إغلاق
إغلاق
حصان طروادة في معسكر ما يُسمى بالمركز يسار الإسرائيلي - بقلم: محمد محاميد - يافا
الاربعاء   تاريخ الخبر :2020-03-11    ساعة النشر :07:14:00



تروي الأسطورة القديمة أن مدينة طروادة اليونانية صمدت في وجه حصار الإغريق نحو عقد من الزمن، حيث فشل الإغريق بإقتحامها والنيّل من أسوارها المتينة، حتى ابتكروا حيلة جديدة، حصاناً خشبياً ضخماً أجوفا اختبئ فيه بعض نخبة جنودهم وباقي الجيش الإغريقي تظاهر بالإنسحاب حتى يبدو ذلك الحصان العملاق هدية وعرض سلام وفك للحصار!!، عمل يومها جواسيس الإغريق بإقناع حكام طروادة بذلك حتى اقتنعوا وفتحوا بوابات مدينتهم وتفحصوا الحصان بشكل سطحي ثم أدخلوه إلى المدينة بإحتفالٍ كبير يليق بحجم ذلك الحصان الخشبيّ.

إحتفل الطرواديون في تلك الليلة برفع الحصار وحلول السلام وشربوا في إحتفالاتهم الخمر حتى الثمالة، وبينما كانوا سُكارى، خرج الجنود الإغريق من حصانهم الخشبيّ الأجوف!، وفتحوا بوابات طروادة للجيش الإغريقي الذي اقتحم طروادة وسلب خيراتها وقتل رجالها وسبى نسائها وأطفالها الذين تحولوا إلى عبيد!.

تكررت فكرة حصان طروادة عبر التاريخ بأشكال شتى وصور مختلفة، ومنها ما يحدث الآن في ما يُسمى معسكر المركز - يسار الإسرائيلي، هذا المعسكر الذي يتلاشى يوما بعد يوم منذ سقوط حكومة ايهود باراك عام 2001م نتيجة اخطاء استراتيجية جسيمة جدا قام بها باراك بعينه حينما استبعد عملية السلام مع السلطة الفلسطينية بقيادة الراحل ياسر عرفات حينها، ووقوفه خلف احداث هبة القدس والأقصى الدموية في الداخل واندلاع الإنتفاضة الثانية "انتفاضة الأقصى" واخطاء اخرى لا مجال لحصرها هنا.

وكذلك اقتراف شخصيات اخرى بحقبته وما بعدها لأخطاء جسيمة، مما تسبب بتحول الشارع الإسرائيلي "اليهودي" إلى يمين الخارطة السياسية في ظل غياب خطاب آخر واضح وصريح!، حتى اضحت قوى ما يسمى باليسار الإسرائيلي تخشى الحديث عن تسوية القضية الفلسطينية بشكل دائم او مؤقت "بمنظورعم" واختفاء حلول السلام من قواميس متحدثيها..، بل وان بعضها ينظر بعين الريبة للمواطنين العرب وشرعية وجودهم وحقهم في أرضهم وبلادهم!.

لم يقتصر تلاشي ما يسمى باليسار الإسرائيلي بإنحراف بوصلته السياسية والفكرية نحو اليمين مما أدى لانتهاء دوره التاريخي في انتخابات الكنيست السابعة عشر عام 2006م وفق شهادة بعض قادته السابقين، بل وأبعد من ذلك فقادة ذلك المعسكر بدل أن يُروجوا مشروعهم بوضوح لإستقطاب المجتمع الإسرائيلي، رفعوا الراية البيضاء وانقادوا كالإمعات مع تيار اليمين الجارف..، فتصريحاتهم تغيرت، ومواقفهم اختلفت، وثوابتهم تبدلت..، حتى ذاب جبل جليدهم وبات هشا ضعيفا..

ومن شدة الخور الذي أصابهم أصبح خطاب ما يُسمى بمعسكر اليسار موجه لإستقطاب بعض الجماهير المحسوبة على تيار اليمين المعتدل من أجل تحصيل مقعد هنا ومقعد هناك "انجازات محدودة وأفق مسدودة"، بل وأقيمت أحزاب وتحالفات لتأدية هذه الوظيفة "كهنالك مستقبل "יש עתיד" بقيادة يائير لابيد، المعسكر الصهيوني "המחנה הציוני" بقيادي بوجي هرتسوغ، الحركة "התנועה" بقيادة تسيبي ليفني، وتحالف أزرق أبيض "כחול לבן" الذي يضم أربع أحزاب بقيادة "بيني جانتس"، بل وبرز في خلال تلك المرحلة مصطلح معسكر المركز خجلا وهربا من أن يُنسبوا إلى ما كان يُسمى باليسار حتى لا تلحقهم لعنات اليمين!.

فما يتعلق بحصان طروادة في هذا السياق هو حصار اليمين المُحكم لمعسكر المركز - يسار الذي اخفق للوصول إلى سدة الحكم منذ نحو عقديّن من الزمن!، بل وتحول هذا المعسكر إلى "سوبر ماركت" من التوجهات وذلك باستقبال شخصيات من عمق اليمين الأيدلوجي كيوعاز هندل وتسفي هاوزر في أزرق أبيض وأورلي ليفي من حزب جسر "גשר" المتحالفة مع حزبي العمل وميرتس في قائمة واحدة لإستجداء أصوات بعض المحسوبين على تيار ما يسمى باليمين المعتدل في ظل استبعاد ترشيح مرشحين عرب في مواقع متقدمة ومضمونة!.

هذه الشخصيات التي على الأرجح جاءت باصوات المحسوبين على تيار "المركز يسار"!! الآن هي بمثابة الجنود الإغريق الذين خرجوا في قلب اسوار طروادة من ذلك الحصان الخشبي الأجوف رغما من إيماني بسقوط معسكر "المركز يسار" منذ عقدين!!، لكن تلك الشخصيات الثلاث تمارس أقسى انواع الضغط والإبتزاز على بيني جانتس وتهديه بعدم التوصية عليه لترأس الحكومة إن كانت تلك الحكومة "الضيقة" ستقوم بدعم من القائمة المشتركة "المواطنين العرب" وذلك حتى لا يحظى المواطن العربي في البلاد بأي إنفراج في مشاكله اليومية المتراكمة منذ عام 1948م، فما أخطر حصان طروادة.

وأخيرا مما لا شك فيه أن القائمة المشتركة الآن تلعب دورا مؤثرا ومهما وذلك بحجم تمثيلها البرلماني الكبير نسبيا، صحيح أن هذا الدور لن يُغير وجه المنطقة والأقليم ولكنه قد يخفف اعباء ثقيلة وضغوطات كثيرة على ابناء شعبنا سواء نجح جانتس بتسوية الخلافات الداخلية في بيته مما يعني حصول القائمة المشتركة على طلباتها التي تهم المواطنين العرب في البلاد، او اخفق في ذلك وتوجهت الدولة مرة أخرى إلى إنتخابات رابعة في ظل اسوء أزمة حكم تشهدها الدولة منذ قيامها ومحافظة المشتركة على قوتها او زادتها في ظل الالتفاف الشعبي الواسع حولها، او إقامة ما يسمونه بحكومة الوحدة الوطنية العلمانية تجمع ازرق وابيض "כחול לבן" والتكتل "ליכוד" وإسرائيل بيتنا "ישראל ביתנו" بشرط أن يترأس الحكومة في الشطر الأول جانتس وفي الشطر الثاني ناتنياهو إذا تمت تبرئته او شخصية اخرى من حزبه إذا تمت إدانته في المحكمة، وحتى في هذه الحالة ستستفيد المشتركة من ترأسها للمعارضة وما يتيح ذلك من ادوات عمل برلمانية قد تخدم المواطن العربي في البلاد!!.




تعليقات الزوار