إغلاق
إغلاق
العرب والعلوم الإنسانية: تحديات الحاضر ورؤيا المستقبل - بقلم الدكتورة: زهية قندس
الثلاثاء   تاريخ الخبر :2018-04-17    ساعة النشر :18:01:00

شاركت الدكتورة زهية قندس (زميلة في مركز مينرفا لعلوم الآداب، جامعة تل أبيب) من مدينة يافا في المؤتمر الثاني والذي انعقد في جامعة تل أبيب قبل أسبوع.. وكتبت الدكتورة زهية خلال المؤتمر ما يلي:-


من نحن؟

ما هي هذه اللغة التي أتحدث بها إليك؟

هل فعلًا نحن هنا الآن، هل فعلًا زهية تتحدث إليكم في هذه اللحظة؟ ما هي الآليات الفلسفية والحسية التي في اللغة لكي تؤكد أنني أقف أمامكم ولست حلمًا متخيلًا في أذهانكم؟

ما هي المحطات التاريخية التي مررنا بها كمجموع إنساني له خصائصه الحضارية واللغوية والإقليمية؟ وما هي الفوائد المعرفية، التي استطعنا، نحن العرب وحدنا، وعبر التاريخ، أن نقدمها للعالم الإنساني؟ هل الزمن هو أمر حسّي ملموس؟ هل يعيش في منزل يمكن الإشارة إليه؟ ذاك هو الزمن، اقبضوا عليه؟ من هم هؤلاء الذين نسمّيهم أجدادنا؟ هل هناك علاقة ماهية بيننا وبينهم، أم بالإمكان شطب وجوههم من الصور الملصقة بألبوماتنا، ونبقي على أجسادنا معلقة في الهواء، دون أن نقع بلا سند؟

هذا النوع من الأسئلة هو نبذة عمّا يهمنا فيما نسميه "العلوم الإنسانية"، العلوم التي تُعنى بكِ وبكَ، بوجودكِ وبوجودكَ، بقدرتكم ليس فقط على التواجد في هذا العالم، إنما أيضا التفكير بهذا الوجود من خلال إلقاء نظرة باحثة بحيثياته، بتفككيه إلى أجزاء، وإعادة بنائه من جديد. اهتمام الإنسان بهذا اللون من العلوم هو في صميمه اهتمام بشري شاركت فيه الشعوب كافة، من الفينيقيين واليونانيين والبيزنطيين، والعرب أيضًا. نعم، أنتم وأنتنّ أيضًا جزء هام من تاريخ البشرية المعرفي.

يسعى مجال بحثي للمساهمة في المحاولات المعرفية المعاصرة التي تحاول إعادة القراءة لحقبة هامة من تاريخ فكرنا المعاصر، الفترة التي يُطلق عليها في الأدبيات العلمية "عهد النهضة"، والذي شاهده عالمنا بدءًا من الربع الأخير من القرن الـ 19 مرورًا بالقسم الأوّل من القرن العشرين. طبعًا، مجرّد ذكر المسمّى "نهضة" ليشير إلى أنّ هذا العنوان يعكس صورًا معاكسة تمامًا من قبيل: السقوط، الخمول، الركود، العجز – تشبيهات أطلقت علينا في العصر الحديث من قبل مستشرقين، ولكن أيضًا من قبل مؤرخينا أنفسهم، عن ما بدت لهم الحالة الكلية التي عشناها في تلك الفترة مع فقدان الدولة العثمانية لسيادتها الداخلية، فضلًا عن الخارجية، حيث بدت جسدًا في حالة احتضار، غير قادر على المحافظة على ذاته، حدوده السياسية وهويته الثقافية.

الحداثة الأوروبية والإنجازات العلمية والتكنولوجية الجبارة التي قدمتها للقارة الأوروبية وللعالم في القرن الـ 19، مثل مدّ خطوط القطارات والتلغراف، نجحت في التأثير على الحياة اليومية لآلاف الناس في كافة أنحاء المعمورة، بما فيهم المشرق العربي. وعندما نتحدث عن تأثير لا نعني فقط تسهيل السفر والحركة من هنا إلى هناك، أو عن منظومة جديدة للوقت يمكن أن نلمسها مع خلال الاهتمام العثماني ببناء أبراج الساعة (مثل ذلك الذي ما زال قائمًا في نابلس وعكا ويافا). في تلك الفترة، طرأت تغيرات كبيرة في مفاهيم الزمان والمكان انعكست في الأجساد التي عايشتها، أجساد باتت تعيش تجارب مغايرة، كان لا بد من خلالها للذات الفردية والجماعية أن تتحول من حالة إلى أخرى وأن تطرح أسئلة وجودية.

لذلك، فإنّ عصر النهضة سُمِّيَ كذلك لأجل كثرة المثقفين والمثقفات الذين وضعوا نصب أعينهم الحاجة الماسة في مواجهة معضلة الحداثة في الحيز المشرقي. الكثير من الأسئلة التي طرحت يمكننا أن نلخصها في السؤال الذي رافق سفر العديد من الشباب الموهوبين إلى باريس ولندن في بعثات علمية، والسؤال كالتالي: ما هي الأسباب التي دفعت بأوروبا إلى ابتكار الإنجازات العلمية والتكنولوجية، كما المؤسساتية الاجتماعية والسياسية، والتي أدت بها لكي تولّد أقوى أمبراطوريات العالم الحديث، وكيف لنا في الشرق أن نتقدم مثلهم رغم أن مساراتنا التاريخية مغايرة لمساراتهم؟

لضيق الوقت، سوف أكتفي بذكر بعض النماذج الفكرية التي حاولت أن تجيب على هذا السؤال الهام، مع الأخذ بالحسبان السياقات التاريخية التي رافقت وجهتها:
- النموذج الأول الذي عرفته المنطقة شوهد قبيل اكتشاف الوجه الآخر من الإمبراطوريات الجديدة مع الزحف الكولونيالي. في النصف الأول من القرن الـ19، بعيد رجوع البعثات من أوروبا، تبنيت نماذج عسكرية ومعمارية وتربوية. مع عودة مفكري هذه الحقبة من أوروبا شرعوا ببناء دور لترجمة الفكر الأوروبي، فقد ترجموا أعمالًا في الفلسفة والتاريخ والاقتصاد والأدب إلى العربية، إيمانًا منهم بأنّ على هذه الأسس بمقدرة المشرق أن يتقدم ويتطور. هذا النموذج من المثقفين حاول جاهدًا أن يثبت للعقل الشرقي، كما وللغربي، أنّ الفكر الأوروبي الحديث لا يتعارض بشكل خاص مع المركب الديني لهوية الأكثرية المسلمة في المنطقة.

في الثلث الأخير من القرن ذاته بدأت الصورة تأخذ شكلًا آخر. الزحف العسكري الكولونيالي للمشرق، مثل ذلك الذي كان لمصر وتونس والجزائر، وضع مثقفينا في محنة صعبة، حيث باتوا تائهين لا يعرفون كيف يمكن أن تتلاءم الصورة التي تبنوها عن حركات التنوير الغربية، مع التجارب التي باتوا يعيشونها وتعاكس تلك المفاهيم. الاستعمار واستغلال موارد الشعوب الطبيعية والسيطرة عليهم باتت هي الوجه الآخر لتلك الوعود. عوضًا عن جلبها للمساواة والإخاء والسلام صارت السفن الأوروبية لا تجلب إلّا الجنود والتدمير والصدام.

أنتج الوجهان المتعارضان للمدنيّة الأوروبية الحديثة، تقدّم من جهة وتدمير من جهة أخرى، نماذج فكرية يمكن تلخيصها بالتالي:

في النموذج الأول، نجد فئة من المثقفين يحملون مشاعر من الغضب على جيل الآباء وعلى إرثهم، وبالتالي طالبوا في كتاباتهم ومشاريعهم بمحو التجربة الشرقية من الذاكرة الجمعية وتبّني تلك الغربية بحذافيرها.

النموذج الثاني، أخذ منحًى معاكسًا تمامًا ونادى برفض الغرب، وبالتالي إلغاء تأثيراته الحضارية، حيث طالب مفكروه بالإبقاء على الهوية الشرقية كما هي.

أما النموذج الثالث، وهو الذي يعنى به بحثي، فقد حاول مفكروه إيجاد التوازن بين القوى المحلية الذاتية والقوى المكتسبة من الآخر. في عام 1884، أي بعد سنتين من احتلال بريطانيا لمصر والتهجير القصري لآباء النهضة، محمد عبدة وجمال الدين الافغاني، كتب الاثنان في مجلة نشراها من قلب باريس اسمها "العروة الوثقى لا انفصام لها" أنّ من بين أهدافهما، من جهة، إبطال زعم الزاعمين، أن الشرقيين عامة والمسلمين خاصة، لا يتقدمون إلى المدنية ما داموا على أصولهم التي فاز بها آباؤهم الأولون، ومن جهة أخرى، وجّهوا صرختهم باتجاه الشباب في الشرق لإيقاظهم من وهم قدرتهم على النجاح، وخلال فترة زمنية قصيرة، في بناء ما قد استغرق الغرب عدة قرون لبنائه. بكلمات أخرى، حاول مفكرو هذا النموذج الوَسَطي أن يتحاوروا ويتفاوضوا مع المدنية الأوربية من موقع يسعى لإيجاد التوازن بين الهوية الشرقية والهوية الغربية، ومن موقع يعتز بذاته وبتاريخه، ولكن أيضًا من منزل جريئ مستعد لإعادة النظر في هذا التاريخ وطرح صياغة جديدة للذات الشرقية، صياغة تلائمه مع الواقع المتغيير.

تعكس السيرة الذاتية لعبده والأفغاني، من النفي والنبذ والتكفير حتى الاتهام بالجنون، مدى صعوبة تغيير المجتمعات ودفعها للنظر في تاريخها نظرة مدققة وتجهيزها بآليات علمية لمواجهة معضلات تبدو صعبة. دفع الاثنان ثمنًا نفسيًّا باهظًا لأجل تجرؤهما على الحلم ببناء مساق خاص بالشرق ليعيد من خلاله بناء مدنيّته ثانية، كتلك التي سادت في العصور الوسطى.

الموجع في هذه القراءة التاريخية هو أنّ تلك التحديات التي عاشها الاثنان ما زالت مجتمعاتنا تعيشها اليوم: من تشتت، تكفير، تخوين، وقلة المنادين بالوحدة والمساواة والتسامح والوفاق. هذه مهمة لا تلقى على عاتق السياسيين، بل بالدرجة الأولى عليكم وعليكنّ، عقلاء وعلماء المجتمع.

والسؤال هو: أين هم اليوم؟ أين هم شبابنا؟
ماذا يقرأون؟
ماذا يحلمون؟
وأين المجتمع في رؤاهم المستقبلية؟
التحولات، عزيزاتي وأعزائي، عند كافة المجتمعات عسيرة في بدايتها، وذلك إلى أن يقدم مفكروها على تيسير التحوّل ورسم مساراته. هذه المحاولة هي التي نحن في صددها اليوم، وتحدّينا الأكبر هو عدم التفات المجتمع في البلاد إلى العلوم الإنسانية، وهو ما نشهده في ضآلة عدد الشباب والشابات الملتحقين بهذا اللون من العلوم.

أقف أمامكم اليوم، وعلى يميني ويساري زميلات وزملاء، تشاهدون وجوههم على الشاشة من ورائي، فلسطينيون، مسيحيون ومسلمون، ويهود؛ بانتظار شبابنا وفتاياتنا لكي ينضموا إلينا في مركز مينرفا للآداب وبرنامج الثقافة العربية اليهودية، وذلك لكي نعيد معًا طرح المعضلات المتعددة التي يواجهها مجتمعنا الفلسطيني اليوم، وصياغة مسارات بديلة تأخذ بأيديهم نحو خلق نماذج جديدة للتجربة الحياتية. رؤيانا لا تعنى بإفادة فئة بعينها، بل بإفادة الفكر الإنساني والمجتمع البشري ككل. رؤيانا تتلخص في بناء نهضة علمية جديدة، يكون فيها للغتنا العربية وعلومنا الشرقية التي ورثناها عن أجدادنا مكان ومهمة لرسم مسار مغاير للمساق الآني المحتضر والذي تعيشه العلوم الإنسانية، ونحن معها.

يمكنكم أخذ المنشورات التالية لكي تعرضوها على طالباتكم وطلابكم، لنأتي إلى مدارسكم ونتحدث إلى طالباتكم وطلابكم، كما ولندعوهم لزيارتنا هنا لفتح أعينهم على هذا اللون من المعرفة. بجملة واحدة: نحن هنا في الخدمة ولا يسعدنا أكثر من أن تستعينوا بنا.




تعليقات الزوار