إغلاق
دقائق من الردع. عقود من اللاردع - بقلم: عبد المجيد إبراهيم- القاهرة
الثلاثاء   تاريخ الخبر :2020-02-25    ساعة النشر :14:27:00





] مستعدون لعملية عسكرية ساحقة ضد حماس ستكون مختلفة عن كل ما عرفوه ... ستكون أكبر من سابقاتها و منوطة بدفع أثمان باهظة ... نحن نعمل في غزة من خلال ترجيح الرأي و المسئولية[ رئيس الوزراء الإسرائيلي

] نعد بديلا عمليا لإنهاء 20 عاما من إطلاق الصواريخ سيؤدي إلى ربيع مؤلم لحماس ... إذا لم يستمر الهدوء ... لقد استعدنا قوة الردع نسبيا ... عملية الردع لا يمكن إنجازها خلال لحظات[ وزير الدفاع الإسرائيلي

] الجبهة الداخلية معرضة إلى هجمات صاروخية حادة لم تشهدها في الحروب الماضية ... إسرائيل تفهم أن الأمور على الجانب الآخر قد تغيرت[ قائد الجبهة الداخلية

] لا فائدة من شن عملية عسكرية في غزة ... للأسف إسرائيل هي التي تم ردعها !! يجب أن نفهم أن الغزيين لن يختفوا [ رئيس حزب إسرائيل بيتنا

في الآونة الأخيرة ؛ وردت تصريحات من القادة المعنيين في إسرائيل تندرج في إطار تأكيد قوة الردع الإسرائيلي التي هي قضية جوهرية ، بل حاسمة في حسابات و تقديرات المخطط الإسرائيلي على الدوام . و يعود هذا بالأساس إلى ملابسات تأسيس دولة إسرائيل ؛ بمعنى العمل من أجل ضمان ما يسمى وجود الدولة . و يفهم القراء العاديون قوة الردع على أنها حيازة القدر المناسب من القدرات العسكرية التي تجعل العدو يفكر كثيرا قبل أن يقرر الاشتباك مع الطرف الذي يعاديه . و هذا فهم مقبول . لكن عمليا الأمر ليس كذلك على نحو مؤكد . فليس كافيا كم العتاد القابل للاستخدام في الحرب بقدر ما يهم مدى تقدم و حداثة هذا العتاد ، و مدى قدرته على إحداث أكبر قدر من الإيذاء بالعدو ، و مدى قدرة الطرف المستعدى على إيصال هذا الضرر إلى الخصم ، و قبل كل ذلك مدى استعداد و قدرة هذا الطرف على استخدام ما بحوزته من وسائل مؤذية مع تحمل نتائج هذا الاستخدام ، ومنع العدو من توجيه ضربات مضادة إليه أو تقليص حجمها أو تأثيرها عليه .

و تبقى قوة الردع مرتبطة في نهاية المطاف بقدرة هذا الطرف أو ذاك على استخدام ما بحوزته من وسائل رادعة بالمهارة اللازمة ، و بطريقة استراتيجية محسوبة بدقة . بل إن الحالة المثالية لنموذج الردع تتمثل علميا في تحققه من دون اللجوء نهائيا إلى توظيف الوسائل التي يملكها أي طرف .

و تجسد تصريحات المعنيين المتكررة لدى طرف ما في هذا السياق واحدة من الآليات المستخدمة لتحقيق الردع ؛ في هذه الصورة المثالية . لكنها قد تعكس في التحليل الشامل أيضا تقلص قوة الردع . و هذا يقودنا إلى السؤال البدهي عن علة احتياج إسرائيل إلى تأكيد قوة ردعها لأعدائها في توقيت معين بالذات . الأمر يحتمل عدة تفسيرات : أولها شعور أو ربما يقين لدى المخطط بأن قوة الردع تتعرض للتآكل ، أو تقدير المخطط بأن خياراته في نطاق الوسائل التي تحقق أهداف و مصالح الدولة في القضايا الماثلة التي تهمها قد ضاقت كثيرا ، و لم تعد قادرة على الوفاء بتلك الأهداف ، أو أنه بات متأكدا بقوة المعلومات من أن الأعداء أصبحوا قادرين على إيقاع الأذى بالدولة ، و أنه بات يفتقد إلى وصفة فاعلة و حاسمة لردع طرف ما يعاديه ، أو أنه يقدر بالفعل تهديدات جدية و مؤثرة على الدولة و مصالحها و استراتيجيتها و هي تنتقل تباعا إلى آفاق أوسع بكثير من المتصور و المعقول .

و الحقيقة أن دولة إسرائيل منذ التأسيس ؛ و على الرغم من كل وسائل و صور الدعم التي تتلقاها من حلفائها و داعميها ؛ بما في ذلك توفير الضمان النهائي لتجنب هزيمتها أو تهديد وجودها - لم تكن قادرة في أية لحظة من اللحظات على امتلاك قوة الردع المثالية المطلقة ؛ بدليل مباشر ملموس : هو أنها لم تتمكن حتى هذه اللحظة من إسكات العداء لها ، و الاحتراب معها ، و التعبئة و الاستعداد لمقابلتها في ساحات المعارك ، ثم إنها لا تزال تنتقل من حرب إلى أخرى مع هؤلاء الأعداء ، و لا تحقق انتصارات حاسمة في حروبها التي تخوضها على طول الخط ، بل تتعرض إلى هزائم قاسية لا تقدم دائما على الاعتراف بها كآلية أخرى من آليات تحقيق الردع ، و لا يكون بمقدورها الإقدام على استخدام ما بحوزتها من وسائل حاسمة لمنع الهزيمة ، أو على الأقل القدر الكبير نسبيا من الضرر الذي تتحمله من الطرف المعادي .

ما نتناوله هنا مجرد زوايا أو منظورات محددة في السياق . و نضيف - على سبيل الاتصال التحليلي - أن الردع الإسرائيلي يستمد قوته دائما من مصادر متنوعة ، لكن المخطط الإسرائيلي يركز على المصادر الصلبة الخشنة . و هذا لا يبني في الحقيقة قوة ردع . و من ناحية أخرى ؛ فإن بناء الردع يقوم بالضرورة على موازنات مختلفة في الحالات المختلفة . فالردع الإسرائيلي في مقابلة الفلسطينييين في غزة أو الضفة تختلف معادلته مثلا عن الردع في مواجهة إيران .

و الحالة المعنية بغزة تحديدا هي حالة مغرية بالبحث و الفحص . فلأسباب موضوعية و تتعلق بالوضعية الراهنة لمجمل الواقع السياسي و العسكري الإقليمي ؛ تبدو غزة هي المجال الذي يعتقد المخطط الإسرائيلي أنه متاح للتنفيس عسكريا عن الأزمة السياسية في إسرائيل عندما تحتدم .

و تقديري أن قوة الردع الإسرائيلي تجاه غزة تتآكل بمعدل سريع ؛ منذ أن وقعت تحت سلطة حماس ؛ بمعنى أن مكاسب الانقسام الفلسطيني بعد الانسحاب الأحادي الجانب الذي مكن لحماس جاء بخسائر فادحة لإسرائيل على مستوى الردع ، لم ينجح الحصار في معادلتها ، و لم تنجح حربان على القطاع في تجاوزها .

إن استمرار المخطط الإسرائيلي في استخدام المكونات الخشنة في ردع المقاومة الفلسطينية سينتهي - طبقا للمسار الذي نرصده - إلى تقريب حالة غزة إلى ما يشبه الحالة الإيرانية التي يبنيها المخطط الإسرائيلي على متغيرات كثيرة ؛ من أهمها الغطاء أو الضامن الأميركي أو المكمل الذي لا يمكن ردع إيران من دونه ؛ على غرار المكمل الغذائي ! و يتمتع قطاع غزة بميزة نسبية أو أفضلية لا يتمتع بها الأعداء الآخرون لإسرائيل ؛ و هي قدرة فصائل المقاومة هناك على خوض الصراع في قلب إسرائيل ، و على الوصول إلى مراكزها الحيوية بأبسط الطرق و الأدوات .

إن فكرة الردع تعتمد في جوهرها على امتلاك السلاح النهائي الكافي لتدمير الخصم و هزيمته بشكل نهائي ، أو منعه من الفوز الكامل ، أو غلّ يده . هكذا ببساطة . و منذ الحرب العالمية الأولى ؛ ينمو من بعيد الرادع الصاروخي الذي يعد واحدا من أهم وسائل حمل المتفجرات النووية . و الثابت الآن أن التقدم التقني في تصنيعه هو أمر حاسم و جوهري لمنظومة التسليح للدولة في المجمل ، و أن الهوة كبيرة و لا تزال بين تقنيات صنع و تطوير الصواريخ الهجومية و الدفاعية . و بالنتيجة ؛ يملك الفلسطينيون في غزة قدرا ليس بالقليل من الردع في مواجهة إسرائيل . فنظريا لا تستطيع إسرائيل - لأسباب جغرافية و غيرها - استخدام قدرتها النووية في غزة بطريقة حاسمة ؛ و إن كانت بأوزان و مقاسات تاكتيكية ، و هي لا تستطيع أن تتجاوز مديات و شحنات فائقة من الصواريخ الهجومية ، و هي معرضة و لديها ثقوب في الدرع الصاروخية الدفاعية ؛ بسبب المسافات و سهولة عمليات الرصد و التوجيه . و يوجد عامل آخر يرتبط بحساسية إسرائيل للخسائر البشرية . و هذا عامل كبير للردع في أية مواجهة مع الفصائل المسلحة في غزة القادرة دون غيرها على اختراق الجدار الأمني لإسرائيل في العمق لأسباب مفهومة .

كل هذا يجعل احتمال تعويل المخطط العملياتي الإسرائيلي على اجتياح قطاع غزة في أي وقت لاحق - بعناصر المشاة المحمولة أو بعمليات الإبرار أو الاقتحام الأرضي - أمرا يلامس الجنون التاكتيكي ؛ و إن استبق بضربات جوية أو صاروخية للقدرات الحربية العارية للفصائل و ليس المخباة في مكامن آمنة . و لو كان المخطط الإسرائيلي يعول على عامل الزمن في الوصول إلى حالة الردع الكامل للطرف الفلسطيني في غزة ؛ فإن الشواهد و التطورات تصدمه ؛ لأن هذا التعويل يأتي بنتائج عكسية ؛ و إلا ما كان رئيس الحكومة و معاونوه المعنيون يصدعون رءوسنا منذ حرب 2014 بمطالبات عقيمة بنزع سلاح المقاومة ؛ مطالبات باتت شرطا أساسيا في خطة بنيامين / ترامب العابثة . فالمقاومة لن تقبل بالطبع ، و لا أحد مطلقا يمكن توكيله بنزع سلاحها لا جبرا و لا طواعية .

لكن ؛ أليس من الممكن إسكات هذا السلاح ؟!! فلنتأمل !! هذا يعادل بالضبط إعادة النظر في مكونات خلطة بناء الردع الإسرائيلي في مواجهة غزة ؛ لتشمل المواد الناعمة المطلوبة ؛ و هي في كلمة واحدة السلام و التسليم بحقوق الفلسطينيين المشروعة . و لقد بينت مصفوفة وسائل الردع الإسرائيلي المعتمدة أن العقوبات و تخفيفها المشروط بما فيها الحصار و الإغلاق و حجب الأموال المتصل - ليست ناجحة أو مجدية ؛ و ليس لكونها فحسب تلتزم في نهاية المطاف بحدود واقعية تفرضها المصالح و القواعد الدولية و الإقليمية ؛ لا يمكن أن ترقى إلى مستوى مقايضة سلاح الفصائل و صواريخها بحياة الناس و وجودهم ، و هي مقايضة غير ممكنة أيضا من الناحية العملانية .

من أوصل إسرائيل إلى هذا المأزق في معادلة الردع مع غزة ؟ الإجابة بسيطة ! و هي في كلمة واحدة أيضا التعنت و الجمود و عدم الإدراك المتطاول للتغير الذي ينضج في الحشايا . هل بمقدور من سيخلف بنيامين قريبا ضبط المعادلة ؟ نعم ؛ بخطوات شجاعة و عقلانية باتجاه السلام يقطعها رجال تعلموا أنه ليس في الاسترتيجية ردع يعادل الإبادة الشاملة الجماعية ؛ فالردع يهدد بها أو بما يقترب منها ، لكنه لا يصل إليها أبدا ، و إلا ما بقي العالم على قيد الحياة إلى حد الآن .




تعليقات الزوار