إغلاق
أحاديث البيت ( 11 ) : استراتيجية دعسٍ النَّاموس !! - بقلم: عبد المجيد إبراهيم- القاهرة
السبت   تاريخ الخبر :2020-05-09    ساعة النشر :09:50:00



إذن ؛ الاستراتيجية التي وضعها المخطط الإيراني في مواجهة الوباء تنتمي إلى النموذج اللاإنساني الذي وصفناه سابقا ؛ لكنها لا ترقى إلى الحالة الأمريكية المثالية التي طالتها بعض التعديلات تباعا . إنها استراتيجية أقرب ما تكون إلى ما نسميه في الممارسة السياسية " يمين الوسط " . و ترتكز هذه الاستراتيجية بقوة على " عامل فريد " جوهري في الثقافة الوطنية الإيرانية ؛ هو روح الصبر و المثابرة ، و القناعة بفكرة المظلومية و الاستضعاف ، و الإيمان العميق بعقيدة الجهاد و الشهادة . و هذا اعتبار مهم في امتصاص الغضب الشعبي المحتمل ؛ جراء وقوع عدد كبير من الوفيات ؛ يكون من الممكن توظيفها لتخفيف العقوبات المفروضة على إيران أو شطبها ؛ كهدف حيوي للقيادة ، و قبلها لمنع انهيار الدولة و انزلاقها إلى الفوضى ؛ بفعل تهاوي الاقتصاد . إنها استراتيجية شديدة الواقعية ! و يغري المخطط الإيراني باتباعها الكثير من العوامل الفريدة الأخرى التي تجعله قادرا على التحكم فيها و إدارتها ، و تعزز فرص نجاحها .

فعلى الرغم من أن إيران بعيدة تماما عن الوضعية العامة التي يفضلها " ابن الشيطان " ؛ إلا إنها تملك شبكة اتصالات داخلية قوية متنوعة ذات معدلات تشغيل عالية ؛ تتحرك مع اتجاه الوباء : من الشرق إلى الغرب . ] و قد أفاد مسئول كبير في وزارة الصحة الإيرانية في وقت لاحق لكتابة مسودة هذا الحديث بأن ربع الإصابات في إيران يحدث في وسائل النقل العام [. و لحركة انتقال البشر في الداخل الإيراني علاقة وثيقة بمركزين دينيين مهمين بالنسبة إلى المسلمين الشيعة الذين يفدون إليهما بالملايين سنويا من كل أنحاء العالم ؛ هما : مدينة قُم ؛ حيث تعمل الحوزة العلمية ، و قد رصدت في مقدمة بؤر تفشي الوباء في البلاد ، و مدينة مَشْهد التي فيها العديد من المزارات الدينية ؛ و على رأسها مرقد المعصومة . و يدعم هذه العوامل ، و العوامل التالية لها أو المترافقة معها في التأثير ؛ كون إيران مركزا لالتقاء أقاليم القارة الآسيوية ؛ بما فيها آسيا الوسطى ، و المساحة الجغرافية للبلاد التي تقارب مساحة بريطانيا و فرنسا و إسبانيا و ألمانيا مجتمعة ، و التفاوت الشاسع في مستوى التحضر على حساب الشرق و الجنوب الشرقي ؛ ما يجعل من العاصمة طهران - كغيرها من كثير من عواصم إقليم الشرق الأوسط - مدينة مستقبلة للوافدين من بقية أقسام الدولة بأعداد يومية كبيرة ؛ و هي التي تضم ما يزيد على عشر سكان البلاد ، و تتصدر مع قم مشهد الوباء ، و فيها سُجل ثلث إجمالي الوفيات في إيران ( نحو ستة آلاف في 2 مايو ) . يضاف إلى ذلك أن إيران لديها واحد من أعلى معدلات النمو الحضري في العالم ؛ بنسبة % 75 تقريبا ؛ فهي تضم العديد من المدن الكبرى من حيث عدد السكان ؛ منها مدن صناعية ضخمة مثل أصفهان و تبريز . و على ذكر الصناعة ؛ فمن المعروف أن إيران لها تاريخ عريق في صناعة الحافلات و السيارات ، و قد تعزز مع العقوبات إقبال المواطنين على شراء السيارات المصنعة محليا ؛ ما عقّد و كثف عملية انتقال البشر في الداخل - باستثناء المنتمين إلى الطبقة العليا الذين يستخدمون سيارات مستوردة من مختلف الماركات العالمية .

لكل هذا ؛ يجد ابن الشيطان موطأ لقدم بل لقدمين في إيران ! بمعنى أن الدولة الإيرانية المكبلة بالعقوبات لها وضعية مناسبة تماما لتفشي الوباء ، و بطريقة لامركزية ؛ أي على امتداد مساحتها الجغرافية ، و هذا يعسر جهود مواجهته ، و يضيف عاملا زائدا إلى العوامل المساعدة على انتشاره .

و إذا أضفنا إلى ما تقدم مؤشرات محددة تتعلق بالعامل الديموجرافي ؛ سندرك مدى تداخل حسابات المخطط الإيراني في رسم استراتيجية ناجعة ؛ لدولة يتجاوز عدد سكانها ممن تقل أعمارهم عن 40 عاما نحو % 60 من إجمالي عدد السكان ، و تعيش فيها أقليات دينية و عرقية عديدة لم يجرٍ مزجها اجتماعيا في الإطار القومي العام إلى حد الآن .

فإذا ما قام المخطط الإيراني بالنظر إلى وضعية الدولة الاقتصادية و الخدمية - تحت منظومة العقوبات الأمريكية - في سياق العوامل المتقدمة ؛ لتبين له ببساطة أن وصفة استراتيجية تأخذ بأي قدر مؤثر من القدرة الاقتصادية الباقية للدولة ؛ هي وصفة للانتحار الفوري ، و أن ما يمكن الأخذ منه - و لكن بحذر أيضا - هو القدرة البشرية التي يمكن تعويضها لاحقا في ظل دولة حافظت على مفاصلها سليمة . و لعله ساءل نفسه - و هو ينسج استراتيجيته تلك - عن عدد العاطلين الذين يجب الدفع بهم إلى إجمالي العاطلين في البلاد ، و القدر اللازم من الأموال المباشرة للتقدم بتدابير اقتصادية عاجلة للمواطنين ؛ إلى آخر ذلك من تضحيات كارثية مع استراتيجية تكرس لحماية مطلقة للبشر – و هو ما لا يفعله حتى النموذج المنتمي للاستراتيجية الإنسانية للمواجهة في صورته المثالية الافتراضية .

إن ما هو أجدى بالأخذ بالاعتبار عند المخطط الإيراني - طبقا لفهمنا - سيكون بالطبع مدى تعرضية البلاد للوباء ، و مدى قدرتها على تحجيمه ، و بطريقة تبادلية ؛ مدى قدرتها على احتواء التعبيرات المحتملة عن الغضب أو التمرد على المستوى الشعبي أو الطائفي أو المذهبي . و هنا تحضر لدى المخطط القدرات الهائلة للدولة على التعبئة العسكرية و الأمنية ، و على استخدام أدوات أخرى غير عنفية يمكن تشغيلها كالتضامن الاجتماعي الشعبي ، و المبادرات الفردية و الشعبية لدعم المحتاجين ، و الإسهامات التي يمكن أن يقدمها الأثرياء من الطبقات العليا و المتوسطة المالكة و رموز السلطة و الأجهزة العسكرية و الأمنية ، و المساعدات الخارجية ؛ خاصة من منظمة الصحة العالمية ، و قروض محتملة من صندوق النقد الدولي تسعى إليها طهران بالفعل ، و ابتكار إجراءات تقييد فعالة للتنقل ؛ غير معطلة لحركة الاقتصاد و الإنتاج ؛ خاصة ما يتعلق بالاحتياجات الغذائية و الصناعة الثقيلة و المتوسطة ؛ مع السعي الى تطوير القدرات الصحية بصفة عاجلة ، و إعطاء الأولوية لاستغلال المزايا النسبية لطهران في قطاعات البحث العلمي ؛ خصوصا في مجالات الطب و الهندسة الطبية و الطب النووي و الاستشعار من بعد ؛ وصولا إلى إنجاز علمي سريع يعالج المشكلة جذريا و بضربة واحدة ؛ قد يبدأ بعدها النموذج في عبور منتصف المقياس يسارا باتجاه نموذج إنساني - لو تجسد لكان نادرا و مبدعا للغاية في التقييم الاستراتيجي ! و سيكون ذلك شبيها للاستراتيجية التقليدية التي سبقت الوسائل الحديثة لقتل الناموسة ؛ حيث يترك لها المجال لامتصاص دماء ضحاياها ؛ حتى تطمئن و تمتلئ و تسترخي ؛ ليباغتها المرء بضربة واحدة - في الاتجاه المعاكس لطيرانها - تدعسها و تقضي عليها !

و عموما ؛ فإن اختيار الحالة الإيرانية للبحث و الفحص ، و استدعاء هذا التشبيه - يبين المدى المحدود الذي تتركه العقوبات الاقتصادية كأداة سياسية للأبرياء ؛ للبقاء على قيد الحياة . و إلى حديث آخر .









تعليقات الزوار