إغلاق
إغلاق
لست لوحدك يا قدسُ - بقلم: محمد بكريّة
الجمعة   تاريخ الخبر :2019-04-19    ساعة النشر :20:57:00

"لسْتِ وحْدَكِ أورشليم"
من على ظهر جحشٍ أبن أتان صرخَ عليها باسطًا ساعدَه نحوها أنْ توقّفي : أورشليم , توقّفي, أورشليم , أورشليم...
كفاكِ جَرْيًا ... ركضَ خلفَها حافيًا حتى أحكمَ كفّه على كتفِها ثمّ سألها:
لِمَ تهربينَ منّي؟؟
انتصبَتْ المباني القديمة بقبابها وكنائسِها وكنُسِها خاشعةً
أجابتْ بصوتٍ أجَش:
أنصْلُبُكَ مرّتيْن لتخلّصَنا مرتيْن يا سيّدي؟؟
ثمّ أجهشَتْ بالبكاء , حرّرَتْ كتفَها من كفّه وواصلَتْ جَرْيَها...
بكى سيّدُنا كما لمْ يفعَل من قَبْلُ , بَرَكَ على صخرةٍ قديمة , تقدّمتْ منه ظلالٌ بيضاءُ ناصعة , ذواتُ أطوالٍ متفاوتة وسيقانٍ متعرّجة كموجِ الماء.
سألهم بحزنِ الشاكي المعاتب :
ماذا حدثَ ؟ لمَ تفرُّأورشليمُ منّي؟ ثمّ أينَ هم المؤمنون؟
لمْ يُجِبْه أحد.
صاحَ : أين هم المؤمنون؟
أجابه أحدُ الظلال بصوتٍ متموّجٍ دقيقٍ :
فرّوا من الخوفِ يا سيّدي , ثمّ أردفَ يتأتِئ بكلماتٍ غامضة :
ضَرْب, حرْب, سلْب, نهْب, دم , دم , دم .....
لحظاتُ صَمتٍ خيّمَتْ على المكان العتيق , ثمّ اختفتْ الظلال, ولا يزالُ صدى الكلمات الشحيح يجوبُ الفضاء , ضَرب, حرب, سلب, نهب, دم, دم, دم...
انكفَأ سيّدُنا على ركبتيْه ثمّ رفعَ رأسه إلى السماء صارخًا متضرّعا, كالطفلِ باكيًا:
أبتاه, أبتاه, أبتاه.
******************************************
قرعَ جبريلُ عليه السلامُ على بابِ روضةِ الرسول الكريم وناداه :
يا محمّد , ماذا لو ارتديِتَ عباءتَكَ وحمَلْتَ عصاكَ وارتحلْتَ إلى القومِ مرّة أخرى؟؟ فو الله إنّني أراهم قد صَبَأوا.
تململَ الرسولُ وتلكّأ ثمّ قال:
يا جبريلُ ما أنا بفاعلٍ فقد عجزْتُ وعجٌزوني.
بهذا الخطاب توجّه جبريلُ إلى موسى فأجابه النبيُّ :
يا جبريلُ قد أتعبَني في سيناء سومريّ واحدٌ , فما بالُك وقد أصبحوا عددًا وتعدادًا؟؟
ثمّ طار إلى ابنِ مريم :
ردّ عليه المسيحُ خَجِلًا :
يا جبريلُ والله لقد لقيتُ من صَلبي الأوّل وَصَبًا , وقد بلغتُ من الكِبَرِ عِتيّا، بلّغْ أبانا أننّي لم أعدْ أطيقُ ألمًا وتعبًا.
حينها عضّ جبريلُ على نواجذِه وطار إلى الله خالي الوفاض ، قالَ وهو يرفرفُ بجناحيْه :
يا أهلَ الأرض قد احتارَ الله في أمرِكم ، فانتظروا منه ريحًا من سعيرٍ ، ومطرًا من صلصالٍ وعواصفَ مددًا.
*******************************************************
وصلوا وقتَ الأصيل , وأورشليم خاويةٌ على عروشِها,صمتُ المقابر يلفّ زقاقَها , مبانيها ومعابدها, لقد هربوا ربّما حياء من الأنبياء , أو خوفًا من غضب السماء.
خلّتْ المدينة إلّا من بعض الأتقياء والمرسلين بانتظار وصول الآخرين , قالَ الرسولُ الكريم محمٌد وقد أسدّلَ عباءة الصوف على كتفيْه :
انتظِروا , ها هم قد وصلوا من الصحراء, كانت رحلةً شاقّة, دعوهم يدخلونها آمنين, شُقّوا لهم مسربًا, ليصلوا ب "تابوتِ العهد".
أما اليسوع فقد ترجّلَ عن الجحشِ بنِ الأتان" بعد أن كان قدْ همّ بالرحيل , التفتَ صوب الرسول فارشًا ضحكة عريضة أضاءت وجهه الحزين , وقفَ على عتباتِ المدينة, وهتفَ بالأورشليمييّن:
هلّلويا , هلّلويا, ارفعوا سُعُفَ النخيلِ عاليًا
صاحَ مرةً أخرى :
ها هو الموكب قد وصلَ يتقدّمه موسى بعكازِه , هلّلويا , هلّلويا ...
توجّه النبيّان صوبَ الرسول بعد أنْ أوثقَ البُراقَ.
تعانقوا, لوّحوا للعبادِ, صاحوا :
أورشليم, أورشليم , لنْ ندعَكِ مرّة أخرى تهربين.
ثمّ عرجوا إلى السماء مرحين.
دقّتْ أجراسُ الكنائس, صدَح صوتُ المؤذّن من على المنابر,
تدفّق الناسُ في أزقة المدينة يهرولون إلى كلّ حدَبٍ وصوبٍ باسمين مطمئنّين.
عادتْ أسرابُ الحمائم إلى أبراجها, تخرفشُ داخل الصفائح جذلى.
أمّا أنا فقد فرّتْ من عينيّ دمعتان , أجهشْتُ بالبكاء.
ها هي أورشليم , جداولُ بشريّةٌ بيضاء, بيضاء.
شكرًا لله وللأنبياء.
هلّلويا, هلّلويا , الله أكبر, هلّلويا, الله أكبر, الله أكبر,
حقّا قام, حقّا قام, هلّلويا.
محمد بكريّة.




تعليقات الزوار