إغلاق
إغلاق
“صفقة القرن”: الفلسطينيون “نُـجـاةُ الــنـكـبـة”! - بقلم: أ. د. مكرم خُوريْ – مَخُّول
السبت   تاريخ الخبر :2020-02-22    ساعة النشر :12:16:00

عندما قتلت آلة القمع الإسرائيلية ثلاثة عشر مواطنا فلسطينيا مسالما في مدن ‘غرب فلسطين’ (وهي تسميتي للجزء الذي تم احتلاله في نكبة 1948، إذ تسمى أحيانا هذه الفئة بـ ‘فلسطيني الداخل’) وهم يحتجون في مظاهرات جماهيرية متتالية في مطلع تشرين الأول ضد فاشية المجرم شارون الذي أدى اقتحامه للحرم القدسي الشريف الى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في ايلول 2000، كنت في مكتبة جامعة لندن حيث ارتطمت اعمال القتل على ـشاشة الحاسوب ومن ثم اخذتني مرتدا الى التمعن المرتد الى رفوف الكتب التي كانت امامي إذ خَرَجتُ في ومن خلال هذه الحالة لوصف هؤلاء الفلسطينيين بـ “نُـجـاةُ الـنـكـبـةِ” كتسمية للذين نجوا من تراجيديا الترحيل وشقاء اللجوء ومعاناة التشرد التي صعقت بها النكبة بشكل مباشر حوالي 800 الف فلسطيني لينجوا 200 الف منهم (أهالي المتظاهرين القتلى مثلا عام 2000) وليبقوا في مدنهم وقراهم المختلفة وليتم اخضاعهم بقرارات وممارسات القمع (المتجددة لغاية الان) وفقا ‘لأنظمة الطوارئ’ الموروثة عن الاحتلال-الانتداب البريطاني ولتضيف الإدارة الصهيونية التي تحكم فلسطين جهاز قمع إضافي على ‘مواطنيها’ وهو الحكم ‘العسكري’ الذي انتهى ‘شكليا’

في 1 كانون الأول 1966– أي ستة أشهر (وفي مرحلة الاعداد) لاحتلال الجزء الثاني من فلسطين ونقل الحكم العسكري المباشر من منطقة الـ 48 الى منطقة الـ67. فهل من علاقة لهذه الصيرورة بـ “صفقة القرن”؟

في حقبة ‘الحكم العسكري’ المباشر، وبعد تهجير السكان الأصليين تم هدم مئات المواقع (المدن والبلدات والقرى) الفلسطينية وتهجير سكان عدد من القرى الفلسطينية داخليا (انظر قريتي اقرت وبرعم على سبيل المثال وصراعهما حتى الان)؛ كما ردف وزاوج ذلك، عملية تدمير ممنهج لاحياء عريقة في المدن العربية (مثل حي المنشية في يــافــا على سبيل المثال لا الحصر). يضاف الى جرائم التطهير العرقي والحضاري والمعرفي (ملاحقة سياسية وثقافية وقوائم سوداء واعتقالات وقطع ارزاق لخلق تبعية ومحاولة تجنيد العملاء) تنفيذ أيادي الاجرام الآثمة مجزرة (قرية) كفر قاسم (جنوب المثلث – شرق فلسطين الاصلية) في حق الكادحين من عمال القرية العائدين من حياة العمل والصمود يوم ٢٩ تشرين الأول 1956.

إن مصطلح “نُـجـاةُ الـنـكـبـةِ” الذي اشهرته في مؤتمر عالمي عقد في المانيا عام 2011ومن على منبر جامعة ‘فرايبورغ’ (تجدون الرابط على يوتيوب) حيث كان للمصطلح الوقع الكبير على المشاركين اذ جعل الكثير من الحاضرين (الالمان خصيصا) التأمل في هذا المصطلح وابعاده وخصوصيته الثقافية (خاصة بسبب وجود مصطلح: “نُـجـاةُ الـمحرقة” وهل لشعب ما الاحقية الوحيدة والاستثنائية في استعماله؟
الادعاء هو أنه ليس لإنسان واحد مهما كان ولا شعب أينما كان وفي أي وقت كان، وكالة حصرية على العذاب والمآسي والاحزان! وللشعب الفلسطيني (بجغرافياته المتعددة وتجاربه المختلفة) في مضمار العذاب المستمر نصيب كبير من مصائب البشرية في المئة عام المنصرمة وبالتحديد بسبب استمراره لهذه اللحظة. حتى وإن خصصنا التعمق بمجزرة ‘يوم الأرض’، لمقالة مستقبلية، والتي وقعت في 30 آذار 1976 ومرورا بالهدم الممنهج للبيوت الفلسطينية في ‘غرب فلسطين’ او داخل ما يسمى ‘بدولة إسرائيل’ (غير معروفة الحدود) رابطين ذلك بممارسات التمييز المالية والخدماتية والاجتماعية والسياسة وهذه الأخيرة مقرونة بحملات التحريض العنصري منذ النكبة وعلى مدار الساعة، فسنصل الى آخر حلقة من حلقات المخططات الاستهدافية ( انه التخطيط بعيد الأمد والتطبيق المستمر بالتقسيط) والتي شملتها وثيقة ‘من السلام والى الرخاء’ المعروفة بتسميتها الشعبية ‘صفقة القرن’ بحق “نُـجـاةُ الـنـكـبـةِ”. في طياته يحمل هذا المقترح رسم الحدود الشرقية بين ‘دولة إسرائيل’ وفتافيت الأرض المقترحة للبانتوستان الفلسطيني المبتور اواصره (إذ أرادوا تسميته زورا بالدولة) وهو ان ينقل سكان منطقة ‘المثلث’ الفلسطيني’ المحكوم إسرائيليا الان، الى’سيطرة’ ‘الحكم الفلسطيني’ العتيد. فما يراد به، وكما جاء في الوثيقة وبشكل مخادع (بما يتعلق بمقترح تحويل المثلث من حيث منطقة السيطرة والحكم)، هو تبريرهم “الإنساني واللطيف والحضاري”… ‘ان الفلسطينيين في المثلث يشعرون ان هويتهم فلسطينية وليست إسرائيلية’!! ‘يوريكا’….. فإذا كان دافعهم نابع عن ‘احترام’ الإرادة الحرة وصقل المنظومة القيمية والانتماء للهوية…فلماذا لا يطبقون هذا المبرر ‘الديمقراطي الحر’ على كل عرب فلسطين في شطريها الغربي والشرقي بشكل فوري لربما؟ وهل تخيلوا انه إذا ما طبقوا هذه القاعدة فقد تكون النتيجة الحتمية هي قيام دولة فلسطينية واحدة على كل تراب فلسطين الاصلية؟

الا ان هناك خيطا فكريا يمتد بين ما إرتُكِبَ في الماضي وما وبين ‘قرار القومية’ الطغياني (المدعو قانون) وهو أسلوب هيمنة الاختلاس والإقصائية الذي اقره ‘الكنيست’ في تموز 2018 حيث وضع ‘الخاتم’ الرسمي لنظام الفصل العنصري في تل ابيب وبين مخطط ‘ترا-نياهو’ ضد فلسطينيي المثلث والذي يراد منه وضعهم تحت الحكم الفلسطيني المهمش وذلك لإضعاف لا بل لاجتثاث التجربة ومحو سردية التراجيديا الفلسطينية لهذه الشريحة من الشعب الفلسطيني وسردية معاناتها في محاولة ‘لتنظيف’ تاريخ ممارساتهم القمعي ليس فقط ضد ‘المثلث’ بل ضد كل الفلسطينيين الذين صمدوا منذ ان أصبحوا منذ العام 1948″نُـجـاةُ الـنـكـبـةِ”.

الرد على هذه المقترحات المخطط لها مسبقا يُظهر تباعا ان كل قطاعات الشعب الفلسطيني (لا بل كل فرد) وفي كل مكان على وجه الكرة الأرضية مستهدفة من جهات تعمل بتنسيق بحثي مخابراتي عالمي (ليس بالضرورة من قبل حكومة المكان). وحتى وإن اوهمتهم أفكارهم بنجاح تلك المخططات الا انه لو كتب النجاح لهذه البرامج والخرائط (ضد الشعب الفلسطيني) لما انكسرت خناجر القمع على صدر النضال الجمعي القومي الفلسطيني العنيد وبشكل متتالي رغم ‘جبروت’ المعتدي. فكلما حاولت قوى بارزة او خفية طمس نضال الشعب الفلسطيني نحو التحرر والاستقلال والعدالة والعيش بكرامة كلما ظهر مجددا صمود وكفاح جزء مختلف من الشعب الفلسطيني (من فلسطين او من أماكن تشتته المختلفة) وجذب الأضواء لشريحته مفككا وبمثابرة نضالية سلسة التآمر اللامتناهي. فسرعان ما اصبح التشتت والعيش تحت أنواع مختلفة من مسميات الاحتلال او الغربة يبلور قوة مقاومة جديدة وعنيدة ترسم نوافذ للإطلال بالمراوغة التي تلتف حول عنق الاحتلال أحيانا ومن وراء ظهره أحيانا أخرى؛ وتارة من تحت انفه وتارة أخرى من امام عنينه،،، وإن استراتيجيات مقاطعة ام المشاركة في الانتخابات ‘الإسرائيلية’ الثالثة خلال اقل من عام ستكون مثالا حادا سندرسه قريباً!




تعليقات الزوار