إغلاق
أحاديث البيت ( 6 ): استراتيجية ابن الشيطان ! بقلم: عبد المجيد إبراهيم- القاهرة
الاربعاء   تاريخ الخبر :2020-04-15    ساعة النشر :15:33:00


عن استراتيجيات متأخرة لمواجهة الوباء تنتمي إلى النموذج الإنساني الذي وصفناه ؛ تكلمنا في الحديث السابق . الكلمات كانت تقطر مرارة مثلما تبينت بعد مطالعتها ! و الحقيقة أن هذه من السمات الطبيعية للكتابات التي تسبق عادة موجات التغيير العارمة ، و مثالها الأعلى أعمال المفكرين و الأدباء العظام التي استبقت الثورات الاجتماعية الكبرى في روسيا و فرنسا ؛ على وجه الخصوص .

و بالإشارة إلى الحالتين الهندية و التركية في مواجهة الوباء ؛ قصدنا الحديث تحديدا عن الاستراتيجيات التي تتبعها دولة عنصرية مستبدة تتمظهر في رداء ديمقراطي ، و ذهبنا إلى أنها ستجسد - في نهاية المطاف ؛ غالبا - نماذج إنسانية متأخرة ؛ لن تمكن من تجاوز كارثة بشرية

و اقتصادية تتشكل الآن في مجتمعاتها ؛ لأنها استراتيجيات تغذي بمرور الوقت عوامل التغيير الكبرى ، و تشحذها بسرعة غير مسبوقة أو معتادة لعملية التغيير التراكمية التي أشبعها علماء الاجتماع درسا و فحصا .

إن الولوج إلى دائرة الاستراتيجيات المنتمية إلى النموذج الإنساني المتأخر ؛ يجعلنا أشبه بمحترفي الغوص ممن يتحسسون الأعماق التي يصلون إليها بالتدريج ، و بزيادة العمق تتبين لهم معالم القاع .

إن مزيدا من الغوص في استراتيجيات من هذا النوع على اختلاف تجلياتها يقطع بأن العوامل الكبرى الرئيسة التي ستقود التغيير القادم - على أكتاف الوباء - تتمثل في الغضب الشعبي الهائل و الخسائر الاقتصادية الفادحة ؛ مع إزاحة المتغيرات الفرعية لهذين العاملين جانبا مؤقتا .

و الوصول إلى نتائج و توقعات تقترب أو تكاد تطابق ما يمكن أن يحدث ؛ يستوجب المزيد من الغوص أو العصف الذهني ؛ لاكتشاف غالبية العوامل الكبرى التي ستدفع إلى التغيير المرتقب .

دعونا نقترح هنا عامل الفوضى و العنف و فقدان السيطرة ، و عامل احتدام الخلاف في دوائر السلط الحاكمة ، و عامل فشل مؤسسات الدولة و تهاوي قبضتها ، و عامل تطاول مدة الطوارئ و الأوضاع الاستثنائية ، و عامل تنامي نزعات الانفصال و الانعزال بمختلف بواعثها .

ألا يكفي كل هذا للوصول إلى القاع ؟! أعتقد أنه يكفي و يفيض؛ ليبدأ عالمنا عهدا جديدا ؛ بل حقبة أو مرحلة تالية في الاستراتيجية العليا و المسيرة التي اختطها الإله للبشر !

و بإضافة العوامل الكبرى الأخرى العائدة إلى النظام الديني و الأيدلوجي و السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي للدولة ؛ إلى العوامل التي اقترحناها - فإننا نكون - مثلما نفهم - إزاء حدث فارق في التاريخ الإنساني سوف يستوقف الأجيال المقبلة و التي تليها !

في الإطار المتقدم ؛ يكون من الضروري و النافع العودة إلى كارل ماركس و أفكاره اللامعة التي غذتها و فسرتها كتابات الرفيق إنجلز ؛ خاصة ما يتعلق منها بتطور المجتمع البشري و تشكل الوعي الإنساني ، و أكدتها النظريات التي وضعها دارسوهما الأمريكيون النجباء ؛ من عينة : كينان و كيسنجر و بريجنسكي و هنتنجتون و كينيدي عن ميكانيزمات التغيير ؛ و الموجه منه تحديدا !!

المفهوم أن الأصل في عملية التغيير هو أنها تحدث بصورة عفوية ؛ لتفرض معطيات كيفية جديدة في الواقع ؛ عبر تفاعلات غير مقصودة أو موجهة في ما بين متغيراته ؛ أي عوامله الكبرى و الصغرى ؛ و هي تفاعلات قد تقود أحيانا إلى معطيات غير متوقعة أو مشاهدة من قبل في المجتمعات ؛ بما يماثل ظاهرة الطفرة في الأحياء الطبيعية . و مع ذلك فإن دراسة نماذج التغيير العفوي بصورة بعدية ، و فحص و متابعة التفاعلات و التصادمات المتعاقبة في مسيرته - تظهره كأنه يجري وفق استراتيجية مسبقة ؛ برغم أن التخطيط المسبق هو سمة أساسية للاستراتيجية بحكم التعريف .

في مقدمته للترجمة العربية لكتاب بريجنسكي " بين عصرين " ؛ يقرّب المترجم مفهوم العمليةPROCESS إلى القارئ ؛ بسرد الحكاية الشعبية المعروفة التي حلّ فيها ابن الشيطان حبلا ربطت به امراة عجلا صغيرا بعيدا عن أمه حتى تحلبها ؛ فانطلق العجل نحوها ؛ فأوقع وعاء الحليب ، و رضع ما بقي في ضرع الأم ، و عندما عادت المرأة إلى زوجها صفر اليدين ؛ لم يصدق أنها ربطت العجل ، و اتهمها بالإهمال و ضربها ؛ فذهبت إلى إخوتها باكية ؛ فجاءوا

و تشاجروا مع الزوج و انتشر العراك و القتال في القرية ! و تلك استراتيجية مخططة وضعها ابن الشيطان ؛ لتحدث تغييرا مقصودا مضت حركته في الاتجاه الذي حدده له والده ؛ أي إشاعة الفتنة في القرية . فماذا لو وقعت هذه الحكاية نفسها بسبب أن امرأة ربطت العجل برباط متآكل مثلا من دون أن تدري ؟ ألا نكون في هذه الحالة بصدد عملية استراتيجية " عفوية ! " ؛ بصرف النظر عن إمكانية أن يستفيد منها طرف ما لاحقا ، أو يستثمرها لحسابه بطريقة مقصودة و مخططة ؟

و ليس سرّا أن السجل الإنساني الزاخر بمختلف أشكال الموروث الشعبي يمثل رافدا مهما من الروافد التي تصنع منها الاستراتيجيات الخلاقة الفذة ، و هي روافد يصعب حصرها ؛ و إن كانت تقوم كلها بالأساس على المحاكاة و التوليف و التحوير و غير ذلك من ميكانيزمات ؛ لكل ما يمكن ملاحظته و مراقبته من استراتيجيات يمارسها الناس العاديون خلال عمليات التفاعل الاجتماعي ؛ بمختلف مستوياته ، و في كل المجالات و البيئات ؛ بما في ذلك مثلا النزاعات العائلية و علاقات العمل و الجيرة و غيرها ، كما تشمل هذه الروافد كل ما راكمه البشر من خبرات تاريخية و إنتاج علمي و أدبي و فكري يصلح لاستلهام استراتيجيات ملائمة ، و كل ما يمكن الاطلاع عليه و وصفه من طرق و وسائل تستخدمها الكائنات الحية النباتية و الحيوانية - بل مسببات الأمرض من مثل الفيروس التاجي - في تسيير حياتها و التكيف مع بيئاتها و الفوز في صراعاتها التي تخوضها من أجل البقاء .

و أغلب الظن أننا قد نتعرض لاحقا لعينات من هذه الروافد في بيئات يندر للناس العاديين معايشتها ؛ مثل مجتمع الغجر أو السلخانة أو البغاء أو الجريمة أو غيرها .

و كمثال ساطع ؛ فليس من المستبعد أن تكون الاستراتيجية العظيمة الفارقة التي أنتجتها عقلية ليدل هارت المسماة باستراتيجية " العمل غير المباشر " - مأخوذة من الاستراتيجية القتالية " العسكرية " التي تعمل بها الصقور لإخضاع فريستها بدون قتال ؛ اعتمادا على مفاجأتها و تحطيم مقاومتها ؛ بالاقتراب السريع غير المتوقع منها ، و تشتيتها ، و تدميرها على مراحل ؛ من خلال الهجوم المتحرك الذي يعادل في الميدان العسكري الاستخدام المنسق للطائرة و الدبابة .

و لنعدْ إلى السياق الذي نناقشه .

الآن - و بعد دراسات مكثفة و دقيقة - يقطع العلماء الثقات بأن فيروس كورونا هو فيروس طبيعي لم يجرِ تخليقه تقنيا في مختبرات بيولوجية ، و أنه انتقل إلى الإنسان من الخفافيش عبر عائل وسيط في السوق الصينية الملعونة في مدينة ووهان . و هذا يعني - ببساطة - أن الوباء الذي يلف العالم اليوم ليس من صنع بشر ؛ و لو كان تلبّسه الشيطان ، إنما هو من تأثير عامل عفوي أحدث تأثيرا مماثلا للعمل المخطط المقصود الذي قام به ابن الشيطان .

فمن يكون هذا الشيطان ؟ و من هو ابن الشيطان الذي فعلها ؟ و ما هي استراتيجيته " العفوية " التي نشر بها هذا الوباء المدمر في ربوع عالمنا ؟! و إلى حديث آخر .




تعليقات الزوار