إغلاق
أحاديث البيت ( 9 ) : استراتيجية قَوْم دافوس DAVOS !! - بقلم: عبد المجيد إبراهيم- القاهرة
السبت   تاريخ الخبر :2020-04-25    ساعة النشر :12:42:00




سنفترض أن الشيطان الذي اختبر مهارة ابنه فجاءنا هذا الأخير " النابغ " بالوباء التاجي المدمر؛ هو " العولمة GLOBALIZATION " !!

إنه افتراض يبدو وجيها ! و لكن سيكون علينا أن نختبره ، و أن نحاول الوصول إلى نتيجة محددة بشأن هوية ابن الشيطان ، و من ثم وصف الاستراتيجية التي اتبعها لنشر الوباء .

بمقدورنا الزعم بأن الدليل القاطع الدامغ الذي يدين العولمة هو كونها مجرد اصطلاح مبهم ؛ يشير إلى مزيج من ظواهر جديدة تغذيها قوى غير معتادة . و قد أعادت هذه الظواهر بالفعل تشكيل النظم و العلاقات الاجتماعية في كل أرجاء العالم ، و هي تعمل على هذا النحو منذ أكثر من ثلاثة عقود . إنها مفهوم خفي غير واضح لا نلمسه لكنْ نستشعره ، نتقصى أثره و لا نعثر عليه - كأنها " الشيطان " الذي تصفه بعض النصوص الدينية بالتنين العظيم المخادع الذي يضمر العداوة للبشر !!

فالعولمة أو العالمية أو الكونية اصطلاح يثير أفكارا متزاحمة لا تصل إلى نهايات حاسمة . و لنتأملْ هذا التعريف كمثال : " العولمة هي جميع التطورات التي تسعي بطريقة عفوية أو مقصودة لدمج البشر في مجتمع عالمي واحد " . و المدهش أنك لا تستطيع - منذ ذلك الحين - أن تعثر على مداخلة واحدة مقنعة لأي من منظريها المراوغين تكشف عن ماهيتها ؛ باستثناء وحيد صادفني قبيل بدء الألفية الثالثة ؛ توصف فيه بأنها " وحدة المصير بين الجميع في مختلف الدول و المجتمعات التي تنشئ مصالح متقاطعة مشتركة بين الكل ؛ استنادا إلى إسهاماتهم ؛ على أساس الصداقة و المساعدة المتبادلة . و هي مصالح تستلزم حماية أمن الجميع و مساعدتهم على التقدم و الازدهار " . و هذه بالضبط هي هيكلية " الأمميّة البروليتارية " !!

و الواقع أن أبرز الظواهر المتصلة بالعولمة هي ثورة الاتصالات التي تعد المحرك الرئيس للتطور البشري و الحضاري على مدار التاريخ . و الاتصالات تنطوي على حزمة جوهرية ناشطة من العوامل الرئيسة و الفرعية الدافعة إلى التغيير ؛ في مقدمتها حركة انتقال الأفراد باستخدام مختلف وسائل النقل المعروفة في داخل البلد الواحد و عبر العالم .

و هكذا نكون قد وضعنا يدنا في ما أظن – و من باب الاشتباه - على ابن الشيطان !!

لقد عظّم تطور هذه الوسائل ، و الطفرة التي وقعت في مجال الاتصالات عموما - تأثيرها على حجم و نطاق و سرعة التغيير في المجتمعات ؛ حتى إن مواطنا كنديا أو سعوديا مثلا كان بمقدوره - مطلع التسعينات - أن يستجيب لإعلان ينشره متجر هارودز بانتظام للتسوق في المتجر و العودة إلى بلاده مباشرة ! و بمرور السنوات ؛ أصبح العالم أمام فيض متدفق من المسافرين من مختلف الطبقات لأغراض عديدة - تقليدية و غير تقليدية - وسّعتها أو أنشأتها العولمة .

و بالإضافة إلى ذلك ؛ فإن الإنجاز التاريخي الفارق في محيط اختصار الزمن و الطاقة و قهر المسافات الذي راكمه التطور التكنولوجي الفائق و المتسارع ؛ جعلنا بصدد وحدات إنتاجية و خدمية لا تتوقف عن الضخ و التشغيل ؛ ما دعا إلى احتدام المنافسة على الأسواق ، و نشر البنى الانتاجية و الخدمية حتى الترفيهية التي يملكها كبار الرأسماليين في المجتمعات الأخرى . و هذه العلاقة تبين بوضوح آلية التفاعل بين الأسباب و النتائج في عملية التغيير ؛ فكل سبب يدفع إلى نتيجة تصبح سببا لنتيجة جديدة ، و هكذا .

فالأمر لم يتوقف - كما نلاحظ - على الصفوة من أنصار العولمة و محركيها و المستفيدين منها من قوم دافوس ؛ إنما ضمت حركة التنقل الهائلة حول العالم سنويا المليارات من الشغيلة من الطبقة الوسطى و الكادحين التي تخدمها كظاهرة : سائحون عمال حرفيون مهنيون رجال أعمال موظفون خبراء مبتكرون ماليون فنيون دارسون مدرسون متدربون استشاريون تجار مقاولون مسوّقون صحافيون عملاء سريون فنانون رياضيون منتجون مدربون محامون ؛ إلى آخر ذلك من المنتمين إلى مختلف الطبقات التي أعادت العولمة تشكيلها .

و تشير المعلومات المتاحة الآن - و مصدرها الحكومة الصينية - إلى أن 5 ملايين شخص سافروا خارج ووهان بعد انتشار الفيروس فيها ؛ و قبل أن تقوم السلطات بإغلاقها و عزلها بالكامل !!

إن الخرائط و البيانات و الرسوم الإحصائية التي تعدها منظمة الصحة العالمية ، و غيرها من جهات متخصصة ؛ و التي تخبرنا بالتغيرات اليومية حول مدى انتشار الوباء التاجي ، و تأثيره - رغم أنها تخضع أحيانا للتلاعب بواسطة الحكومات التي لا تستحوذ في الواقع و بغير استثناء على بيانات دقيقة - تكاد تتطابق مع مثيلتها المتعلقة بحركة السياحة الدولية ، و المدن الأكثر زيارة في العالم ، و عدد رحلات شركات النقل ، و عدد الركاب المنقولين التي تسجل على مستوى العالم كل عام - و التي تنشر بمعرفة المنظمات و الشركات المعنية ؛ كالمجلس الدولي للمطارات و ماستر كارد و غيرهما .

فالدول العشر الأّولَيَات ( وقت كتابة هذه الكلمات ) في عدد حالات الإصابة بالوباء التاجي ؛ باستثناء إيران و بلجيكا منها ؛ تحتل هي نفسها ؛ باستثناء المكسيك و تايلاند منها - المراكز العشرة الأولى في عدد السائحين الزائرين لها ، و في عدد الركاب الذين يمرون عبر مطاراتها سنويا - طبقا لإحصاءات 2018 . و علينا أن نتوقع - طبقا لهذه العلاقة الواضحة - أن تصل ماليزيا و إندونيسيا و تايلاند و و المكسيك و البرازيل و الإمارات قريبا إلى مراكز متقدمة في قائمة الإصابات و الوفيات أو معدلاتها . و هذه العلاقة نفسها تنطبق على مراكز أو بؤر انتشار الوباء في جميع أرجاء العالم من مثل : لومبارديا ( ميلانو ) و نيويورك و و مومباي و إسطنبول و أنطاليا و قُم و طهران و النجف و باريس و لندن ، و غيرها من المدن الأكثر استقبالا للمسافرين و الأكثر تلوثا بيئيا ، و تنطبق أيضا على الدول التي تضم أكبر مطارات العالم من حيث حركة الركاب ؛ و هي الولايات المتحدة و الصين اللتان تضمان معا 22 مطارا من بين 50 مطارا هي الأكثر استقبالا للمسافرين في العالم ؛ بعدد مسافرين يفوق 1.4 مليار مسافر سنويا ؛ من بين إجمالي عدد المسافرين حول العالم الذي بلغ العام 2018 نحو 4 مليارات مسافر - مع العلم بأن البلدان التالية لهما حسب هذا المعيار هي بريطانيا و إيطاليا و البرازيل .

ويؤكد مبررات الاشتباه في الاتصالات ( و تحديدا ؛ انتقال البشر ) كسبب مباشر للوباء ، و النظر إليها باعتبارها هي ابن الشيطان - كون الوباء التاجي هو الأول في تاريخ الأوبئة المدون الذي يجتاح جميع أرجاء العالم في آن واحد و بغير استثناء ، و يعزز الاشتباه بها أن الدول التي تسجل أدنى معدلات السفر و السياحة و رحلات الطيران و الانتقال عموما هي الأقل في أعداد المصابين بالفيروس ، و أن الإجراء الذي عُمّم و أظهر فاعلية أكبر في تطويق الجائحة إلى الآن كان إيقاف الرحلات و إغلاق الأجواء و عزل المدن و المناطق و حظر التنقل .

و مع تقديرنا لحاكمية هذا العامل في تفشي الوباء ؛ فلا بد من أن نذكّر بما نبهنا إليه عرضا في أحاديث سابقة و هو مسألة الخصوصية التي تتمتع بها كل حالة منفردة . فعندما نكون بصدد عملية تغيير واسعة النطاق تؤثر على وحدات كثيرة بفعل عوامل كبرى واحدة و مؤثرة ؛ يجب أن نتوقع أن تتفاوت هذه الوحدات في مقدار المقاومة أو الاستجابة لمسببات أو عوامل التغيير الكبرى ، و أن نحيل ذلك بديهيا إلى عوامل فريدة تخص كل وحدة منفصلة . و هذا ينطبق مثلا على دولة مثل إيران و إسرائيل أو غيرهما .

فالسؤال المطروح هنا يكون عن الطريقة التي يعمل بها الشيطان و ابنه ضمن شروط استثنائية متباينة ؛ مع ملاحظة أننا نفكر و نحلل و نفتش عن الإجابة في ضوء الشروط التي كانت قائمة قبل تفشي الوباء ، و التي تعتريها تغييرات - هي الأخرى - خلال مرحلتي انتشاره و ما بعد انسحابه . و إلى حديث آخر .




تعليقات الزوار