إغلاق
إغلاق
استراتيجية فيفي عبده ! - بقلم: عبد المجيد إبراهيم - القاهرة
الاثنين   تاريخ الخبر :2019-07-22    ساعة النشر :08:59:00

استراتيجية فيفي عبده !

القاهرة – عبد المجيد إبراهيم

في رمضان قبل الماضي ؛ كانت الراقصة فيفي عبده ضحية الحلقة الأولى في برنامج المقالب الأشهر الذي قدمه رامز جلال حينها تحت اسم " رامز ( تحت الأرض ) " . لم يكن اصطياد رامز لفيفي عبده سابقة . و الراقصة التي استشعرت موهبتها منذ الصغر اضطرت إلى الهروب من أسرتها ؛ حتى تفنّ و تمتع متابعيها ؛ فوالدها كان رجلا حياته منضبطة – مثلما تقول . و هي الآن زوجة لرجل أعمال ، فلعملها بالتأكيد علاقة ما بمجال المعلومات . و هذا يعني أنها لا تمارس حياتها بعفوية ، بل تخضعها لعالم الاستراتيجيا المعقد .

و تعليقا على سقوطها المدوي ضحية لرامز الذي تخفّى في هيئة تنين الكومودو المرعب ، قالت إنها فعلت كل شيء ، و اتخذت جميع الاحتياطات اللازمة ؛ لكيلا تقع في قبضته ؛ لكنه نجح في اصطيادها مرة أخرى !

فما الذي فعله رامز ؛ ليتمكن منها مجددا ؟ بسيطة ! اتفق مع الإعلامي اللبناني الأرمني نيشان على استدعائها لمقابلة تحت مسمى برنامج وهمي سمّاه " واحة نيشان " ؛ بعد نهايته ؛ تتوجه إلى مكان آخر في قلب الصحراء ؛ يفترض أن يجري فيه تصوير برومو الحلقة ، و في الطريق ؛ يهاجمها رامز التنين ؛ فيخلع قلبها ، و يعقد لسانها ، و يبعثرها أشلاء ! و هكذا سقطت استراتيجية فيفي عبده !

في الحالة الإسرائيلية ؛ الهروب من الدخول في " مقلب " السلام . و هو هروب تاريخي . ابتدأ باغتيال الوسطاء الدوليين ، و استمر مع الاكتفاء بتعيين خطوط للهدنة ، و تأكد بمراوغة وزير الخارجية الوفدي صلاح الدين . و البقية إلى يومنا هذا ؛ تعرفونها . لكن يوجد فارق جوهري . فقد كشفت فيفي بخبرة انتماءاتها عن استراتيجيتها العامة ؛ غير أنها لم تطرّق إلى التكتيكات التي اعتمدتها بإدراك منها لاعتبارات " أمنها القومي " ! في حين استنفدت حكومات إسرائيل المتعاقبة علنا جميع التكتيكات الممكنة للهروب ، و " رقصت " على جميع الحبال لعقود طويلة ، لتمتع المجتمع الدولي بتحركاتها المثيرة !
و يبدو أن الرئيس الأميركي مقدم البرامج السابق القادم من عوالم النساء - و الماجنات منهن خصوصا - فكر في قضية الشرق الأوسط من المدخل نفسه الذي اختاره رامز ؛ فكان نيشانه الصهر العزيز جارد كوشنير ، و تنينه الصديق الغريم فلاديمير بوتين ، و إن اضطر إلى نقل اللوكيشن من صحراء الربع الخالي إلى البادية السورية و أمواه الخليج الفارسي !

سيندهش الكثيرون ! كيف لكوشنير التقيّ النقيّ أن يلعب دور نيشان في قصة " فيفي و التنين " ؟ هذا الشاب الخجول معشوق المستوطنين الذي يجلس إلى المخضرم كيسينجر يتعلم و ينتصح - كيف له أن يفعل ذلك ؟ كوشنير ؟! صديق رئيس بلدية العاصمة الأبدية الذي يتربع اسم عائلته على واحدة من أهم مشافيها ، و الذي يغدق من أموال الأسرة الكريمة على المستوطنات ، و على سفرات نيتانياهو الخارجية و معاركه الانتخابية ، و هي التي أنفق لمراكمتها الوالد المحترم عدة سنوات من عمره وراء القضبان سجينا . هذا الفتى الوديع الذي حوّل زوجته معشوقة أبيها المطلوبة للزواج من الأردني فليح الجبور - إلى ديانته و مذهبه ، و الذي عانى جدوده آلام النجاة من المحرقة . هذا الأرثوذكسي " البيلاروسي " الورع !

يكفي و يفيض ما سبق وحده ليكون كوشنير هو النيشان أو الإشارة التي يبدأ معها إنجاز حلم إسرائيل الكبرى " من النيل إلى الفرات " . أبدا ! بل يكفي نصفه و ربما ربعه لتحقيق الحلم " من السند إلى التيمس " ، و معه الحلم الآخر كردستان الكبرى " من دجلة إلى آرماك " .

و ليس هذا إلا بعدا واحدا من أبعاد شخصية نيشان - ترامب رجل الأعمال الناجح الدارس لعلوم الإدارة و القانون و الاجتماع ، الماهر في تقنيات التواصل ، المرتبط بعلاقات وثيقة مع كثير من المسئولين المرموقين في إسرائيل ؛ فالزوج العاشق يصنّفه حموه الرئيس باعتباره سياسيا حاذقا ، و لذلك ؛ وضعه في موضع مستشاره اللصيق المعنيّ بالملف الفلسطيني الإسرائيلي في الأساس ، و بحزمة جوهرية من ملفات الدولة تتعلق بعلاقات واشنطن مع جوارها ، و بعلاقاتها التجارية مع الصين ، و بحربها الوهمية مع داعش ، و بإصلاح مؤسستها الحكومية .

مع ما تقدم فإننا لم نلمس بعد الأبعاد الجوهرية في شخصية أبو الشباب كوشنير صائد إسرائيل . فالشاب الوسيم يفكر بالطبع أولا في الشباب و أمّ الشباب و جدّ الشباب ، و معهم إن لم يكن يسبقهم التقدم في مساره السياسي و المالي بخطى متسارعة ؛ فالشباب يحتاجون إلى عمل هائل ؛ لتربيتهم على التعاليم الحرفية للدين ، و أمّ الشباب تستحق بالفعل أن يوليها جانبا كبيرا من تفكيره و جهده ؛ لإشباعها عبر جميع المسالك الممكنة ، و جدّ الشباب يتطلب تأمين ثقته به و رضاؤه عملا مستمرا مخلصا ؛ يراعي أولا و أخيرا مصالح الرئيس و الدولة التي يديرها الجدّ الرئيس ؛ بأساليب رجال الأعمال المعتادين منهم على التهرب من الضرائب و جباية الإتاوات .

فهل يستطيع أي سياسي أو محلل أو رابي إسرائيلي ، و على رأس الجميع نيتانياهو و بن آرتسي أن يخبرنا بجلاء عن حقيقة خطط نيشان المتدين ؛ و ليس الأرمني ، و عن طموحاته ، و حقيقة الدور الذي يلعبه إلى جوار صهره الرئيس ؟ المؤكد لا ! فالأمر يحتاج إلى رجال من عينة دانيآل النبي مكشوف عنهم الحجاب .

و لماذا التشكيك هكذا في نيّات الولد ؟! لأنها الطبيعة الإنسانية - يا صديقي ، و لأن هذا ما يتعلمه الساسة و مساعدوهم في كل زمان و مكان ، و لأن نيشان – ترامب يدرك مصالح إسرائيل بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي يدركها بها جلعاد إردان . كوشنير يفهم جيدا أن القساميين الذين يجيئون من تحت الأرض و صواريخ نصر الله التي تنطلق من تحت تحت الأرض لا تختلف عن تنين - ترامب الذي أوصل رئيس الحكومة بالإنابة إلى حالة لم يسبق أن اعترته مطلقا من الهوس السياسي ؛ يعيدها المشخصون إلى العامل الإيراني . و بحكم مصالحه و أولوياته فهو يركز اهتمامه على تنين - ترامب ، و يترك للساسة الإسرائيليين التنانين الأخرى التي عملت إسرائيل طويلا بسياستها الهروبية على منعها من الانقراض.

حسنا ! هذه هي عقدة المسألة . هذه هي التي ستنقلنا إلى مناقشة موضوعية جادة لاستراتيجية فيفي عبده و تكتيكاتها الغامضة و ملحمة سقوطها المدوي !

على طريقة تنين الكومودو ترصد بوتين و تسلل و قد ينقض و يعضّ في أية لحظة تالية تاركا سمومه تعمل في جسد فريسته لتموت ببطء . تعرفون أنه كرر على مسامع رئيس الحكومة الذي سعى إليه مرات و مرات و نغص عليه استرواحاته في سوتشي عبارته المدهشة المتحدية التي أصابت الأخير بالهوس " إيران حليف استراتيجي لنا و لن نخذلها " .

هنا يأتي الدور الحقيقي لنيشان - ترامب و هو سحب إسرائيل إلى الموقع الذي يكمن فيه تنين - ترامب الروسي . و عندها يكون على إسرائيل أن تسد جانبا من الدين الكبير الذي تدين به لواشنطن ، و أن تواجه استحقاقات البقاء و الأمن . و لمَ لا ! ألم يخبر إردان بنيامين بأن نظاما دوليا جديدا قد بزغ بالفعل ، و بأن الحليف الاستراتيجي الأميركي قد فقد الكثير من نفوذه في الإقليم الذي يعادي إسرائيل و لا يقبل بوجودها .

إن الوسيلة الأفضل و الأنجع للحفاظ على ما بقي لواشنطن في الإقليم هو استثمار ما قدمته لسبعة عقود من أجل إنشاء دولة إسرائيل و حمايتها ، و هي ما انفكت ترفض و تهرب تماما مثلما فعلت فيفي عبده ؛ حتى سلمها نيشان إلى صديقه " خالصة مخلصة " .

تحت ضغوط " منزلية " – نتعرض جميعا إليها – باتت لدى نيتانياهو مفسرة وحيدة لكل ما يدور من حوله من أحداث هي الحقد و الكراهية و الضغينة و الانتقام . " المولدوفي " الذي منعه من تشكيل الحكومة و حرمه لقب الأكثر بقاء في منصب رئيس الوزراء ينتقم منه ، متسلسلة الجنرالات الذين يعارضون استمراره : باراك يعلون أشكينازي جانز و ربما آيزنكوت و حتى أولمرت و غيرهم يحقدون عليه ، صديقه " الروسي " الذي جاء بحزب الله و إيران و الإس 400 إلى سورية ، و قد يكون نقلها إلى " الفرس " الذين يكرهونه تاريخيا ، يحمل تجاهه ضغينة كبرى ؛ ناهيكم بالطبع عن الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر و في الشتات ، و العرب المتحفزين الذين يملأ صدورهم الأكسجين الإيراني و الغلّ القومجي .

و الآن ؛ ألا توجد أية تاكتيكات فعالة للهروب من هذا النيشان ؟! فكروا معي ! لماذا تهاوت استراتيجية فيفي عبده ؟ لماذا ؟ رائع ! إجابة دقيقة . بالفعل ؛ لأن " الطمع يقل ما جمع " .




تعليقات الزوار