إغلاق
كحيل
إغلاق
اعلان الانتخابات
من طهران إلى سوتشي .. القرارات التكتيكية الناجحة - بقلم: أمجد إسماعيل الآغا
الاثنين   تاريخ الخبر :2018-09-24    ساعة النشر :12:27:00

برأس بارد و حكمة سياسية، أنهى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ملف ادلب، و تمكن من تفكيك ألغام أردوغان السياسية، إضافة إلى وضع كل السيناريوهات التي سبقت قمتي طهران و موسكو ضمن بوتقة تصفية الأدوار، والتسويات الدولية، التي لا يُتقنها إلا الكبار من مرتبة الأسد و بوتين، و لكن قبل الدخول في تفاصيل القمة التي جمعت بوتين و أردوغان و قراءة نتائجها سياسيا و عسكريا، علينا أن نستعرض الاجواء السياسية و العسكرية التي سبقت هذه القمة، و التي جاءت ضمن إطار الحرب الناعمة، و هنا لا ننكر إطلاقا بأن مفردات هذه الحرب التي مارستها تركيا و بيادقها الإرهابية، إضافة إلى الغرب، كانت في جانب منها تَحمل الإيجابية، بمعنى أن هذه الحرب الناعمة دفعت بالرئيسين الأسد و بوتين مهندسي القرارات الحكيمة، إلى تغيير الاستراتيجية في التعاطي مع الغرب و عملاؤه الإقليمين. 

في الحرب الناعمة و تفاصيلها التي سبقت قمتي طهران و سوتشي، جاء التهويل من العمل العسكري المرتقب للجيش السوري، لجهة الكوارث الانسانية التي ستصيب المدنيين جراء هجوم الجيش السوري على مواقع الإرهابيين في إدلب، فكانت حملة أردوغان الإعلامية تحت شعار "حمام الدم " الذي ستشهده إدلب، و رافقت هذه الحملة وسائل الإعلام الغربية و بعض أبواق الناتو من الإعلام العربي، لكن هذه الحملات الإعلامية لم تُسلط الضوء على الإشارات الإيجابية التي أرسلها الكثير من أهالي إدلب للدولة السورية، كما قامت جبهة النصرة وبدعم من تركيا باعتقال هؤلاء الأهالي، وحتى تصفية بعضهم.

و للتعمق أكثر في تكتيكات الحرب الناعمة، نظمت تركيا و خلال الفترة التي سبقت قمتي طهران و سوتشي تظاهرات بقيادة "هيئة تحرير الشام" و "الجبهة الوطنية للتحرير" تدعو لرفض العملية العسكرية على إدلب، كما تولّت وسائل الإعلام التركية الرسمية بالتعاون مع عدد من القنوات الغربية التغطية الإعلامية لهذه التظاهرات، وقد رُفعت خلال التظاهرات آلاف الأعلام التركية وأعلام الفصائل المسلحة بما فيها جبهة النصرة.

تركيا التي هددت صراحة دول الاتحاد الأوربي بإغراقهم بموجات جديدة من النازحين، في حال شن الجيش السوري هجوما عسكريا على إدلب، مستخدمة ورقة ضغط سياسية عبر التلويح بأنها ستُحمل هذه الدول فاتورة سقوط إدلب، و ذلك في سعي تركي لتحشيد دولي رافض لأي عمل عسكري في إدلب.

و البُعد الأخطر في تكتيك الحرب الناعمة، جاء عبر وسائل إعلام غربية و تركية نقلت استعدادات يقوم بها بعض الأهالي في إدلب لتفادي هجوم كيميائي وشيك، و ضمن هذه الصورة الإنسانية التي تم التسويق لها لم تغب صورة الأطفال الخائفين من تداعيات ما سيحصل، متجاهلة هذه القنوات الأخبار المؤكدة التي نقلتها وزارة الدفاع الروسية حول استعداد المسلحين وداعميهم لتنفيذ هجوم كيميائي مفبرك، لإلصاق التهمة بالدولة السورية، وتبرير أي عدوان أمريكي عليها.

هنا، و في هذا المقال لا يمكن أن نستفيض شرحا لِما تم من تكتيكات قبيل قمتي طهران و سوتشي، لكن بات واضحا مما تم سرده، أن الغرض الأساسي من هذه التحركات يهدف إلى رفع معنويات الإرهابيين، إضافة إلى كسب المزيد من الوقت لتأجيل عملية إدلب، سعيا لحشد إقليمي و دولي من اجل الضغط على الدولة السورية و حلفاؤها في سبيل إقصاء إدلب من خيارات الحل العسكري، في المقابل دفع هذا الأمر كُلاً من الاسد و بوتين إلى تغير النهج الاستراتيجي لخططهم، فكانت مُخرجات سوتشي خيرُ دليل على تنسيق عالٍ بين الرئيسين، و لا شك بأن ما يَحكم إدلب ظروف معقدة جدا، بالنظر إلى الأعداد الهائلة من الإرهابيين، و الذين ينتشرون بين المدنيين و بالتالي لا سبيل لإقصائهم و تحجيم قوتهم الهجومية إلا بأساليب سياسية، لذلك كان الخيار السلمي بالنسبة للتوقيت و المكان المرتبط بالتداعيات الدولية و الإقليمية خيار تكتيكي، و التزام الجانبان الروسي والإيراني بإتاحة الفرصة أمام خيار "المصالحات" وإلقاء السلاح، وضع التركي في زاوية المصداقية السياسية، من أجل إقناع مرتزقته بإلقاء السلاح.

صحيح أن تركيا لاعبا اساسيا في فريق استانا، لكن القبول التركي بجزئيات الحل الروسي، يأتي من قناعة تركيا بأن خسارة إدلب ستؤدي إلى إضعاف الموقف التركي على طاول المفاوضات، في صورة مشابهة لُما حصل مع الهيئة العلياً للمفاوضات، حيث انعكس الانكسار الميداني لها سياسيا، فأصحبت السعودية الحاكمة للهيئة العليا للمفاوضات خارج المعادلة السياسية.

" إدلب .. بيت القصيد "
في قمة طهران حاول أردوغان تفخيخ البيان الختامي للقمة عبر رغبته في تفعيل خيار وقف إطلاق النار في ادلب، حينها جاء رد بوتين قائلا "نحن نؤيد دعوتك الفصائل الإرهابية إلى إلقاء السلاح فهل تملك القدرة على إقناع الفصائل الإرهابية بتنفيذ دعوتك؟ "، أما في قمة سوتشي فقد تم الاتفاق على تفعيل هذا الخيار ليصبح واقعا، فهل تمكن أردوغان من إقناع الفصائل الإرهابية بإلقاء السلاح؟، أم أن بوتين هدد بالورقة الكردية الضاغطة سياسيا و ميدانيا على تركيا؟، هنا لا يمكن التكهن بالإجابة و لكن يمكننا القول، بأن جوهر قمة سوتشي يكمن في إخضاع تركيا و احراجها سياسيا و عسكريا و بشروطها، فبدل التصادم في الميدان ليكن التصادم سياسيا، بمعنى أن مخرجات قمة سوتشي كانت متوافقة مع الرؤية السورية و الروسية عبر سحب الذرائع من الامريكي بشن عدوان ضد دمشق، اضافة إلى جذب تركيا إلى المنظومة الروسية و في ذات الوقت إحراجها سياسيا، فكانت الضغوط الروسية على تركيا لجهة سحب السلاح الثقيل من ايدي الارهابيين و وضعهم ضمن جيب جغرافي يسهل التعامل معهم في فترة لاحقة، و إن نكثت تركيا بتعهداتها فلا ضير، لأنه تم تذليل أي صعوبات تواكب مسارات الحلول بشأن إدلب خاصة، و الحرب على سورية عامة، يضاف إلى ذلك أن إدلب تكثر فيها عناصر التدخل الإقليمي والدولي، و لا بأس من تبريد الرؤوس الحامية ريثما يتم إعادة ترتيب المشهد سياسيا و ميدانيا، ليُصار لاحقا إلى جني ثمار الصبر الاستراتيجي السوري و الروسي.

و عليه و بناء على مخرجات سوتشي، يمكننا القول بأن الحل العسكري المرتبط بإدلب تم تأجيله مؤقتا، لكن هذا التأجيل هو تكتيكي لسحب الذرائع من واشنطن و عملاؤها، و يضع تركيا أمام اختبار مصيري لجهة تحالفها مع روسيا و إيران، إضافة إلى تعهد تركيا بسحب السلاح الثقيل من الفصائل الإرهابية، في هذه الجزئية إذا نجحت تركيا فهذا يعني تغليب الحل السياسي على العسكري، و ستأخذ تركيا دورها في العملية السياسية في سورية، و في حال مراوغة تركيا و العودة إلى زرع ألغامها السياسية و الميدانية، فـ سيكون خيار الحسم العسكري السوري الروسي الايراني لابد منه، و أعتقد أن الخيار العسكري لحسم ملف إدلب لا مناص منه، لأسباب عديدة يطول شرحها.

" في المحصلة "
ضمن معطيات الظرفين السياسي و الميداني في سورية عُقدت قمة سوتشي، فالحدث غير عادي خاصة أن حساسية الموقف تُجاه ادلب ليس مرتبط بالدولة السورية فقط، بل سيكون لإدلب تأثيرا إقليميا و دوليا، و هذا حقيقةً ما تم ترجمته عبر العدوان الاسرائيلي على اللاذقية، و يبدو أن الكيان الاسرائيلي قرء مفاعيل سوتشي مُبكرا، ليقوم بالعدوان على سورية، في خطوة تؤكد حجم المأزق الاستراتيجي ليس للكيان الاسرائيلي فحسب، بل أن واشنطن أيضا قد سلمت بالانتصار السوري و تفاهمات سوتشي ، ليأتي الرد السوري المزدوج في السياسية و الميدان، عبر التأكيد على متانة الحلف السوري الروسي من جهة، و من جهة أخرى مساعدة الروس للدفاعات الجوية السورية بالتصدي للعدوان.

بقي أن نَذكر، بأن الدولة السورية لن تبقى مكتوفة الأيدي في ظل تجاذبات يُراد منها تأخير المساعي الرامية لتحرير ادلب من الارهابيين، و هذا ما أكده مندوب سوريا في مجلس الأمن الدكتور بشار الجعفري في جلسة حول إدلب حيث قال : " الدولة السورية عازمة على مكافحة الإرهاب واجتثاثه وتحرير أراضيها من الإرهابيين والمحتلين الأجانب "، و عليه لا يظنن أحد بأن إدلب لن تعود للدولة السورية، فالرئيسين الأسد و بوتين لا يمكن أن نصنفهم في خانة ترامب الأحمق و أردوغان المتهور، و من المؤكد أن السقوط السياسي و العسكري سيكون من نصيب الأحمق و المتهور.




تعليقات الزوار