إغلاق
أحاديث البيت ( 10 ) : استراتيجية خميرة العجين YEAST S’BAKER - بقلم: عبد المجيد إبراهيم-القاهرة
الجمعة   تاريخ الخبر :2020-05-01    ساعة النشر :19:00:00





اتفقنا في السابق على أن السمات أو العوامل الفريدة التي تخص كل دولة تلعب دورا جوهريا في تثبيط أو تحفيز أثر العامل الرئيس المسبب للوباء ؛ أي عامل الاتصالات و متغيراته التالية ، و ما يتفرع منها من متغيرات . و مثال ذلك حجم القطاعات الخدمية في الاقتصاد القومي ، أو مدى قدرة الدولة على تقديم مساعدات اجتماعية طارئة لمواطنيها .

و نضيف اليوم أن تأثير ما نسميه بالعوامل الفريدة يستمر - و قد يتسع - في مرحلتي تفشي الوباء و مواجهته ، و ما بعد انسحابه . و هذا يعني أنها تؤثر ابتداء في مدى تفشي الوباء ، و ثانيا في مآل الاستراتيجية التي يجري تنفيذها لمواجهته ، و ثالثا في وضعية الدولة و قدرتها على التعافي بعد انسحابه .

و بمعنى إضافي و موازٍ ؛ فإن هذه العوامل الفريدة هي جانب جوهري و فارق من الاعتبارات التي تشكل استراتيجية الدولة في مواجهة الوباء ، و تميزها عن استراتيجيات غيرها من الدول ، و يضمن الوعي بها و فهمها صياغة استراتيجية فعالة ، تمكّن من تحقيق أهدافها الرئيسة التي يفترض مثاليا ألا تخرج عن السيطرة على الوباء ، و التقليل من خسائره البشرية و الاقتصادية .

و بسبب استحالة فحص مختلف الحالات - مثلما أسلفنا - فإننا سنحاول تسمية مفردات عينة كبيرة من العوامل الفريدة التي يمكن أن نشاهد توليفات متباينة منها ؛ في هذه الدولة أو تلك .

و قبلها يلزم أن نذكّر بأن النتائج التي نحصل عليها من تجارب منضبطة تحكمها عوامل ثابتة ؛ لا تكون متطابقة دوما ؛ حتى في مجال العلم الطبيعي التجريبي . لكنّ الفارق بين النتائج المتحققة

و المستهدفة لهذه التجارب في العلوم الاجتماعية الإنسانية ؛ يكون متسعا و نوعيا و حتميا . و هو ما يستدعي ما يسميه علماء الاجتماع التجريبيون بالتدخل INTERVENTION البعدي ، بما يتسق مع طبيعة كل حالة ؛ للوصول إلى النتائج المستهدفة نفسها ؛ لكنهم لا يحققون هذا الهدف أبدا .

فما بالنا إذن بعمليات التغيير التي تنطلق عفويا بتأثير متغيرات عمياء تؤثر هي ذاتها على جميع المجتمعات البشرية ؛ و في وقت واحد ، و هي الحالة التي ندرسها مع الوباء . ببساطة ؛ علينا أن نكون متأكدين من أن النتائج التي ستحصل في كل مجتمع منها ؛ ستكون مختلفة - بقدر أو بآخر ، و بشكل أو بآخر - عنها في أي من المجتمعات الأخرى . و لن يغيب عن فهمنا - بالطبع - أن اختلاف النتائج سيكون مردوده تباين سمات و طبيعة و ظروف كل منها ، أو ما ذهبنا إلى تسميته بالعوامل الفريدة التي تحدد مجتمعة مدى و كيفية تأثر المجتمع بالعوامل المسببة للتغيير .

و الآن ؛ هذه هي العينة التي قلنا إننا سنسمي مفرداتها ؛ لنفحص على هديها حالات منتقاة ؛ بمعنى أن مجموعة معينة من هذه المفردات ستعادل في واقع الأمر الشروط الاستثنائية التي يعمل فيها التغيير مع الوباء في دولة ما أو مجتمع ما ؛ نرغب في فحصه من الزاوية التي ندرسها :

قدرة و كفاية النظام الصحي – مستوى الوعي و الثقافة و التعليم للسكان – حجم و توزيعات السكان بحسب العمر و الدخل و الطبقة و النوع GENDER و المهنة و نمط الأسرة – حالة التوازن بين ملكية و نوعية الاقتصاد – مدى سيطرة الدولة على حدودها و أراضيها – كثافة و توزع السكان الجغرافي – طبيعة التخطيط العمراني – التقسيم الإقليمي الحضري الريفي – حجم المدخرات الشخصية و الثروة القومية و توزعها – سمات الجنسGENUS و العرقRACE البشري – نمط العادات و التقاليد الاجتماعية – كفاية الإدارة و عملية صنع و اتخاذ القرار على مختلف المستويات – درجة الاعتماد على الخارج بصدد الاحتياجات الإنتاجية الاستراتيجية – حجم العمالة اليومية – نسبة العمالة الوافدة – وجود مراكز أو مزارات سياحية أو دينية أو مالية أو إدارية جاذبة – حجم الجاليات الأجنبية – القدرات العسكرية و الأمنية و المخابراتية – قدرات المؤسسات المعنية برسم الاستراتيجية و حماية الأمن القومي – كفاية المراكز العلمية و البحثية خاصة المعنية بالطب و الاقتصاد و المال – ثقة السكان في الحكومات القائمة – التماثل أو التنوع الاجتماعي و العرقي و الطائفي و الديني و المذهبي – الاستقرار السياسي – مصداقية وسائل الإعلام – مستوى الصحة العامة و النفسية للسكان – قدرة الدولة على التعبئة – حجم و كفاية قطاع المواصلات و الاتصالات و بنيته التحتية – حجم المخزونات الاستراتيجية – الخضوع لعقوبات خارجية أو ندرة موارد معينة – وجود نزعات انفصالية أو مجموعات معارضة مسلحة – وجود أقاليم أو مناطق معزولة خارج السيطرة – الانغماس في صراعات مسلحة داخلية أو خارجية أو عبر الحدود – مدى سيطرة القيم التقليدية المعطِّلة – مقدار التحول إلى المجتمع الرقمي – الحالة المعنوية للسكان و قدرتهم على الصمود و المقاومة – مدى شيوع أنماط التكافل و الدعم الاجتماعي و المبادرة الشعبية – القدرة على الحصول على الدعم الخارجي وقت الأزمات – تعرض مجموعات سكانية للتمييز أو الاضطهاد المزمن – مدى قوة الاقتصاد و مؤشراته و حجم الثروة مع بدء تفشي الوباء – سرعة استجابة السلطات للوباء – أيدلوجية القيادة و النخبة الحاكمة – حجم و تموضع الهجرات الوافدة – مدى اتساع المساحة الجغرافية للدولة – نظرة المجتمع لقيمة الموارد البشرية – الاكتفاء الذاتي من المنتجات الغذائية الحيوية – قدرة القوة البحرية العسكرية و التجارية – العلاقات مع الجيران – معدلات الفقر و البطالة .

إن تدارس مثل هذه العوامل و غيرها مما لم نأتِ على ذكره في الحالة الإيرانية - كمثال - يفتح أمامنا آفاقا واسعة للتنبؤ بشأنها ؛ في ما يخص السيطرة على الوباء ، و الأثمان التي ستدفعها في المقابل ، و الفرص و التحديات المستقبلية التي تنتظرها .

بداية لنتفق على أن العقوبات المتطاولة المفروضة على إيران هي اعتبار حاكم للاستراتيجية التي وضعتها لمواجهة الوباء ؛ من حيث إنها أرهقت إيران بشدة ، و ضيقت أمامها آفاق التنمية الاقتصادية و الاجتماعية ؛ مع وجود بعض الاستثناءات القطاعية . و الحكومة الإيرانية - مثل حكومات أخرى كثيرة - تخفي البيانات الحقيقية المتعلقة بمؤشرات الوباء و تتلاعب بها . و حتى إذا ما تم الاستناد إلى الأرقام المعلنة ؛ فإن إيران تتجاوز المتوسط العام العالمي لحالات الوفاة جراء الوباء ؛ متخطية نسبة % 7 ( يرفعها مركز الأبحاث التابع للبرلمان الإيراني إلى % 9 محسوبة من 750 ألف إصابة و 9 آلاف وفاة ؛ يرى المركز أنها تعبر عن الحقيقة ) . و بذلك ؛ يمكن أن نتوقع أن حالات الوفاة بالفيروس قد تطال نحو 2 1. مليون إيراني ؛ من إجمالي عدد السكان البالغ نحو 85 مليون نسمة ( بافتراض أن يصيب الوباء نحو % 20 فقط من السكان ) . و هذا ما يمكن اعتباره أسوأ سيناريو ممكن ؛ مع احتمال تعرض الرقم المتوقع للتخفيض بفعل تشديد إجراءات الوقاية ، و تحسن أداء المنظومة الصحية المتهالكة ، و المساعدات التي تتلقاها طهران من الخارج ، و ربما عامل مناعة القطيع ، أو أي عامل آخر مستتر أو مستجد .

و لمّا كانت إيران التي كان عدد سكانها في 1980 نحو 40 مليون ؛ مستعدة لأن تفقد على مدار سنوات الحرب مع العراق نحو 300 ألف شخص - فلماذا لا تكون مستعدة للقبول بفقدان عدد الوفيات المتوقع من حجم سكان مضاعف و يزيد في 2020 ؛ بفعل ضربات عدو غير ملموس ، و لا يتحداها قوميا و مذهبيا في ميدان القتال الفعلي ؛ في وقت تقع فيه تحت طائلة العقوبات - في مقابل منع الانهيار الكامل لاقتصادها المتداعي و حماية وجودها و وحدتها الإقليمية ؟!

إنها معادلة مغرية للقادة في طهران - كما يبدو ! فمن المحتمل جدا أن تكون هذه هي خميرة عجينة استراتيجيتها للمواجهة ؛ بالنظر إلى اتساقها مع العوامل الفريدة المرتبطة بالدولة ، و مع الأهداف التي وضعتها لتلك الاستراتيجية مثلما سنرى . و إلى حديث آخر .




تعليقات الزوار