إغلاق
أحاديث البيت ( 7 ): استراتيجية شمشون SAMSON بقلم: عبد المجيد إبراهيم- القاهرة
الخميس   تاريخ الخبر :2020-04-16    ساعة النشر :21:06:00



لن يستعصي على فطنة قرائنا تسمية الشيطان الذي جاءنا بكارثة الوباء التاجي ، و ابنه الذي نجح بامتياز في وضع الهدف العام لوالده موضع التنفيذ ؛ عبر استراتيجية صبورة و معقدة و مبهرة . و اعتمادا على هذه الفطنة ، و لأننا زعمنا عرضا - في حديثنا عن روافد بناء الاستراتيجيات - أن الاستراتيجية الفعالة التي وضعها ليدل هارت ؛ لم تكن مستندة فحسب إلى خبراته في ميادين القتال ؛ إنما كانت أيضا مستوحاة - على الأرجح - من الاستراتيجية التي تتبعها الصقور لهزيمة فرائسها - لكل هذا ؛ فقد راودتني مسألة رأيت أنها تستوجب النظر فيها أولا ؛ تتعلق بالفرص و التهديدات التي أوجدها أو فرضها الوباء على الأطراف الرئيسة المشتبكة في الصراع الدولي ،

و الأخرى المتورطة في قضايا أو نزاعات مناطقية لا تنفصل أبدا عن سياق هذا الصراع ، و هي مسألة يمكن صياغتها على النحو التالي : كيف يعمل و سيعمل اللاعبون الدوليون و الإقليميون على اغتنام " الوضعية الراهنة " ؛ المتمثلة في حالة مركبة من العدوانية الزائدة ، أو الانكفاء ، أو الانشغال ، أو القصور ، و ربما التهور ، أو العجز ، أو الشلل ، أو التردد ، أو عدم الانتباه أنشأها الوباء لدى منافسيهم الدائمين و المحتملين ؟

و لهذا في الواقع علاقة وثيقة جدا بعملية الصيد و القنص التي تنطوي على الاشتباك و القتال ؛ من أجل تحقيق الفوز و الإيقاع بالفرائس ؛ من جانب ، و بالحاجة التي قد تنشأ لتعديل الاستراتيجيات لتحقيق مكاسب حاسمة أو كسب نقاط لم تكن في الحسبان - على طريقة المصارعين ؛ من جانب آخر .

في أعقاب انهيار الإمبراطورية السوفييتية ؛ نشر الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون كتابه المعنون SEIZE THE MOMENT . و لفت انتباهي حينها أن العناوين التي وضعت للترجمات العربية للكتاب : " انتهزوا الفرصة " و " الفرصة السانحة " - لا تحيط بمقاصد مضمونه ، و لا تتماثل مع التركيب اللغوي أو الدلالة الصرفية للعنوان الأصلي له ؛ ناهيكم عن أن الترجمة الحرفية بدورها تفرغ الكتاب من هذا المضمون بالكامل ؛ و هي " أمسكوا اللحظة " أو " ضعوا يدكم على الوقت المناسب " . عندها تبينت أن إشكالية الاتفاق على ترجمة العنوان ليست لغوية بقدر ما تتعلق بالعلاقة الوثيقة بين اللغة و السياسة ؛ فأجريت تحليلا لغويا عميقا للألفاظ التي استخدمها الكاتب في عنونة كتابه ؛ فانتهيت إلى أن الترجمة الدقيقة له يجب أن تكون " لا تفلتوا الغنيمة " ؛ كي تعبر بدقة عن سياقه و أفكاره و أهدافه .

و لقد قادني التحليل اللغوي لألفاظ العنوان و مقاربته مع النص إلى الترجمة المذكورة ؛ إذ بدا لي أن الكاتب أراد أن يقول : " إن الظرف الراهن يحتاج إلى ملاحظ دقيق يتبين ملامحه و أبعاده بمجرد النظر العابر . و هو ظرف لن يدوم طويلا . و لذلك ؛ يجب على القيادة أن تتفاعل معه بصورة فورية ، و أن تتعلق به و تستحوذ عليه و تقاوم باستماتة لئلا يضيع منها ، و تقاتل إن اقتضت الضرورة . فاقتناص هذا الظرف المتاح ممكن فحسب عند لحظة مواتية واحدة ؛ لكي يفوز القناص بالغنيمة " . و على هذا النحو وجدت أن الترجمة التي اقترحتُها - مع نفاذها إلى صلب الدلالة المركزية المعجمية للألفاظ - تعكس تماما ثقافة الكاتب و معتقداته و بيئته الأصلية

و تجاربه . و خمّنت أن العنوان الذي استخدمه هو تركيب شائع أو كان شائعا في الموروث الشعبي الأمريكي - خاصة في الغرب - ضمن التراكيب التي يستعملها الرعاة و الصيادون ؛ أو أنه حاكى تركيبا مماثلا يعود إلى اللغات المندثرة لسكان البلاد الأصليين .

و يعني هذا تطبيقيا أن الاستراتيجية الجيدة في مواجهة الوباء يجب أن تشمل تعيين الفرص المتاحة و التهديدات الطارئة الماثلة مع الوباء ، و اقتراح الخطط المناسبة للتعامل معها ؛ من أجل " قنص " ما هو متاح من فرص ، و " مواجهة " ما هو محتمل من تهديدات ؛ على أساس مجمل التقديرات المحسوبة للوضع الذي تجد الدولة فيها نفسها و خصومها ، و للوضع الدولي على شموليته ؛ في ما يخص قضايا عديدة ، و النيّات التي يبيتها اللاعبون الدوليون و الإقليميون ؛ على أن تغطي هذه التقديرات المدى غير المحسوب لتفشي الوباء و فقدان القدرة على التحكم فيه و احتوائه ، و الأجل غير المنظور لبدء المرحلة التي ينتظرها الجميع ؛ أي مرحلة ما بعد الوباء .

و ظني أن ما سبق وصفه هو المدخل المناسب لتجسيد الاستراتيجية التي شرحها نيكسون بصدد تجنب " إفلات الغنيمة " ، و إبطال أية تهديدات أو مخاطر قد تؤثر على " عمليات القنص " ، أو على كفاءة و صلاحية الدولة لممارستها لاحقا . و هذا يحيلنا مجددا إلى ليدل هارت ، و صقوره الجارحة التي تتحين اللحظات و المواقف المناسبة تماما للهجوم على فرائسها ؛ فتختار التوقيت الحاسم و زاوية الهجوم الملائمة و المجال الأنسب للانقضاض ؛ لتضمن الفوز بها ؛ و من دون أن تدخل في اشتباك غير مضمون العواقب .

بالطبع ؛ الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة التي تواجه القدر الأكبر و الأعقد من الفرص و التحديات التي برزت لها مع تفشي الوباء التاجي . و لقد كانت استراتيجيتها العالمية تدار حتى لحظة ظهور الوباء على أساس تعزيز تموقعها في صدارة القوى العظمى الرئيسة ؛ عن طريق إبطاء السير باتجاه اكتمال عملية تشكيل نظام دولي متعدد الأقطاب على نحو نهائي و قاطع ؛ لعلها تتمكن بمرور الوقت من تغيير اتجاه هذا التحرك و التثبت بمكانها و مكانتها ، أو حتى تجد منافذ جديدة للصعود كقوة عالمية أو كقطب واحد متحكم يدير العالم ؛ تطبيقا لعقيدة آتشيسون وزير خارجية ترومان .

لكن الوضعية الراهنة تعيد هذه القوة إلى موقف الدفاع الثابت ؛ حتى مع الفرص التي نشأت ؛ كون هذه الأخيرة قليلة و محدودة التأثير . و أهم ما يعنيني هنا هو التحدي الذي يتوعد الاقتصاد الأمريكي بكارثة مدوية ؛ قد لا يتمكن معها من النهوض مجددا إلا بعد سنوات طويلة ؛ بالنظر إلى الطبيعة التنافسية للصراع . و المفهوم أن هذا التحدي يولد تهديدا يتعلق بمحصلة القدرات الاقتصادية و العلمية للدولة الأمريكية ؛ أي قوتها العسكرية الفائقة و الفريدة ؛ كتعبير حيوي عن مكانتها في النظام الدولي .

و يجب أن ندرك أن القرارات التي ستتوالى في ما يخص الانتشار العسكري الأمريكي في العالم - و قد بدأت ، و منها الكثير مما يقع في نطاق السرية - ستأخذ عمليا من رصيد القوة الأمريكية

و قدرتها على التأثير ، و ستفتح نطاقات واسعة للقوى الرئيسة الأخرى للتمدد و الانتشار ؛ على الأقل في مناطق نفوذها الحيوية ؛ إن لم يكن بعيدا عنها .

إن عدوا خفيا غير منظور تمكّن مثلما رأينا من تحييد حاملة الطائرات روزفلت التي تتلألأ في عقد أسطول الحاملات الأمريكية المبحرة في أمواه الكرة الأرضية ؛ فما بالنا بالملايين من الجنود البواسل الذين بمقدور البنتاجون تعبئتهم في حرب تقليدية ضروس ممتدة ؛ و هم يسقطون تباعا باستهدافات عشوائية مدمرة تشبه استهدافات الانتحاريين اليابانيين التي لم يكن بالمستطاع منعها ؛ في الحرب العالمية الثانية .

و ليت الأمر سيتوقف عند حد تقليص و إعادة النظر في الانتشار العسكري ، بل إن الأثر الذي أحدثه الوباء يطال أيضا جيش الخبراء و العملاء و الباحثين و غيرهم الذي يقوم بأنشطة غير معلنة تخدم مصالح الولايات المتحدة العالمية ، و تدعم أنشطتها العسكرية و المخابراتية .

و على المستوى السياسي ؛ تواجه واشنطن تحديات غير مسبوقة يتصدرها احتمال فك الارتباط التاريخي مع أوربا ، و إعادة صياغة العلاقات مع روسيا و الصين ؛ بل اليابان و الفلبين و كوريا الجنوبية و تايوان ؛ بطريقة تنطوي على تراجع تأثيرها في سياسات هذه الدول ؛ بما يتضمنه ذلك من معاهدات و اتفاقات راسخة ثنائية أو متعددة ؛ لا تستثني أيّا من التنظيمات و المؤسسات الجماعية ؛ و في صدارتها بالطبع حلف شمال الأطلسي . و إلى حديث آخر .




تعليقات الزوار