إغلاق
بنيامين نتنياهو بين صناعة القرار السياسي وسلطة القانون - بقلم: الدكتور حسن مرهج
الخميس   تاريخ الخبر :2020-04-16    ساعة النشر :12:05:00



يُلاحظ أن تبادل الأدوار السياسية في غالبية الدول، من أبرز سمات السياسيين العالميين، بمعنى أن يقوم أحد السياسيين في دولة عظمى بتقديم خدمات في حقل سياسي خارج دولته، بُغية الحصول على مكسب يستثمره في أي استحقاق داخلي أو خارجي. هذه المقاربة واقعية إذا ما تم اسقاطها على الانتخابات الامريكية التي جرت عام 2016، وتمكن دونالد ترامب بعد دعم روسي له في مقابل منافسته هيلاري كلينتون، من حصد نتائج مكنته من الجلوس في البيت الابيض. ما يؤكد هذه المقربة أيضاً، أو وسائل الاعلام الروسية واكبت ترامب في برامج خاصة، وهنا لن نستفيض شرحاً في توضيح جُلّ السياسات الروسية البوتينية في هذا الإطار.

ايضاً يمكننا القول، أن الدعم الروسي والامريكي عبر بوتين وترامب المُقدم لـ بنيامين نتنياهو، مكّن الأخير من الاستحواذ حتى اللحظة على كرسي رئاسة الحكومة الاسرائيلية، ترامب قدم هدايا بالجملة لـ نتنياهو، من قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس الشرقية، وضمّ الجولان السوري لإسرائيل، وصفقة القرن التي أعلنها عنها في العاصمة الأمريكية الرئيس ترامب وإلى جانبه يقف نتنياهو، وأيضاً الدعم السياسي العميق من إدارة الرئيس الروسي بوتين له، تمثلت في زيارة الرئيس بوتين إلى إسرائيل، والزيارات التي أجراها نتنياهو قبيل الانتخابات للعديد من الدول.

كل ذلك يندرج في إطار البروباغندا العالميّة التسويقية لـ بنيامين نتنياهو، لكن كل هذ الصخب الإعلامي لم يستطع نتنياهو ن يُحقق تقدماً كبيراً لحزبه الليكود، بحيث يستطيع تشكيل حكومة دون تقديم تنازلات لـ غانتس وحزب أزرق ابيض، وهذا الامر يؤكد بأن الناخب الإسرائيلي يتجه مباشرة إلى مصالحه، ولا يُعير اهتماماً للسياسية العالمية في استمرار هذا السياسي أو حزبه في الحكم، خصيصاً إذ ما علمنا أن مصالح الناخب الإسرائيلي مشتته ومبعثرة خلال العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين.

الواضح في سياق ذلك، بأن أزمة تشكيل الحكومة الاسرائيلية تتمثل في عدم قدرة كتلة سياسية يهودية على تحقيق نسبة النصف زائد واحد في الكنيست. فـ نتنياهو الذي يقف من زمن بعيد على رأس الحكومة الاسرائيلية أكثر ما يخشاه ليس فقدان السلطة والحكم، بل الذهاب إلى مواجهة مصيرية تقوده إلى لسجن، جراء ملفات الفساد وغيرها من القضايا.

هذا السيناريو المرعب لا يريده نتنياهو، فهو الذي حطم الأرقام القياسية لجهة زعامته الحكومة الاسرائيلية، كأطول رئيس وزراء يحكم في إسرائيل، فهو المتضرر الأكبر على المستوى الشخصي والحزبي من تشكيل حكومة لا يكون رئيسها، لأنّه يعلم أنّ الخيار الآخر مواجهة مصيره وحيداً في أروقة المحاكم التي من المرجح أن تؤدي به إلى نزيل غرف السجن.

نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية تقريراً للصحفي الاستقصائي غيدي فايتس في 3/4/2020، تحدث فيه عن خيارات نتنياهو من خلال لقاءات عدّة أشخاص معه إذا يقول: "إنه رغم انتخابه كي يبقى في الحكم مرة تلوَ الأخرى، إلّا أنه تسيطر على الدولة قوة خفيّة، وصفها بأنها (دولة عميقة)، وإنه لا توجد ديمقراطية هنا، وإنّما يحكم موظفون ورجال قانون، وأن النيابة العامة هي التي تشدّ خيوط جهاز الظل، ويعتقد أنّه يوجد تكامل بين النيابة والقضاة بهدف ضمان سقوطه.

في ذات السياق، أشار نتنياهو إلى أنهم يريدون أن يروني جالساً في السجن، وأن هيئة القضاة التي تقرر أن تنظر في قضية في المحكمة المركزية في القدس هم الأكثر يساريّة وصرامة.

نتنياهو كان يحلم ويأمل أن يحصل في الانتخابات الإسرائيلية الثالثة خلال أقلّ من عام في2/3/2020، على نسبة الحسم المطلوبة لتكتل اليمين على61 مقعد نيابي في الكنيست، حتى إنه كان يُمني نفسه أن يحسم هذه النسبة لحزبه الليكود ليشكل الحكومة الإسرائيلية من لون سياسي واحد، ويطبّق برنامجه الحزبي اليميني دون أن يقدم تنازلاً واحد إلى خصومه في الكنيست، لكن العملية الانتخابية جاءت بنتائج لم تكن كافية لتشكّل حكومة، واستطاعت القائمة العربية المشتركة مع حزب أزرق أبيض، إنجاز خطوة محاصرته بعد الأيام الأولى لنتائج الانتخابات باتجاه إصدار قرار من الكنيست بمنع تكليف المتّهمين بقضايا جنائيّة في الكنيست، لذلك أوصت القائمة الرئيس الإسرائيلي رؤوفين زيغلين بتسمية بيني غانتس رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، والمنافس الرئيس لـ نتنياهو بتشكيل حكومة إسرائيلية من أجل سد الطريق على منع التوصية بتسمية نتنياهو، وهذا ما حصل فعلاً، لكن نتنياهو توجّه مباشرة إلى غانتس وفاوضه فخرّ غانتس صريعاً أمامه، وعلى أساس ذلك جرى انتخاب غانتس رئيس الكنيست بأصوات الليكود، وتابع تفاوضه نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية، بينما نتنياهو كان يحلم أن لا يتفاوض مع حزب إلا إذا جاء هذا الحزب أو ذاك جاثياً على ركبته يتوسّل المشاركة بمقعد وزير أو نائب وزير.

في المحصلة، استطاع نتنياهو تفكيك حزب أزرق أبيض، من خلال استقطاب غانتس، وبالتالي ضمان استمراره في الحياة السياسية على الأقل مدّة عام ونصف بحكومة وحدة وطنية برئاسته، وفتح باب مجابهة المحاكمة العليا، وهو في موقع قوة نحو خيارات تُبعده عن السجن رغم كل لائحة الادعاء ضده، وما بين صناعة القرار السياسي والاستحواذ عليه، وبين سلطة القانون، يبدو أن بنيامين نتنياهو حائر الخطى يبحث عن تكتيك يناور من خلاله بين السياسة وسلطة القانون، والأيام القادمة ستكشف ماهية هذه الخُطى.




تعليقات الزوار