إغلاق
إغلاق
ثنائية الثنائي : مخطوطة ناقصة لرواية ساخرة - بقلم: عبد المجيد إبراهيم - القاهرة
الاحد   تاريخ الخبر :2019-08-25    ساعة النشر :15:12:00

ثنائية الثنائي : مخطوطة ناقصة لرواية ساخرة
القاهرة - عبد المجيد إبراهيم
[ أوحى لي بفكرة هذا المقال إعلان لصحيفة هآرتس عن تخصيص صفحة جديدة أسمتها " الساحة : صفحة آراء ثنائية اللغة " لنشر كتابات عربية مترجمة إلى العبرية و العكس ]

قبل أسابيع كنت أتجول بين بسطات لبيع الكتب القديمة ؛ قريبة من مقام السيدة زينب . الباعة الذين يعملون عندنا في هذه المهنة يعتمدون في جمعها على مصادر عديدة ؛ منها من يسمون بالسّرّيحة الذين يسرحون نهار اليوم يشترون الأشياء التي يستغني عنها أصحاب المنازل ؛ زاعقين عادة بصوت ممدود " روبابيكيا " – يختصرونها أحيانا إلى " بيكيا " – و هو تعبير إيطالي يعني الملابس أو الأشياء القديمة تصرّف فيه المصريون . أمام واحدة من تلك البسطات وقعت مساومة حادة بين صاحبها و سرّيح مشاكس ؛ ادعى أن بضاعته كنز ثمين ؛ كونها تعود إلى رجل معروف يعمل في مجال الأدب و السياسة . اتجهت عيناي بتلقائية إلى بضاعة الرجل ؛ فإذا فيها مندسة مخطوطة حديثة معنونة " ثنائية الثنائي " ؛ قرأت فيها ما يلي :
بداية مقترحة لرواية طويلة عاجلة
- بنيامين ؟ حطّ في بطنه بطيخة صيفي و نام !
اندهش بنيامين و هو يسمع سارة تحكي بالعربية ، و بتعبير غير مفهوم له ، و هي تكاد تفطس من الضحك ! استوضح منها المسألة مستنكرا لتمهله لحظات ؛ حتى تودع صديقتها العربية التي تعرفت إليها في واحد من مراكز الصحة النفسية المهتمة برعايتها ؛ بصفتها السيدة الأولى . ألح عليها و استعجلها ؛ فأغلقت هاتفها قائلة " مِشي حبيبتي ! سلام " . على الإطلاق هو لا يفهم معنى أن يحطّ في بطنه بطيخة صيفي و ينام !! و هو الذي كان يتلقى مضطرا دروسا مزعجة في العربية أينما حل ؛ حتى أيام الخدمة الإجبارية في الجيش . و ليس هذا فحسب ! إنها تودعها قائلة سلام و ليس شالوم !هكذا بالعربية !! انتفخت أوداجه ، و جحظت عيناه ؛ فألقى بنفسه على كرسيّه المفضل في التراس ؛ على اليمين قريبا من المدفئة ؛ لتتهادى أمامه معلقة بغير اكتراث " لقد استوقفني أنا أيضا ، و أخبرني " أفيحاي " بأنه كناية عن الاطمئنان للوضع " .
بداية أخرى مقترحة للرواية
- بنيامين حطّ في بطنه بطيخة صيفي و نام ؟!
- أأنت تنام يا بنيامين ؟
- أنام !! أنا " لا أنام " !!
يحادث بنيامين نفسه في سريرته مرة بضمير الغائب و أخرى بضمير المخاطب و ثالثة بضمير المتكلم !! و هو يرمي برأسه المتعبة فوق مخدته الحانية المكسوّة بلباس وردي – لونه المحبب . من الفور يعود بذاكرته إلى تجربة تعلم العربية في أكاديمية خاصة للعلاقات العامة في الولايات المتحدة ؛ ضمن دروس عنونت " تعبيرات عربية من البيئة المعاشة يصعب فهم مغزاها " . و قد أعطاه واحد من المحاضرين من أصول مصرية رواية لأديب مشهور يدعى " قُدّوس " على ما يذكر : ليرقّي قدرته على فهم المجازات العربية ، و كانت تحمل هذا الاسم : " لا أنام " .
بداية ثالثة مقترحة لأن البداية السابقة قد يعترض عليها المراقب
- بنيامين حطّ في بطنه بطيخة صيفي و نام !
- لا ... لم ينَم ... لقد أغمض عينا و ترك الأخرى مفتوحة على كل الاحتمالات !
يتندر الرفاق في دوائر الحزب العميقة : لقد بات أشبه بذئاب البوادي ! و يتساءل المتعاطفون معه كيف ينام و أعداء الدولة يتربصون بها من كل اتجاه ؛ في الداخل و الخارج ؟!
كانت شمس السبت الدافئة تلقى أشعة الوداع على نوافذ الكنيسيت ؛ حيث يجلس بنيامين في مكتبه الذي وصله خلسة ؛ خوفا من انتقادات الحريديم من حلفائه المخلصين ؛ ليتابع بعض المسائل المعلقة ؛ و ليستغرق في فهم بعض من تأملات توماس هوبز عن الدولة / الوَحْش . لكَمْ أحب هذا العملاق الذي شكل الجانب الأساس في تكوينه الفكري و السياسي !! حتى تمكن من جعل جميع أطفال الشعب يتمثلون وحشا كاسرا حال ذكر أمامهم هذا اللفظ : الدولة ، و برع في تطويعه لكل الاحتياجات بدءا بتصفية قضية الشعب الآخر ؛ مرورا بإبطال تأثير الصوت العربي في المنافسات الانتخابية ؛ ليثبّت بعدها هذا الواقع في كل المناحي عبر قانون يهودية الدولة .
بينما كان يطالع صفحات من تراث الرجل ؛ يتبلغ حرفيا و فوريا بمجادلات الرفاق ؛ فيأنف مما يجري داخل حزبه المتماسك ! و يقرر الحصول على تعهد منهم بعدم استبداله بعد الانتخابات كمرشح لرئاسة الحكومة .
في طريق الخروج من مبنى الكنيسيت لتلبية دعوة على عشاء السبت من صديقه فريدمان ؛ يمر بمكتب لنائب عربي ؛ فتتسلل إلى مسامعه تجليات غنائية لفايزة أحمد تشدو " أحبه كثيرا " ! يتغمده شعور بالاشمئزاز ؛ يترجمه انزعاج حارسه الشخصي الذي يدعو النائب إلى تبطيل الصوت ؛ حتى يعبر بنيامين الممر ، و قد كان منفعلا بما يكفي و يفيض ؛ لإشعاره بأن العشاء سيكون من الأطعمة العربية التي لا يستسيغها ؛ بل قلْ لا تنزل له من زور !
يتساءل بنيامين في نفسه و هو يأخذ باب السيارة بيده بمنتهى العنف ؛ مطيحا معه بالإجراءات الأمنية المتبعة : لماذا يذكّره كل ما حوله و كل من حوله بأنه يعيش في محيط عربي مستهجن من جانبه ؟ ما الذي يتعين عليه أن يفعل أكثر مما فعل ليجفف هذا المحيط الذي يكرهه لا يحبه لا يطيقه يمقته ؟
كانت شخصية بنيامين تجسد – على نحو مذهل – فكرة أو مفهوم الازدواج / الثنائية ؛ بكل أبعادها و مضامينها ؛ حتى إنه كان قد اشتُهر بين أقرانه في التعليم الأولي ب " الثنائي "
تتوقف المخطوطة عند هذه الكلمة : " الثنائي " و يبدأ واضعها في كتابة أفكار متسارعة غير منقحة خشية نسيانها على الأرجح على الطريقة المعتادة لبعض الكتّاب
بنيامين يكون البطل الأوحد للرواية و الشخوص الآخرون هامشيون بمن فيهم سارة
سأحاول إقناع الناشر بأن يكون الغلاف مجرد رسم لوحش هائل يقبع بنيامين في داخله و قد أخرج لسانه للرائي ، و بحيث يكون من اللونين الأزرق و الأبيض فقط ؛ ربما ينجح في الحصول على تمويل مناسب من تكتل كاحول – لافان المنافس
زمن السرد في الفصل أو المشهد الختامي هو توقيت إجراء الانتخابات الجديدة في إسرائيل الذي لا أتذكره الآن بالضبط ؛ لكنه قريب ، و لذلك ؛ يتعين الانتهاء من الرواية و طباعتها سريعا
التيمة الأساسية التي سألعب عليها هي شخصيته الثنائية ، و من خلال ذلك يمكن ابتداع مواقف خفيفة الظل و ساخرة ليتقبل القارئ العربي رواية عن بنيامين الذي يكرهه ؛ فالكراهية تكون متبادلة دائما مثلما يعلمنا موليش . سأقترح عليه أيضا ترجمتها سريعا إلى اللغة الفارسية قبل أن تنطلق الحرب " المباركة " المرتقبة على إيران [ هنا يضع الكاتب برسم يده وجوها ضاحكة متنوعة الأشكال على غرار ما نستخدمها في الواتسب ]
سوف تتابع الرواية بالطبع سيرة بنيامين منذ طفولته المبكرة بما في ذلك علاقته بأبيه – معلمه المتدين ، و عدم قدرته على كتم كراهيته للآخرين ، و ضمن ذلك أستحضر بالطبع واقعة هجومه المشين على شارون في مراسم تأبينه ( ثنائية يميني قومي / ديني )
سأعطي السرد طابعا إنسانيا عامّا مع الإحاطة بمختلف أبعاد المفهوم في شخصية بنيامين لعل الرواية تنافس على جائزة البوكر العربية
يتبع الكاتب هذه القائمة بقائمة مشتروات و مهامّ يظهر أن زوجته أملتها عليه - و هو جالس إلى مكتبه يكتب في البيت – و يرجح ذلك التعديلات الكثيرة و الجوهرية التي جرت عليها و بثرات من الرذاذ العالقة بالأوراق في هذا الموضع بالذات بعد فارق كبير في ترقيم الصفحات تعود المخطوطة إلى الكتابة الروائية المسترسلة في ما يبدو أنه ترجمة للحظات من الإبداع المتوهج و هي تشتمل - للأسف - على ثلاث فقرات من النهاية التي تصورها الكاتب لروايته عند منتصف ليلة السابع عشر من سبتمبر تقريبا ؛ بدأت تتجمع تباعا نتائج انتخابات الكنيسيت الثانية و العشرين ، و معها بدأت الصدمات تتجمع فوق الرءوس ، و دخلت الميديا في سباق مهووس لشرح ما يجري . التفسيرات بدورها تتجمع حول تغيير غير مسبوق في اتجاهات الناخبين ، و معها يتشفى في بنيامين – و رفاقه المخلصين الذين حمّلوه مسئولية الفشل في تعليقات فورية غاضبة – أصحاب الميول اليسارية الذين لوثت حكومات الدولة / الوحش سمعتهم على مدار سنوات احتل بنيامين فيها قمتها . لقد تمكن منه تكتل الجنرالات الذي يريد الذهاب بالدولة إلى حرب على كل الجبهات وصولا إلى هرمز ! طبقا للدعاية السوداء التي تروجها الميليشيا الإيدولوجية الليكودية ، حتى باراك الذي يدعمهم من الخارج ؛ استقطع منه أصواتا مؤثرة . و لم تشفع له صورته الضخمة المعلقة فوق البناية مع الصديق بوتين ؛ فاتجهت غالبية أصوات الروس إلى غريمه أفيجدور المتحالف ضمنا مع الجنرالات ؛ برفضه لقانون إعفاء المتدينين من التجنيد ، و لا الصورة التي تم استدعاؤها من الأرشيف لعمير و هو يضع النظارة المعظمة فوق عينيه بوضعية مخالفة ؛ لتتبدد حصة كبيرة من أصوات المغاربة لصالح العمل المترنح ، و لا حتى صورته هو الحميمة مع عواقل الدروز و الزعامات المحلية في الوسط العربي الذي حرمه بتصويت مُجرّب و مكثف الأفضلية لتشكيل حكومة جديدة ، و أعطاها للجنرالات المخضرمين في هيئة عمليات كاحول – لافان الذين يملكون وعيا كافيا بأهمية الحفاظ على وحدة الدولة و ديمقراطيتها .

مخيلته لا تعبأ بالحقائق المفردة ، و هو المغرم بالتأملات الثنائية التي تحفزها ذاكرة قوية يصارع بها الجميع ؛ بمن فيهم المحققون ! تمر الآن على شريطها المثقل ثنائية رابين – بيريز ؛ فكلاهما استخدم البطيخ في معاركه الانتخابية بدون أن يعرف أنه يطوّس في الخريف . يتعجب بنيامين ! لتداهمه ثنائية سلمان – روحاني يتعانقان في مكة على خلفية الأذان الذي منعه قانونه العلماني ! يهمس " مجرد تصورات ! لا تزال الفرصة سانحة لنأكل من لحم إيران المشويّ فوق عيدان المستكة الجبلية ... لقد وعدني " ؛ لتفجعه ثنائية ترامب – كوشنير ؛ فيسائل نفسه بمرارة " لقد منحاك و منعاك كل شيء في آن ؛ حتى قدرتك على الردع ... ألم تضرب في كل اتجاه لتستحوذ على الأصوات ؟ و النتيجة ؟ بددها هؤلاء ... قفزوا من فوقها على فرس أبجر فاق سواده سواد فحم سيبيريا " . تسلمه تأملاته إلى ثنائية بوتين – بشار التي تكايده ؛ فيزدريها حانقا !

عاد بنيامين إلى منزله فجرا ؛ بعد يوم شاق من أيام أيلول التي حافظ كسابقيه على تسويدها في وجه العرب ؛ يوم عصيب انتهى به إلى مأساة لم يكن يتوقعها ؛ فخرج عن جميع أطواره المعتادة ذوات الطابع الثنائي ؛ بما في ذلك حديثه الدائم بلغة ثنائية تجمع غالبا بين العبرية و الإنجليزية ، و نادرا – و عند الضرورة القصوى – بين العبرية و العربية . ألقى بجسده فوق مقعده الأثير ... تفجرت لديه رغبة مجنونة في تشغيل المدفأة إذ شعر ببرد شديد غير مسبوق في هذا التوقيت من السنة ؛ تسري معه في بدنه المتعب قشعريرة مدمرة ؛ كأنه يعتلي سطح غواصة في قلب الليل متشبها بصديقه الروسي ! وجد نفسه يتكلم بالإنجليزية دون غيرها !! و بها استدعى خادمه الذي لم يقرر بعد أن يصبح شاهدا ملكيا ! ليشعل الوقود . حال الخادم أنه متألم لحال سيده ! لذلك ؛ استجاب لطلبه الشاذ بسرعة لافتة ، و زاد عليه بإعداد كأس من النبيذ الفرنسي المعتق ، تناولها بنيامين من يده بعفوية ، و بها أيضا أشعل سيكارا كوبيا فاخرا . انتبه إلى المصير الذي يحتمل أن يواجهه قريبا !! فتذكر سارة العزيزة !! نادى عليها محتدا بالإنجليزية ؛ لتطل عليه من ردهة المنزل فوق أذنها هاتفها ؛ تتحدث بصوت بهيج مع صديقة عربية أخرى تعرفت إليها في أتيليه لعروض الأزياء العربية حضرته في الصباح ؛ بعد أن أخذت اللقطة مع بنيامين في اللجنة الانتخابية . أشارت إليه بأصابع كفّها اليمنى ؛ بما يعني اِهدأ و تريث ، و أضافت بالعربية للتأكيد " دَكيكة شويّ " ؛ فتجرع قدرا من النبيذ ، و ابتلع عليه ريقه ، و فرك كفّ يده اليسرى على عادته عندما يتوتر ، و استغرق في تأملاته التي قطعتها سارة قاطعة الممشى أمامه و هي تقول لمحدثتها بالعربية : " مِشي حبيبتي ! سلام " ؛ مواصلة السير باتجاه الحديقة الملحقة بالمنزل ؛ مخاطبة بنيامين بعربيتها التي تحسنت كثيرا : " بيبي ... دير بالك ع حالك بكير يا زلمي ... أنا ما بحضر مراسم و لا إشي ... فيش وكت لهالحكي !! بدي شارك بندوة في الطيبة عن الصحة النفسية لنزلاء السجون في البلاد " ؛ لتختم " ليخ لِيشون آهوفي " ( روح نام يا حبيبي ) " !!

– تمت –
ملاحظة أخيرة يتعين أن أعود إليها
مع هذه النهاية غير المنقحة قد تكون المقدمة الأولى المقترحة هي الأنسب لاستهلال الرواية




تعليقات الزوار