إغلاق
أحاديث البيت ( 8 ) : استراتيجية " دقًّتِ الطبلة و بانِتِ الهَبْلة " ! - بقلم: عبد المجيد إبراهيم- القاهرة
السبت   تاريخ الخبر :2020-04-18    ساعة النشر :18:48:00


على المستوى السياسي تحديدا تقف واشنطن عند مفترق طرق ؛ فهي قد تختار بدل المضي في مسار الانعزال و تفكيك الروابط طريقَ التعاون و العمل المشترك . و سوف ينبني ذلك بالتأكيد على العبر و الدروس المستخلصة ، و قراءتها لواقع ما بعد كورونا الذي يتوقف - مبدئيا ، و إلى حد بعيد - على الطريقة و المدى الذي سيؤثر به الوباء على الداخل الأمريكي من زوايا عديدة ؛ أهمها قوة و تماسك الاتحاد الفيدرالي ، و استقرار النظام الاجتماعي و الأمني ، و نوعية السياسات الاقتصادية و التجارية و المالية التي سوف تنتهج ، و التي قد تشمل - مع خيار الانكفاء - وقف سيل التدفقات المالية للخارج على سبيل المنح و المساعدات و المساهمات في المؤسسات الدولية ، أو تدنيتها تماما ، و التوطين الكامل للصناعات الاستراتيجية و الاستثمار فيها ؛ و منها الدواء و المهمات الطبية ، و العمل على خلق وظائف من نوعيات جديدة لعشرات الملايين الذين سيفقدون وظائفهم ؛ بما يتطلب العودة إلى تقنيات قديمة كثيفة العمالة .

و يعادل هذا في الأهمية أن خيار الانغلاق الكامل أو الجزئي سيعزز الحاجة إلى تأمين احتياجات واشنطن من الطاقة ؛ ما يعني ارتداد استراتيجية الخروج المتدرج من إقليم الشرق الأوسط ؛ مع اتباع سياسات أكثر من متشددة لإحكام السيطرة على البلدان المفيدة لها في هذا الإقليم ؛ من هذه الزاوية ، و من زوايا أخرى تخص مصالحها الحيوية .

و يجب أن نضيف أن خيار الانسحاب و الانغلاق - و هو المرجح - من جانب قوة قادرة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية ؛ لن يكون هادئا وديعا أو رحيما . فإذا كان هذا الخيار يتطلب البقاء

و التشبث بمواقعها في إقليم الشرق الأوسط ؛ باعتباره مركز الإمبراطورية التي تنزوي ؛ فإن واشنطن ستكون مستعدة لاستخدام أقصى درجات القوة و الغشم و الغطرسة ؛ في وجه من يتحداها فيه من لاعبين دوليين أو إقليميين ، و هي ستلتزم بسياسة مماثلة في حديقتها الخلفية ؛ إن لم تكن أكثر صرامة . و يعني هذا ترتيبا أن نزاعات مسلحة محدودة أو واسعة النطاق أمر وارد لاحقا في هذين الإقليمين ؛ من الممكن أن تنجر إليها دول كبرى عالمية أو محورية في مناطقها .

من المحتمل - و بكل أسف ! أننا سنكون أمام قوة أمريكية تضخمت غاشمة عمياء مهانة راغبة في الانتقام ؛ لكن ليس في الانتحار على غرار ما فعل شمشون ! إنما - و لحسن الحظ - لن يكون الأمريكيون قادرين بما يكفى أو بلا قيود أو حتى راغبين في هدم المعبد عليهم و على أعدائهم ! و لهذا ؛ قد يعتمدون استراتيجيات جديدة لتركيز القوة في الهلال الخصيب و الخليج و الجزيرة العربية ، و النشر العسكري الواسع في الكاريبي ، و تغليظ عصا العقوبات و العمليات السرية ضد الدول المتمردة ؛ مع التوجه إلى سياسات أكثر تصالحا و تنسيقا مع الاتحاد الروسي بالذات .

و يعزز مصداقية هذا التصور أن الفرص الحقيقية القليلة التي جاءت بها حرب الفيروس التاجي تقع غالبيتها في هذين الإقليمين ؛ مثال ذلك الفرص المتاحة الآن في فنزويلا و إيران و فلسطين التاريخية - و ليس لها وحدها ، و ليس في هذه النقاط فقط .

إن فرصا عظيمة من دون تهديدات فجة تلوح في الأفق أمام سورية ، و أغلب الظن أنها ستقتنصها ؛ شريطة تأمين وحدات الجيش و القوى الأمنية و المدن الرئيسة من تفشي الوباء ؛ بمساعدة موسكو و بكين ، و هي تشمل كامل الرقعة السورية خصوصا شرق الفرات ، و الساحة العربية على امتدادها ، و ربما طاولة العلاقات مع واشنطن و الجار التركي .

و بالمثل ؛ بمقدور حكومة عراقية حولها إجماع أن تلتقط فرصا جيدة ؛ خاصة على صعيد تحجيم الوجود العسكري الأمريكي ، و التخلص من قيود و أعباء الغزو العراقي للكويت و ماتلاه ، و استعادة وحدتها الإقليمية المفقودة .

و في فلسطين التاريخية هناك فرص و تحديات للطرفين المعنيين فيها من الممكن تناولها لاحقا بتوسع .

و الحرب التي لا نعرف متى ستنتهي و إلى أية مآلات لا تقدم فرصا لواشنطن وحدها في إقليم الشرق الأوسط ، بل تقدمها أيضا لمستعمريه القدامى و الجدد و اليافعين كالصين ، و لعدد محدود من المقيمين فيه ؛ و في طليعتهم أطراف تحالف المحيط الذي اقترحه بن جوريون العام 1957 ؛ و في طليعتهم إيران . فلنفحصْ هؤلاء الأخيرين سريعا !

إن إيران المتعافية بجهودها الذاتية ، و تحت وطأة العقوبات ، و بدعم من بعض الدول ؛ تواجه مع الوباء فرصا هائلة و تحديات أكثر هولا . و يضاعف صعوبة اغتنام الفرص أو مواجهة التحديات أمامها ؛ أنها تمثل قضايا للتنافس و الاشتباك و الصراع المحتمل مع أطراف عديدة ؛ في مقدمتها الولايات المتحدة و إسرائيل ، و يتصدر ذلك إجبار الحكومة العراقية الهشة و حكومة الإقليم الكردي ؛ على القبول بقواعد عسكرية أمريكية دائمة على أراضيها لعقود تالية ، و إطلاق طهران يد المجموعات التابعة لها هناك في استهداف القوات الأمريكية التي ستبقى وحدها ؛ مع اكتمال سحب ما يسمى بقوات التحالف الدولي - و هي عملية بدأت بالفعل . و سيتواجه الطرفان بطريقة مماثلة و أكثر تعقيدا في سورية ؛ مع إضافة العامل الإسرائيلي و التركي و العربي و الروسي بالطبع .

أما تركيا التي اختارت عدم سحب قواتها المنتشرة في الخارج - مثلما توقعنا - و التي ستتعرض منظومتها الصحية القوية للإرهاق ؛ مع تقديرات شخصية لحجم إصابات ضخم بالوباء - فيتوقع أن تخرج منه و قد أدمتها الجراح الاقتصادية و السياسية الداخلية بقسوة ؛ بيد أن مهمتها ستكون أقل صعوبة في اغتنام بعض الفرص المتاحة و التحديات المستجدة ؛ حيث تتواجد مساحات للتقاطع بين مصالحها و مصالح اللاعبين الأكثر تأثيرا ؛ خاصة في سورية . لكن الموقف العام لها ستحكمه بالأساس الأوضاع الاقتصادية و السياسية الناشئة ما بعد الوباء ؛ و هي أوضاع سيشكل أداء حكومة إردوجان معها ، و احتمال تسريح المزيد و المزيد من العمال ، و عبء اللاجئين و المرتزقة و العمليات الخارجية - عوامل حاسمة في بلورته .

و أما إثيوبيا التي استشعرت استحالة استمرار تدفق سيل الموارد المالية لاستكمال بناء السد على النيل الأزرق ، و ابتدأت حملة مفاجئة لجمع التبرعات من مواطنيها لهذا الهدف ، و فتحت خطا للتعاون يزداد سخونة مع الديكتاتور العنصري إردوجان - فيمكن القول إن لديها تقديرات مختلطة و مرتبكة بشأن الفرص و التحديات مع الوباء ؛ دفعتها إلى الإعلان عن البدء بملء خزان السد مع حلول موسم الأمطار المقبل ، و اتخاذ المزيد من إجراءات الحماية العسكرية لمنشآته و مواقع العمل فيه ؛ في ظل احتمالات قوية لها ما يبررها بتفشي الوباء في البلاد - و قد سجلت مؤشرات للوباء تتطابق مع المؤشرات العامة العالمية - على نحو يخرج عن سيطرة نظامها العنصري الحاكم الذي يعاني عجزا مزمنا في تلبية الاحتياجات الصحية و التعليمية للسكان ، و شعورا متناميا لدى المجموعات المضطهدة منهم بالغضب .

إن الحالة الإثيوبية - على وجه التحديد - توضح بجلاء مضمون التحدي المزدوج الذي أشار إليه كيسنيجر في الوول ستريت جرنال قبل أيام ؛ و هو " تحدي إدارة الازمة و بناء المستقبل في آن واحد " ؛ تحت دقات الطبول ، و هو تحدٍ يتوجب أن يأخذ معه جميع من يواجهونه الآن بعين الاعتبار ؛ نصيحة الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون الذي عمل معه هذا العجوز المخضرم لسنوات طويلة ؛ بشأن الاستحواذ على الغنائم . و هي نصيحة تفترض منطقيا أن القناص يمتنع بداهة عن محاولة الاستحواذ على ما لا طاقة له به ، و يدرك أن حسابات و سلوكات قاطني الغابة تختلف في أوقات الشدة و المحنة !! و إلى حديث آخر .




تعليقات الزوار