إغلاق
إغلاق
عائد إلى يافا - بقلم ابن يافا ( هشام الدباغ)
الخميس   تاريخ الخبر :2019-11-21    ساعة النشر :20:21:00



أقيم حاليا في عمان بعيدا عن مدينتي يافا مسقط رأسي والتي عشت فيها عشر سنوات هي أجمل أيام عمري كله منذ أن كنت طفلا، ظلت يافا تعشعش في صماصيم قلبي عقلي وروحي وقد شاء المحتلون أن أبتعد عن الوطن أكثر فأكثر، ظنّوا أنّي سأنسى حاجتي إلى العودة وسأيأس إذا طال الفراق. غير أنّي، أنا المفتون بيافا، ظللت مفتونا بها طوال عمري.
مدينة يافا بشوارعها وأحيائها ما تزال تسكن روحي وكل ذرة من كياني، ولم أيأس، ولم أكفّ لحظة عن تنمية الأمل بالعودة. أسكنتُ يافا في روحي، فَرَدتُ لها مساحة الرّوح وجمّلتها. وهل يمكن ليافا إلا أن تكون دائمة النموّ وجميلة. ونقلت يافا معي أينما رحلت أو حللت .. لم أعش في الهجرة دون رفيق، فقد ظلت يافا روحي وهي رفيقتي الدّائمة.

لن أروي لكم حكايتي في المهاجر فقد رويت جلها في ما كتبت من مقالات وأبحاث وبرامج إذاعية وتلفزيونية.

تُقدّمت لّلقنصلية الإسرائيلية في عمان بكل الأوراق التي يطلبها القنصل ومنحني أسبوعين فقط لأزور وطني وقيل لي إذا تأخرت يوما واحدا عن الأسبوعين فلن تعطى لي فيزا جديدة مهما كانت الأسباب. وعند جسر الملك الحسين وفي الجانب الإسرائيلي تفحصت فتاة الأمن الإسرائيلية أوراقي صفحة صفحة، وتأملت طويلا في الصورة الموجودة على جواز سفري وقارنت بين الصورة وبين وجهي الماثل أمامها فاسترابت فالصورة التي على جواز السفر بدت اصغر من عمري الحقيقي ومن حسن الحظ أنني أبرزت لها عدة وثائق رسمية أكدت لها أنني نفس الشخص .

مسافات قليلة أبلغتني مدخلاً تتصدره لوحةٌ مكتوب عليها: السلطة الفلسطينية، وقد رُسم العلم الفلسطيني بجانب الكتابة. وتصورت أني خرجت من دائرة القلق والمعاناة وانتقلت إلى ربعي. لكن، ما أسرع ما انطفأ تصوّري وتبدد تفاؤلي إذ كان لا بد أن أمر بعدة حواجز إسرائيلية وانا في طريقي إلى القدس من أريحا.

كنت أمنّي النفس بمتعتين، متعة الملامسة الرائعة مع أرض الوطن الذي أعود إليه بعد نأي طالت مدّته ومتعة اجتياز الحواجز الإسرائيلية دون معاناة رغم مشاعر الحزن والقلق المنداحة على خلايا جسدي المتعب من سطوة الطمع والاحتلال للقدس . انتصر فيها الطمع المتمثل بالحاجة إلى حماية نتائج الاحتلال الوافدة التي فتكت بالأصالة والتاريخ وهكذا تغلب الوافد على الأصيل وتغلبت القباحة على الجمال، هذا هو ما آل إليه حال القدس الشرقية. التي مكثت فيها يومين قضيت معظمها جوالا بين ربوع الأقصى وحلويات ظلاطيمو المقدسية ذات العراقة الممتدة إلى عام 1880.

أوصلني صديق عزيز من أهالي القدس إلى مدينة يافا واستقبلني في حي العجمي الصديق عبد القادر السطل الذي اصطحبني بدوره إلى مكان إقامتي في يافا لدى الصديق العزيز جابي عابد وانشرح صدري وانا في داخل الغرفة التي خصصت لي في دار جابي عابد وأحسست أنني في فندق خمس نجوم وبعد استراحة قصيرة صحبني عبد القادر بسيارته إلى شوارع يافا وأشار إلى مبنى لا يعرف هو أنه محفور في ذاكرتي، وهتفت قائلا : "كانت هذه هي مدرسة العامرية التي درست فيها ثلاث سنوات .

كان أوجع ما وقع نظري عليه هو مدرستي- مدرسة العامرية -التي أمضيت فيها سنوات دراستي الثلاث الأولى المصحوبة برحلة الاستهداء بأنوار الحروف العربية والقراءة الرشيدة التي ما تزال ماثلة أمامي وقد حببني إلى اللغة العربية الأستاذ محمد هيكل شقيق الدكتور يوسف هيكل آخر رئيس بلدية ليافا قبل النكبة.

فبناء المدرسة العامرية الذي عرفت حجارته حجرا حجرا مازال موجودا وكذلك الباحة الواسعة، والمدخل المفضي إليها، والذكريات الجميلة التي تعملقت في راسي وانا العب مع أقراني في تلك الباحة .

مدرستي هي هي لم تتبدّل وإن شُوّهت الباحة بمنى جديد غاص في داخلها كالخازوق المخيف .

ويقابل مدرسة العامرية مستشفى فؤاد الدجاني الذي عرفته معرفة أكيدة فقد كنت أتردد عليه عندما عولج فيه عمي حلمي الدباغ قبل النكبة ببضع أشهر .

ثم تهادت بنا سيارة عبد القادر السطل في شارع النزهة إلى أن وصلنا إلى مبنى سينما الحمراء حيث طلبت من عبد القادر أن نزور السينما وهذه السينما اعرفها جيدا فقد ألقيت فيها عدة قصائد وطنية من نظم والدي عزمي الدباغ الذي كان سكرتيرا لجمعية الشبان المسلمين بيافا وقد دأب على إحضار فرق مسرحية من مصر لتقدم مسرحياتها على مسرح سينما الحمراء وكنت القي قصائد الوالد وانا في العاشرة من عمري أثناء إعداد الفصل التالي من المسرحية لإلهاب حماس الجمهور في القضايا الوطنية .

حاول عبد القادر أن يدخلني إلى قاعة السينما ولكن بدون جدوى فلقد منعنا القائمون على المبنى من الولوج إلى الداخل وخلف ذلك غصة في قلبي وروحي فأكمنا السير باتجاه سينما نبيل التي أصبحت تسمى سينما نوجا وكانت ملكا لثري فلسطيني اسمه علي المستقيم وقد حضرت في سينما نبيل وانا في العاشرة من عمري فيلما لصباح وأنور وجدي اسمه أول نظرة وقال عبد القادر إن السينما تعرض هذه الأيام مسرحيات إسرائيلية .

وبينما كنا في طريقنا إلى سينما نبيل عرجنا على ملعب البصة الذي أصبح الآن إستاد رياضي كبير وقد شهد ملعب البصة قبل النكبة مباريات رياضية بين الفرق الفلسطينية واليافية وكانت لملعب البصة في يافا طنة ورنة

ثم انتقلنا أنا وعبد القادر إلى محطة القطار التي كانت مفخرة من مفاخر يافا ولهذه المحطة عندي ذكريات وذكريات فقد انطلت منها فرقة الكشافة التابعة لجمعية الشبان المسلمين انطلقت برئاسة والدي إلى القاهرة وقد صحبني والدي معه إلى القاهرة حيث أمضت الفرقة عدة ايام في مقر جمعية المسلمين بالقاهرة بالقرب من ميدان التحرير وقد زارت الفرقة الكشفية سماحة المفتي الحاج أمين الحسيني في دارته بمصر الجديدة
وألقيت بين يديه قصيدة من نظم والدي .

ورست جولتنا أنا وعبد القادر عند مسجد حسن بك حيث صلينا فريضة المغرب ..
حقا كانت جولة ممتعة بصحبة عبد القادر.. وفي اليوم التالي صحبني (نخلة شقر) بسيارته الى الجولان المحتل وهناك لاقيت من ضروب الترحيب وكرم الضيافة نا لا استطيع ان اعبر عن مكنوناته فقد حظينا بغداء من اللحوم المشوية وكانت الفاكهة تلالا من تفاح الجولان احمر الخدين ذي المذاق الرائع .

ودعاني أديب خوري وشقيقته مها وزوج مها إلى وجبة سمك مازال طعمها في فمي حتى هذه اللحظة فسمك يافا لا يعادله أطيب سمك في العالم .

والخلاصة فانا لاأريد أن أطيل عليكم لولا انه ما تزال في جعبتي بقية من شكر موصول لعمر السكسك الذي من علي بجولة في مرابع يافا القديمة بأزقتها وحواريها وحوانيتها وكنائسها ومساجدها فقد تعانقت الكنائس والمساجد في هارموني يعرفه اهل يافا حق المعرفة اذ لا يمكن ان تجدا بينهم تعصبا وفتنا كما حال بعض ضعاف النفوس في بعض الدول العربية.

كنت اشعر وانا أتجول مع عمر السكسك بأنفاس أهل يافا القديمة تعبق الأمكنة والزوايا نعم أنفاس أهلها الذين طردوا منها ظلما وعدوانا إلى حي العجمي أثناء مآسي النكبة عام 48 وسجلت أملاكهم في سجلات أملاك الغائبين رغم أنهم كانوا حاضرين وعلى بعد أمتار من بيوتهم وحوانيتهم
لك الله يا يافا يا مدينتي الجميلة نعم هذا هو اسمها الكنعاني القديم يافو أي الجميلة .

أتدرون يا أهلي في يافا أن لي جسدا سابحا في فضاء لا أرض له، وروحا هائمة في الضياع والدروب المتشعبة في بلدان متنوعة فقد طفت العالم من أقصاه إلى أقصاه إذ حملتني القطارات والموانئ والمطارات إلى بلاد الدنيا لكنني كنت ومازلت اشعر أن هذه المآوي جميعها تبدو بالنسبة لي أنها مؤقتة. لن أتوقف عن التنقل إلى أن يضمني تراب يافا.




تعليقات الزوار