إغلاق
كحيل
إغلاق
أنقرة و واشنطن و شرق الفرات .. الخيارات المستحيلة - بقلم: الدكتور حسن مرهج
الثلاثاء   تاريخ الخبر :2018-11-27    ساعة النشر :09:03:00

 

تطورات الشأن السوري المتسارعة أفضت إلى مشهد بالغ التعقيد في الشمال السوري، واشنطن التي تستعجل وضع نقاط مراقبة على طول الحدود الفاصلة بين تركيا و مناطق سيطرة قوات سورية الديمقراطية، في مقابل استعجال أنقرة لتفاهمات مع واشنطن تقضي بانسحاب الوحدات الكردية من شرق الفرات، و بين انقرة و واشنطن يبدو أن تعقيدات المشهد في طور الوصول إلى صيغ قد تفضي إلى مسارات سياسية تُجنب الأكراد العمل العسكري التركي، مع الابقاء على الأكراد ضمن صفوف الامريكي في بقع جغرافية لا تُشكل للحليف التركي الاستراتيجي أي قلق، و لكن بين هذا و ذاك تُصر موسكو على رفض أي تواجد عسكري في سوريا لم يكن بموافقة دمشق، كما أن دمشق و عَبر مسؤوليها أكدوا على أن العلم السوري سيُرفع في كل مناطق الجغرافية السورية دون استثناء، في إشارة واضحة إلى الامريكي و التركي أن لا بديل لخروج القوات المعادية من الجغرافية السورية، سواء كان سلما أم حربا.

ضمن سلسلة الخيارات التي تناور انقرة في فلكها، قطع واشنطن علاقتها مع الأكراد، كما تبحث انقرة عن موطئ قدم لها شرق الفرات، لكن الواضح أن واشنطن تمسك عصا العلاقة بين انقرة و الاكراد من منتصفها، و على الرغم من الغزل الامريكي لـ تركيا إبان إعلان السفارة الأمريكية في أنقرة في السادس من الشهر الحالي عن مكافأة بملايين الدولارات، مقابل الإدلاء بمعلومات تساعد في القبض على 3 من قيادات حزب العمال الكردستاني لم يرق لتركيا، حيث أنه و بالتزامن مع إعلان السفارة الامريكية في انقرة، أقيمت مأدبة ذات رسائل كثيرة جمعت جنرالات أمريكيين ومقاتلين أكراد في أمريكا بمناسبة الاحتفال بعيد المحاربين القدماء الذي جرى على هامش الاحتفال بـ ذكرى الحرب العالمية الأولى في فرنسا، وهو لقاء استدعى تعليقاً تركيّاً رفيعاً من قِبل وزير الدفاع التركي "خلوصي أكار"، طالب فيه واشنطن بالالتزام بوعودها في وقف دعم المقاتلين الأكراد، معتبراً أنه من غير المقبول أن تستمر أمريكا في تزويد الأكراد بالأسلحة والذخيرة عبر شاحنات وطائرات رغم تحييد تنظيم “داعش” في سوريا إلى حدّ كبير.

تركيا التي تعلم جيدا أن أمريكا و سياستها لا يمكن الوثوق بهما إطلاقا، و قد خبرت تركيا هذه السياسية حين تخلت عن أكراد عفرين إبان عملية غصن الزيتون، و لكن في المقابل لا تزال تمدهم بالسلاح، و هذا ما يقلق تركيا الباحثة عن إضعافهم وتفريغ قدراتهم من محتواها، و عليه لا يزال الاكراد يُشكلون ورقة أمريكية رابحة شرق الفرات، ما يعني عدم امكانية قطع العلاقات مع الاكراد في الوقت الراهن، الامر الذي يشي بارتفاع منسوب التوتر بين واشنطن و انقرة، فما يبحث عنه أردوغان غير مُتاح نظرا لتعقيد الأجندات الإقليمية و الدولية، و تداخل المعادلات الاستراتيجية بين كل الأرف الفاعلون في الشأن السوري.

و على الرغم من جُملة التعقيدات الأمريكية و التركية، تسعى واشنطن إلى إنهاء صفقة "اس 400" بين روسيا وتركيا بأي شكل من الأشكال، لأن واشنطن تعتبر وصول هذه المنظومة الصاروخية إلى تركيا تهديدا استراتيجيا لبنية الناتو، وعلى هذا الأساس قالت وزارة الدفاع الأمريكية إنها تعمل في الوقت الحالي مع الكونغرس للمساعدة في إيجاد بدائل لمنظومة الدفاع الصاروخي الروسية إس 400 من أجل تزويد تركيا بها.

هي معطيات شائكة، فما بين الرغبة التركية بمعانقة شرق الفرات، و بين الإعلان الامريكي بنشر نقاط مراقبة تكون مانعا حقيقيا لإبطال أي عمل عسكري تركي تجاه الأكراد، تكمن معادلة الرغبات و الاحلام التركية، فلا يمكن الوصول إلى شرق الفرات، و لا يمكن لأنقرة إنهاء الأكراد، لكن الواضح من جُملة المشاهد السابقة، بأن الدولة السورية تقف كالأسد الذي ينتظر الانقضاض على فريسته، فالحماقة التركية و كذلك الأمريكية لم تلحظ بأن الانتصارات الت حققها الجيش السوري، و كسر خطوط واشنطن الحمراء في اكثر من بقعة جغرافية، ستكون وبالا على أعداء سوريا، فالزخم الهجومي للجيش السوري، فضلا عن تحرير عدد كبير من القوات السورية جراء انهاء المعارك في دمشق و محيطها و الجنوب السوري، بالإضافة إلى القوات الحليفة و الرديفة، سيشكل كل هذا معادلة يُصعب على واشنطن و أنقرة اختراقها، لينقض الاسد على إدلب و يخلصها من الارهاب، و ليثب إلى شرق الفرات و يحرره، و بهذا فقط ستكون الاحلام التركية و الامريكية ضمن فرضيات الخيارات المستحيلة.




تعليقات الزوار