة ومميزة للتأكيد هنا ان أكثر المتضررين من هذه العملية هي حركة حماس، ناهيك عن ان تكون مستفيدة بحال من الأحوال او بأي بشكل من الأشكال.

العكس هو الصحيح. الاحتلال الإسرائيلي هو المستفيد الأول من حيث رغبته في إغراق الشعب الفلسطيني في أزمات متتالية تنهك ما تبقى من قوته وتمس أمنه القومي ووحدته الوطنية لتظل الطريق امامه سالكة لإتمام مشروع تصفيته للقضية الفلسطينية كما يصرح بذلك نتنياهو وكبار وزراء حكومته بصورة مستمرة.

محور الشر العربي برئاسة مصر والسعودية والامارات، الذي يسعى في الفترة الأخيرة بكل وقاحة إلى تمرير ما يسمى ب - (صفقة القرن) التي يروج لها الرئيس الأمريكي ترامب، ويجند لها عبيده من زعماء العالم العربي وربما الإسلامي بهدف الضغط على القيادة الفلسطينية للقبول بها، هو أيضا من المستفيدين من هذه العلمية التي لا أستبعد ان يكون شريكا في انتاجها وإخراجها لحيز التنفيذ. هذه الأنظمة الظلامية لها من الرصيد الخياني في الفترة القصيرة الأخيرة ما يجعلنا على يقين من ضلوعها في هذه المؤامرة ضد فلسطين وطنا وشعبا ومقدسات. من (تجليات!!) هذه العمالة السافرة للأجنبي على حساب الوطني، حربها الدموية على منجزات الشعوب العربية في إطار الربيع العربي في فلسطين ومصر وسوريا واليمن وليبيا وحتى تونس، وتغيير قائمة الحلفاء والاشقاء والاعداء، حيث أصبح الشقيق والأخ المفترض هو العدو، وأصبح العدو الصائل ظاهر العداء هو الشقيق والصديق المؤتمن على قضايا الوطن الذي تُرْجى شفاعته عند ترامب صاحب الفضل والمِنَن! وكم أبدع الشاعر احمد مطر في وصف حال شعوبنا العربية مع حكامها في قصيدته الرائعة (جرأة)، قال فيها:

(قلتُ للحاكمِ: هلْ أنتَ الذي أنجبتنا؟

قال: لا.. لستُ أنا

قلتُ: هلْ صيَّركَ اللهُ إلهاً فوقنا؟

قال: حاشا ربنا

قلتُ: هلْ نحنُ طلبنا منكَ أنْ تحكمنا؟

قال: كلا

قلت: هلْ كانت لنا عشرة أوطانٍ

وفيها وطنٌ مُستعملٌ زادَ عنْ حاجتنا

فوهبنا لكَ هذا ا لوطنا؟

قال: لم يحدثْ، ولا أحسبُ هذا مُمكنا

قلتُ: هل أقرضتنا شيئاً

على أن تخسفَ الأرضَ بنا

إنْ لمْ نُسدد دَينَنَا؟

قال: كلا

قلتُ: ما دمتَ إذن لستَ إلهاً أو أبا

أو حاكماً مُنتخبا

أو مالكاً أو دائناً

فلماذا لمْ تَزلْ يا ابنَ الكذا تركبنا؟؟

… وانتهى الحُلمُ هنا

أيقظتني طرقاتٌ فوقَ بابي:

افتحِ البابَ لنا يا ابنَ ا لزنى

افتحِ البابَ لنا

إنَّ في بيتكَ حُلماً خائنا!!!) ..



كم حاولت إقناع نفسي بأن قيادة الشعب الفلسطيني التي عاشت في المنافي منذ النكبة لا يمكن إلا ان تنحاز بكليتها إلى ثوابتها وشعبها وأمتها، وان تعمل على إنجاز مشروعها الوطني بما يتفق مع أشواق شعبها في الاستقلال والوحدة الوطنية والتعددية السياسية، وتعزيز المنظومة الديموقراطية، وإعلاء القيم الدينية، والوقوف على مسافة واحدة من مُكَوِّنات الفسيفساء الحزبية والفصائلية، وإقامة مؤسسات الدولة على أسس وطنية بعيدا عن الفئوية المقيتة، وتغليب المشترك على كثرته وتحييد المُفَرِّقِ على قِلَّتِه.

لكن أملي في هذا الشأن خاب كثيرا حتى ما عدت ألمس أي فرق في الأداء – رغم اختلاف الأوضاع السياسية - بين القيادة الفلسطينية في رام الله بكل مستوياتها، وبين أي نظام عربي سواء في سياساته الداخلية أو في تلك الخارجية.. العقلية المستبدة والدكتاتورية والشمولية الأحادية التي لا تعتاش إلا على أشلاء شعب ممزق ومهزوم في ذاته وفي واقعه، بما في ذلك العداء للمشروع الإسلامي ودعاته لمصلحة ما يسمى كذبا وزورا دولة مدنية ليبرالية وعلمانية لا تؤمن بالديموقراطية الا بقدر ما تقصي معارضيها، فإن لم تستطع فاستئصالهم من جذورهم شكلا ومضمونا، هذه العقلية هي التي تحكم السلطة الفلسطينية مع الأسف.

(2)

فرحنا كثيرا بتوقيع اتفاق المصالحة في القاهرة بين فصائل المجموع الوطني الفلسطيني وعلى رأسهم فتح وحماس ... توقعنا أن يبدأ الرئيس أبو مازن بتنفيذ الاتفاق دون إبطاء بعد ان قدمت حماس كل ما يجب لإنجاح المصالحة من خلال استجابتها لكل مطالب الرئيس، على قاعدتي الوحدة الوطنية كفريضة شرعية وضرورة سياسية وحاجة وجودية من جهة، والثوابت الفلسطينية في ظل تعثر مفاوضات السلام بسبب سياسة الرفض الإسرائيلية وتخلي إدارة (ترامب) عن دورها كوسيط نزيه في ضبط إيقاع عملية المفاوضات على أسس عادلة ومنصفة، من جهة أخرى ...

جاء تجاوب حماس مع مطالب الرئيس محمود عباس سريعة ربما لم يتوقعها الرجل ولذلك لا يدري كيف يهضمها بعدما سحبت البساط من تحت قدميه، حتى كأني به قد حزن كثيرا لاستجابة حماس، فهو يشعر براحة كاملة في ظل حالة الجمود السائدة بين حماس وسلطة فتح والتي تعطيه هامشا واسعا للتحرك وحيدا دون رقيب او حسيب! تحددت مطالب الرئيس أبو مازن كما نعرف والتي تم تنفيذها بالكامل في ثلاث قضايا. اولها، حل اللجنة الإدارية في قطاع غزة. ثانيهما، تسليم حكومة رام الله وزارات ومؤسسات غزة ومعابرها. وثالث هذه المطالب، قبول اجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

شككت شخصيا في نوايا السلطة الفلسطينية وقيادتها منذ البداية وذلك اعتمادا على تجارب الماضي القريب والبعيد، والتي تشير كلها الى ان حركة فتح وقيادة السلطة لا تريد مصالحة بالمقاسات التي يفهمها الشعب الفلسطيني والتي تعني شراكة الكل الفلسطيني في كل شيء بلا استثناء بما في ذلك حماس والجهاد الإسلامي، وإنما تريد (استسلاما!) كاملا من جهة حماس وخروجا تاما من خريطة الفعل الفلسطيني، او القبول بالفتات المتساقط من موائد فتح والسلطة الفلسطينية دون اعتراض.

لذلك لم استغرب ان تخرج علينا غربان فتح والسلطة عند كل مفترق أو منحنى في مسيرة القضية (آخرها محاول الاغتيال المزعومة في قطاع غزة)، لتعود الى نعيقها وصياحها من جديد في محاول يائسة لإحباط جهود المصالحة بعدما كادت تؤتي أكلها استجابةً لإرادة الشعب الفلسطيني، ولتبرير مماطلتها في تنفيذ الاتفاق والمضي قدما في الانتقال بالمصالحة الى آفاق جديدة تحقق للشعب وحدته التي تاق اليها على كل المستويات. أصبحت كلمة " التمكين " هي كلمة السر التي اخترعتها قيادة فتح والسلطة الفلسطينية لتثير الغبار الكثيف من حول قطار المصالحة مما أثار استغراب وتنديد كل المخلصين في الشعب الفلسطيني وفصائله المختلف، الامر الذي دفع المخلصين من أبناء الشعب الفلسطيني الى دعوة الكل الوطني الى التحرك السريع لإنقاذ المصالحة قبل فوات الأوان، في إشارة واضحة إلى التصعيد الفتحاوي غير المبرر في فترة يحتاج فيها الشعب الفلسطيني إلى اقصى درجة من الالتفاف والوحدة!

الادهى من ذلك والأمرّ استمرار حصار السلطة الفلسطينية لقطاع غزة الامر الذي يفاقم الأوضاع المعيشية للشعب الفلسطيني في هذا السجن الكبير، بالتنسيق الكامل مع إسرائيل التي تفرض الحصار من جهتها منذ العام 2007، ونظام الانقلاب في مصر الذي يرفض فتح معبر رفح بانتظام وبشكل دائم رغم تسلم السلطة لإدارة المعابر منذ فترة طويل، ودعا في الأيام الأخيرة إسرائيل إلى منع قطر من تنفيذ مشروعاتها الضخمة في قطاع غزة إمعانا منه في سياسة (التركيع!!) التي ينتهجها ضد حماس في القطاع بالرغم من فشل محاولاته تلك منذ انقلابه على الرئيس الشرعي في مصر الدكتور محمد مرسي وحتى الان.

كان لحكومة الوفاق الفلسطينية مساهمتها في تعميق الهوة وتكريس حالة الغضب الكامن، وتعزيز حالة الإحباط الفلسطيني، وذلك من خلال قرارها إعادة موظفي قطاع غزة الذين رفضوا الخدمة وتركوا وظائفهم بتحريض ارعن من السلطة الفلسطينية منذ العام 2007، من غير معالجة أوضاع الموظفين العاملين في سلك السلطة منذ 2007 وحتى الان، مما يعتبر مخالفة صريحة للاتفاقات الموقعة وتخريبا متعمدا لجهود المصالحة!

استمرار الحديث عن استمرار (هيمنة!!) حماس على الأوضاع في القطاع أصبح ممجوجا ومقززا، كما ان استمرار التوجه الى فتح وحماس على قدم المساواة فيه من الظلم ما لا يقبله العقل السليم.. لذلك لا بد من رفع الاجراءات العقابية عن قطاع غزة فورا، واسراع حكومة الحمد الله في القيام بمهامها دونما ذرائع واهية، والبدء الفوري في ترتيب هياكل المؤسسات الوطنية الفلسطينية في الداخل والخارج على قاعدة المشاركة الكاملة، ودعوة المجلس التشريعي للانعقاد، ودعوة القيادة الوطنية الموحدة المؤقتة للانطلاق بعملها، والعمل السريع على وضع رؤية وطنية شاملة تضع القضية الفلسطينية على الطريق الصحيح في ظل تعرض القضية الفلسطينية لهجمة غير مسبوقة تستهدف شطبها من قاموس الاهتمام العالمي.

(3)

لا يمكن لعاقل أن يفصل حادث محاولة الاغتيال الفاشلة التي استهدفت موكب رئيس الوزراء الفلسطيني (الحمد الله) ومدير المخابرات (فرج) عن هذه الأجواء المكفهرة بسبب (سياسة الرفض) التي تنتهجها السلطة الفلسطينية ورئيسها أبو مازن، والتي تذكرنا بمحاولات اغتيال في العالم العربي (حادث محاولة اغتيال جمال عبد الناصر الفاشلة عام 1954 "المنشية" كنموذج)، تم التخطيط لها وتنفيذها مخابراتيا بشكل مباشر او غير مباشر بهدف تحقيق اجندة سياسية واضحة، في صلبها تعزيز قبضة النظام الدكتاتوري والقضاء على القوى الحية المعارضة وخصوصا الإسلامية منها.

السلطة الفلسطينية لا تريد إتمام المصالحة الا إذا خرجت حماس من المعادلة وضمن أبو مازن انتهاء دورها على الساحتين السياسة والعسكرية المقاوِمة على أرض فلسطين.. نقطة اول السطر..

تحقيقا لهذا الهدف اتخذت السلطة مجموعة قاسية وعنيفة من الإجراءات منذ الحسم العسكري عام 2007 الذي أفشل محاولة انقلاب السلطة وحركة فتح ضد حكومة فلسطين بقيادة حماس في ذلك الوقت، شملت الحصار واستعداء العالم ضد حماس، وغض الطرف في الحد الأدنى عن حروب ضروس شنتها إسرائيل على غزة، بل ودعمها في الخفاء املا في القضاء على حماس.. وجد أبو مازن ضالته في تنفيذ خطط استئصال حماس في نجاح الانقلاب في مصر ضد الحكومة والبرلمان والرئيس في مصر، وقرار هذا الانقلاب استئصال حركة الاخوان المسلمين الام الروحية لحماس في فلسطين، حيث تواطأ مع السيسي وإسرائيل بهدف القضاء على حماس نهائيا، واستفراده في الحكم دونها. كما فتحت الحرب التي أعلنتها بعض دول الخليج (السعودية والامارات) على الحركات الإسلامية وإدراجها على لوائح الإرهاب بما في ذلك الاخوان المسلمين وحماس، شهية محمود عباس وعززت من آماله في القضاء على حماس، إلا أن النتائج ما تفتأ تأتي على غير ما تشتهي سفن ابي مازن.

لا تمتلك السلطة الفلسطينية والرئيس أبو مازن الجرأة لكشف نواياهم الحقيقية، لذلك نراهم يلجأون الى ذات الوسائل البائسة لأنظمة العرب البائدة او العاربة او تلك المستعربة.. مسرحيات الاغتيال التي سرعان ما تنكشف اهدافها كما انكشف بعد دقائق من وقوعها في قطاع غزة، حيث انهالت التصريحات البائسة تستهدف: أولا، تحميل حماس المسؤولية عن الحادث الامر الذي نفته حماس جملة وتفصيلا. ثانيا، الدعوة الى (التمكين الأمني) بعد (التمكين السياسي والاداري) الذي حصلت عليه حكومة الحمد الله. ثالثا، عودة الحديث عن (السلاح الواحد) داخل الأرض الفلسطينية المحتلة، والذي يعني عودة الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة بالوكالة كما هو في الضفة الغربية. رابعا، محاول ربط خبيثة بين حماس والإرهاب في محاولة لاستصدار ربما قرارات دولية لمواجهة حماس. خامسا، تبرئة إسرائيل وبعض المجموعات التابعة لداعش والتي تسعى لإحراج حماس، تبرئتها من أية مسؤولية عن الحادث.

(4)

في الوقت الذي نجح فيها نتنياهو في إنقاذ حكومته من كابوس انتخابات مبكرة بسبب ازمة تجنيد المتدينين الأصوليين، وضمن استمرار حكومته حتى نهاية مدتها القانونية نهاية 2019 كما يبدو، وفي الوقت الذي يستعد فيه لاحتفالات سبعينية الاستقلال الإسرائيلي والافتتاح الرسمي للسفارة الامريكية في القدس المحتلة بمشاركة ترامب، يستمر أبو مازن وحركة فتح وحلفاؤهم في اللعب بمصير القضية الفلسطينية والقضاء على ما تبقى من امل ضعيف لإنقاذها، مستعملين اخس الوسائل واحطها، ومتيحين لأعداء الشعب الفلسطيني الفرصة تلو الفرصة للإجهاز عليها.

حالة التذبذب التي يعيشها الشعب الفلسطيني بسبب مماطلة السلطة الفلسطينية والرئيس عباس في تنفيذ اتفاق المصالحة، يعيدنا للعيش في ذات الكابوسٍ الذي ظننا أننا تخلصنا من تنغيصه القديم، بينما هو يطل علينا من جديد برأسه الأشعث مهددا مشروعنا بخطر كبير وشر مستطير ... على الجميع العمل للعودة بالشعب إلى مربع العمل المشترك بعيدا عن (الثارات !!) الجاهلية (والأنا !!!!) الفصائلية، وتقديم المصلحة العليا لفلسطين والشعب الفلسطيني على ما سواها...




تعليقات الزوار