إغلاق
إغلاق
مساحة اعلانية
"صفقة القهقرة" ما بين الدراما الاعلامية والتراجيديا السياسة فلسطين - بقلم: أ. د. مكرم خُوريْ – مَخُّول
الثلاثاء   تاريخ الخبر :2020-01-28    ساعة النشر :22:08:00



سيبدو 'اللغط السياسي' حول ما يسمى بـ "صفقة القرن" أوضح إذا ما فككنا مكونات سرعة الاحداث وسيل المعلومات وإذا ما ركزنا في هذه المداخلة على الجانب الإعلامي – السياسي فقط، حيث سيتضح ان مشهد اعلان وإطلاق مخطط 'صفقة القرن' في البيت الأبيض مساء يوم ٢٨ كانون الأول ٢٠٢٠ في 'حفل' اسرامريكي يتيم امام مجموعة من المساعدين حيث وقف ترامب ونتانياهو معلنين عن مخطط 'صفقة القرن' (ونشر المستند رسميا لاحقا) ما هو الا جزء من الحملة الإعلامية الكبرى او ما يسمى بـ'حملة المظلة' لنتانياهو في المعركة الانتخابية المحددة ليوم ٢ آذار ٢٠٢٠ والتي جند لها داعية صهيوني امريكي يدير البيت الأبيض حاليا اذ انه لم يبخل بمديحه كما انها تخدم شريكه ترامب بالتوازي في دفاعه عن العزل وفي حملته الإعلامية في انتخابات الرئاسة المحددة في ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٠ اذ ان نتانياهو لم تبق كلمة اطراء ومديح الا وقلده بها.

إذا ما ازلنا العواطف من التحليل جانبا وذكرنا حقيقة ان نتانياهو اجتاز من حيث عدد الايام شغله في منصب رئيس حكومة إسرائيل مقارنة بالتي شغلها 'القائد المؤسس' رئيس الحكومة دافيد بن غوريون فستتضح امامنا ظاهرة سياسية إعلامية مميزة حتى وإن صح وصفها بالمخادعة والمضللة والفاسدة والكاذبة واليمينية العنصرية والمتطرفة. فقد تخلل مشهد إطلاق مخطط 'صفقة القرن' رئيس امريكي مختص في عقد الصفقات التجارية حيث 'سطع نجمه' بشكل خاص بعد نشره لكتابه: "فن عقد الصفقات"، وبنيامين نتانياهو والذي نشأ في أمريكا وحصل على الماجستير في إدارة الاعمال تخصص 'تسويق' عام ١٩٧٥ من كلية إدارة الاعمال من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا – إم أي تي. حيث نُشر عنه كتاب للمؤلف باروخ ليشيم بعنوان: 'نتانياهو – مدرسة للتسويق السياسي'.

إضافة الى علاقة شخصية ربطت نتانياهو بوالد ترامب في منتصف الثمانينات من القرن الماضي في امريكا، ووجود أوجه شبه في 'المهارات' والتخصص بين هذين الـ 'رئيسين'، فتحلق ضد الاثنين تهم بالفساد وخيانة الأمانة وصلت ذروتها في أيام الإعلان عن مخطط 'صفقة القرن'. إلا ان خطة الاعلام السياسي لنتانياهو (للتمويه والتقليل من أهمية التهم) والتي ارادت نسج صورة "عملاقة مؤثرة" يقف فيها ترامب ما بينه وبين منافسه بنيامين غانتس (غانز) يوم الاثنين (٢٤ ساعة قبل الإعلان عن صفقة القرن) منيت بالهزيمة اذ فهمت إدارة حملة غانتس الفخ الإعلامي الذي يخطط نتانياهو لنصبه لغانتس والذي كان سيرسل رسائل إعلامية سياسية بنجاح نتانياهو بجرّ غانتس واظهاره كثانوي مهمش يقف مع رئيسين قياديين وبالتحديد نتانياهو كـ 'رئيس الحكومة' الذي نسج وأنتج مخطط 'صفقة القرن' بينما لم يكن ليظهر غانتس الا بالخاتم المطاطي المطيع. الا ان امتناع غانتس عن الظهور مع نتانياهو وترامب في الحدثين (يوم الاثنين والثلاثاء) هدم 'دومينو' رؤية الحملة الإعلامية لنتانياهو. اما وقد قلب غانتس المعادلة وأصر على ظهوره كند متساو مع ترامب فقط (موافقة ترامب لهذه المعادلة فيها دهاء الاخذ بعين الاعتبار إمكانية فوز غانتس) وبعدها واقفا في البيت الأبيض لوحده قبل المغادرة ملقيا بتصريح مهني (وذكي من جهته يخدم أهدافه) اذ تضمن تصريحه:

١) العمل وفقا للبروتوكول وشكر ترامب وإبداء الاحترام لأمريكا ٢) عدم معارضة مخطط 'صفقة القرن' وهو عند مضيفه ترامب وانما القول انه سيطبقها بعد الانتخابات وبالتشاور مع دول الجوار (وهذا شرط كبير) وبهذا فيكون قد جذب نحوه نسبة وإن كانت ضئيلة من ناخبي اليمين لصالحه وهو بحاجة لها وبالتالي لم يلتزم بالمخطط مسبقا لأنه أصلا لم يكن شريكا بتأليفها ولا يتناسب مع مكونات قائمة 'كاحول لافان' (ازرق – ابيض). هزيمة نتانياهو في تطبيق هذه الجزئية من حملته الإعلامية الانتخابية والتجاذبات الحزبية في الكنيست الإسرائيلي التي كانت ستصوت ضد منح الحصانة في مواجهة التهم الجنائية الحقت به بهزيمة إضافية إذ اضطر (صبيحة الثلاثاء، أي قبل ساعات من الإعلان عن 'صفقة القرن' على سحب طلب منح الحصانة لتفادي هزيمة سياسية وإعلامية كبرى مما سيؤدي الى توجيه لائحة الاتهام خلال أيام مما قد يوجه ضربة لنتانياهو في أسابيع ما قبل الانتخابات وإن لم تبدأ المحاكمة في المحكمة المركزية في القدس المحتلة الا بعد الانتخابات. في حسابات نتانياهو فإن الغاء تغطية إخبارية لصعقة إعلامية لخسارته في الكنيست واستبدالها بمشاهد من البيت الأبيض ستفرض زخما المنتصر في مشهديه اعلان المخطط في البيت الأبيض.

في خطابه في حفل الإعلان عن 'صفقة القرن' حاول نتانياهو الخروج من الشخصي والوصول الى 'الأنا القومي اليهودي' اذ ذكر تطبيق قرار 'يهودية دولة' إسرائيل في فلسطين ولو لكسب بعض الأصوات اليهودية: له في إسرائيل ولترامب في أمريكا في المدى القصير.

إلا ان تحليل استعمال نتانياهو جملة نشرها على صفحة الفيسبوك بينما كان غانتس في طريق عودته في الطائرة واصفا نشر مخطط 'صفقة القرن' على انه 'ساعة مصيرية لشعب إسرائيل' لا يمكن ان تفهم في نظريات علم النفس السياسي الا اذا بدلنا كلمتي 'لشعب إسرائيل' بكلمتي ' بنيامين نتانياهو' لتصبح الكلمة التي تربط ما بين عقل نتانياهو ومفردات لغته كالتالي: ''ساعة مصيرية لبنيامين نتانياهو'! لن يتوقف نتانياهو عند طلب المساعدة لإنقاذه من صديقه ترامب...فقد توجه الى صديقه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو ليحاول تطريز مشهد آخر وهو صورة البطل الشجاع الذي ('يضحي بحياته لإنقاذ اليهود وشعب إسرائيل') انقذ المعتقلة نعاما يسسخار من 'براثن ال كي جي بي' وجلب 'الاميرة' الى تل – ابيب لكي يحافظ على نسبة تصويت الشريحة الروسية له في الانتخابات. لكن ورغم ذلك فإن قطار المحاكمة قد انطلق عند اطلاق 'صفقة القرن' ومعه دخان تلويث صورته وسمعته. وبالتالي فاغلب الظن ان مشهديه 'صفقة القرن' أتت متأخرة (هذا اذا ما بقيت الأمور على حالها ولم يقم نتانياهو والذي رمز الى مساهمته في خدمة ترامب باغتيال قاسم سليماني وملاحقته لإيران وقد ذكر ذلك في خطاب 'صفقة القرن'، بعملية اغتيال أخرى) لن يفيد نشر 'صفقة القرن' كجزء من حملته الانتخابية ولا صورة 'الاسيرة اليهودية الإسرائيلية المحررة' وان الهزيمة ستكون من نصيبه تتلوها محاكمة ولربما السجن. ستستمر الجامعات في تدريس مثال خليفة هيتلر، المستشار الألماني السابق ووزير إعلامه قبل ذلك، د. جوزيف غوبيلز، اكبر شخصية سياسية إعلامية مؤثرة في التاريخ المعاصر، والتي تشير وإن طال الزمان الى محدودية الخداع السياسي والسيطرة على العقول لمدة طويلة وان التفاعلات السياسية الاوسع في معادلة صراع القوة السياسي قد تقفل أبواب المناورة لأكبر المخادعين وإن كان نتانياهو واحدا منهم.

* أكاديمي فلسطيني متخصص في الاعلام السياسي – كيمبريدج، إنجلترا




تعليقات الزوار

0   0 
1   - التعليق بواسطة : سعيد سطل ابو سليمان   بتاريخ : 2020-01-29 07:16:00
البلد : يافا
الى الاخ والاستاذ الكبير د.مكرم ان الذي يميّز تعليقاتك الساسية اعتماد الموضوعية وخلوها من العواطف والشعارات الرنانه احييك اجمل تحيه من بلدك يافا فانت فخر ليافا ولكل احرار الوطن العربي حفظك الله وزادك فهما وعلما