إغلاق
أحاديث البيت ( 12 ) : استراتيجية بنيامين " الأول" بقلم: عبد المجيد إبراهيم- القاهرة
الاثنين   تاريخ الخبر :2020-05-11    ساعة النشر :09:46:00




" لقد شكّلنا فريقا يعنى بالتخطيط للخروج من الأزمة ( الوباء ) يضم خِيرة الأدمغة "

( بنيامين نيتانياهو يغرد على تويتر بتاريخ الثاني من مارس 2020 )

و بفضل الأدمغة التي تحدث عنها رئيس الحكومة المكلف ؛ قاصدا بالطبع الطاقم الذي قام ببناء استراتيجية إسرائيل لمواجهة الوباء ؛ تم تسجيل واحد من أدنى معدلات الوفيات بسبب الإصابة بالفيروس التاجي ؛ ظل ثابتا لفترة طويلة عند % 1 تقريبا ؛ و ارتفع أخيرا بسبب التناقص المضطرد لأعداد المصابين ؛ طبقا للأرقام المعلنة تباعا التي تتحدث عن أعداد محدودة من الإصابات و الوفيات : 16454 إصابة و 247 وفاة - في 10 مايو ؛ في بلد يبلغ تعداد سكانه نحو 9 ملايين نسمة . و لهذا السبب على الأقل ؛ فإن هذه الاستراتيجية تعد جديرة بالفحص من جانب المهتمين بالمجال الاستراتيجي ؛ من باب تعميم الفائدة . و يوجد سبب آخر لا يقل أهمية يجعلها هكذا ؛ هو أن رئيس الحكومة كان روّج لتوقعات مبدئية تصل إلى 1.5 مليون إصابة ، و 22 ألف وفاة ، و تحدث عن هدف إجراء 15 ألف فحص يومي ؛ و إن لم يتحقق فعليا إلا أقل من نصف هذا الرقم . و من اللافت ؛ حسب إفادة لقائد الجبهة الداخلية ؛ أن مناطق الوباء الحمراء محدودة ، و كانت القدس و بني براك ( وسط البلاد ) تتصدرها ، و أن ربع الوفيات وقع في القدس ؛ خاصة في أحياء الحريديم ، و ثلثها في دور رعاية المسنين ، و البقية حدثت غالبيتها في الوسط العربي و الحريدي و العائدين من الخارج . و كل هذه بيانات تحسب للاستراتيجية بالإيجاب من الناحية التقنية ! لكن قد يكون الإعلان عنها - هي بالذات - جانبا من المكون الإعلامي الداعم للمكونات الأخرى للاستراتيجية ؛ بهدف طمأنة السكان ، و رفع معنوياتهم ، و تعظيم شعورهم بالانتماء ، و إقناعهم بتنفيذ تعليمات الطوارئ ، و الانصياع لإجراءات التباعد الاجتماعي و العزل و تقييد الحركة التي تعد فاعلة بقوة و غير مكلفة نسبيا .

و إذا كان لدى إسرائيل عاملان فريدان بمقدورهما مبدئيا تقليل مجال تفشي الوباء أولا ؛ ثم إسناد استراتيجية ناجزة لمواجهته ؛ و هما انخفاض عدد السكان و المساحة الجغرافية المحدودة ؛ فإن هذين العاملين في الحالة الإسرائيلية يبدوان غير مؤثرين في مواجهة استراتيجية ابن الشيطان ، بل يجعلان إسرائيل أكثر تعرضية لتأثيرات الوباء ؛ بفضل عوامل فريدة أخرى فرعية سنأتي على ذكرها . و مع ذلك فقد انحاز المخططون الإسرائيليون إلى صياغة استراتيجية تنتمي إلى النموذج الإنساني الذي وصفناه في السابق . و حدث هذا أيضا في وجود عوامل أخرى تدفع بقوة أكبر باتجاه تبني استراتيجية تنتمي إلى النموذج المعاكس !!

فالواضح إذن أن عملية الاختيار بين النموذجين حكمتها عوامل فريدة استثنائية محددة ؛ بدا للمخطط الإسرائيلي أنها أكثر استحقاقا لأخذها في الاعتبار ، و البناء عليها .

إن توزعات السكان في إسرائيل ، و الهرمان العمري و الطبقي اللذان يعبران عنهم ، و التوزعات الخاصة بهم جغرافيا ؛ مع انخفاض عددهم مقرونا بضيق مساحة الدولة - يفترض أنها تعارض قطعيا استراتيجية تنتمي إلى النموذج الإنساني . فما الذي يدفع المخطط الإسرائيلي لاختيار هذا النموذج ؟!

العامل الأساس - في تقديرنا - هو فكرة العودة التي لها أساس ديني ، و التي تم الاستناد إليها مع أفكار أخرى في إنشاء الدولة ، و حماية وجودها و بقائها ، و التي عمادها الرئيس الهجرة - هعليا ( أي الصعود ) إلى فلسطين التاريخية . و لقد مكّن ذلك على مدار عقود من الوصول الى حجم سكاني ملائم لدولة في محيط يتمتع بثروة بشرية هائلة ؛ ليعاد أخيرا بلورة الفكرة في قالب جديد ؛ هو اعتبار دولة إسرائيل الملاذ الآمن لكل يهود العالم الذين يناهز عددهم 15 مليون تقريبا ؛ ملاذا يحميهم و يدافع عنهم . و يترجم هذا بشكل مباشر و منطقي أن تكون حماية البشر مهمة أساسية للدولة ، و أولوية لأية حكومة قائمة ؛ لا تتقدم عليها أية أولوية أخرى . و لهذا ؛ يكون مفهوما أن العوامل التالية للعاملين الرئيسين في صياغة أية استراتيجية للمواجهة ؛ تؤرق المخطط الإسرائيلي نظريا أكثر من عاملي الاقتصاد و البشر في حد ذاته ؛ بما في ذلك تحاشي انتشار الفوضى و الجريمة و العنف ؛ و بخاصة العنصري .

و من العوامل الأخرى التي يبدو أنها عززت الأخذ باستراتيجية تنتمي إلى النموذج الإنساني ؛ مؤشر الرفاهية المرتفع ؛ بصرف النظر عن المشكلات الهيكلية في الاقتصاد ، و انتشار الأحزمة السوداء حول المدن ؛ إلى جانب توافر الموارد المالية المباشرة في أوقات الأزمات ، و التوازن الملحوظ في ملكية و نوعية الاقتصاد القومي ، و وجود بنية صحية قوية تعكسها - أو تعمدت أن تعكسها - تصريحات قائد الجبهة الداخلية ، و قدرة الدولة على استجلاب مساعدات طبية - ربما بما يفوق الحاجة - من دول عديدة ؛ منها دول مأزومة ، و هو أمر له علاقة بالرؤية المستقبلية للاستراتيجية ؛ أي عامل التحوّط .

يضاف إلى ما تقدم العامل الفريد المتمثل في الانخفاض النسبي لمعدل النمو السكاني ، و تدني أعداد المواليد ؛ بصرف النظر عن المجتمع الحريدي الذي يرتفع فيه معدل الإنجاب ، و الذي يرفض تأدية الخدمة العسكرية الإجبارية ، و خصائص الجنس GENUS و العرق ؛ خاصة مع الأخذ في الاعتبار القيود الدينية المفروضة على الزواج ، و انحدار الكثير من السكان اليهود من عروق غير أوربية ، و بالنظر إلى القوانين التي تعبر عن التمييز ضد العرب ؛ و في مقدمتها قانون يهودية الدولة ، و غيره من قوانين تطبق أحيانا بطريقة تمييزية .

لكن العوامل الفريدة التي تعمل في الاتجاه المعاكس ليست ضعيفة ، بل قوية جدّا ، و منشؤها في الغالب - و هذا هو الغريب - العوامل السابقة نفسها . فبحسب الأرقام المعلنة ؛ تسجل إسرائيل نسبة إصابات قليلة ؛ لكنها ليست كذلك عند مقارنتها بعدد السكان المحدود نسبيا . و في هذا السياق يتوجب النظر إلى مؤشرات السكان الأخرى ، و في مقدمتها الكثافة في الكيلومتر المربع ، و نسبة التحضر المرتفعة ، و التقسيمات الخاصة المعروفة للمدن في إسرائيل و الاعتبارات التي تمليها ، و حركة الانتقال الكثيفة للسكان - خاصة الرأسية التي تفرضها عوامل ديموغرافية و اقتصادية و أمنية - المدعومة بشبكة طرق قوية و معقدة ، و أعداد متزايدة و متنوعة من مختلف وسائل النقل ، و كثافة أعداد المغادرين و القادمين السنوية ؛ في مجتمع متعدد الأعراق للكثير من سكانه أصول و روابط عائلية خارجية ، و لا يزال مستقبلا للهجرة ، و الكثافات السكانية المرتفعة في المدن ؛ خاصة في المثلث الحيوي ، و في صدارتها القدس التي هي مدينة جاذبة للسكان لأسباب عقائدية ، و للزائرين من مختلف الديانات من أنحاء العالم كافة ، و لكونها أيضا مقرا للحوزة العلمية الدينية اليهودية ، و لحوزات مماثلة للمسلمين و المسيحيين .

و تفرض طبيعة المجتمع الإسرائيلي اعتبارا آخر شديد الأهمية - عند صياغة استراتيجية للمواجهة - هو اختلاف مزاجات السكان ، و تعدد أنماطها بين التشدد و التحرر المطلقين ؛ تبعا لعوامل عديدة . و هذا الاعتبار يدفع نحو استراتيجية حذرة يتعين أن تكون مرضية للكافة ، و هو أمر حيوي في الاستراتيجية ؛ بيد أنه يربكها ، و يدفعها إلى اتباع تصميمات PATTERN متباينة ؛ تبدو معها لدى بعض الجماعات كأنها استراتيجية تمييزية متحيزة أو مقيدة أو حتى غير عادلة ، و غير ذلك من تقييمات دافعة للغضب تثار لدى هذه الجماعات ، قد تجد صورا متباينة للتعبير عنها ؛ كالانتحار في أوساط أصحاب الأعمال و رءوس الأموال ، أو العصيان في الأوساط المتطرفة أو المتحررة ؛ بسبب حرمانها من مزاولة أنشطتها و أنماط الحياة التي اعتادت عليها ؛ خاصة مع تطاول الوضع الاستثنائي .

***

من المقطوع به أن القراء المنتبهين سيلاحظون مدى عمق التشابه أو التماثل بين الحالتين الإسرائيلية و الإيرانية ، و مع ذلك نجد أن كلا منهما يتوجه إلى استراتيجية معاكسة للآخر !! إنها ملاحظة مثيرة تستدعي قدرا من الإطالة في هذا الحديث خروجا على المعتاد .

بداية ؛ فإن إسرائيل ليست كإيران المكبلة بالعقوبات القاتلة ، و من الجهة الأخرى ؛ فإن إيران ليست كإسرائيل التي دخلت أزمة سياسية محتدمة أثرت على كفاية الهياكل و القواعد الديمقراطية القائمة فيها . و تعكس هذه الاختلافات - على سبيل المثال - استبعادَ وقوع أزمات في الإمدادات الغذائية بالذات ؛ رغم أن إسرائيل لا تتمتع بالاكتفاء الذاتي الكامل منها ، و تعثر تشكيل حكومة جديدة ؛ و بمقاربة تقنية و ليست سياسية ، و الانتقادات الموجهة للحكومة القائمة على خلفية معالجة الأزمة ، و المراجعات التي قام بها المستشار القضائي للحكومة و المحكمة العليا لبعض إجراءات المواجهة ؛ من مثل اعتماد برامج التعقب الإلكتروني للسكان ، و الخلاف المعلن بشأن الجهة الأكثر ملاءمة لإدارة الأزمة باعتبارها حربا بيولوجية - كما يقول وزير الدفاع .

و على مقلب آخر ؛ سنجد أن إيران و إسرائيل تتمتعان بقدرات عسكرية و بحْرية و أمنية كفء ، و قدرات تخطيطية و إدارية و تعبوية رفيعة ؛ لكن الحاجة و الطريقة التي يستخدم بها - أو قد يستخدم بها - كل طرف منهما هذه القدرات تتباين ، و هي مقرونة في الحالة الإسرائيلية غالبا بتهدئة السكان و ضبط تصرفاتهم ؛ في حال وقوع خروجات على النظام تهدد بالفوضى ، و هو ما يمكن إرجاعه إلى المؤشرات التعليمية للسكان ، و تعاظم الحس الأمني لديهم . و يحتمل أن تكون العوامل الكامنة في هذا الجانب قد دفعت إيران و إسرائيل - على حد سواء - إلى وضع قائمة أولويات لعمليات الفحص ؛ مثلما فعلت دول أخرى كثيرة ؛ خاصة أنهما تتشابهان في شعورهما بالتهديد و الخطر من جانب أعداء دائمين أو محتملين ، أو جماعات تعيش في داخل حدود الدولة المستقرة أو غير المعلنة .

و تلعب إسرائيل على الوتر نفسه الذي تضرب عليه إيران ؛ أي وتر " دعس الناموسة " ؛ اعتمادا على تفوقها هي الأخرى في البحث العلمي و الطب ؛ و إن تأخرت بعض الشيء في السنوات الأخيرة ؛ فهي تطمح في ابتكار علاج دوائي ، و إنتاج لقاح مضاد للفيروس التاجي ؛ يمكن أن يعوض تسويقهما في المستقبل جانبا كبيرا من الخسائر الاقتصادية التي يحدثها الوباء .

و الحقيقة أن الطابع الإنساني للنموذج الإسرائيلي تشوبه بعض النواقص ، و هي تناقش في وسائل الإعلام المحلية ؛ منها مسألة نشرات كورونا غير التفصيلية التي تبث بالعربية ، و جهود المساعدة و الإغاثة التي يبادر بها رجال الأعمال و النشطاء العرب ؛ بهدف سد الثغرات الحكومية ، و التصريح القبيح الذي هدد فيه وزير الدفاع بمنع علاج الفيروس عن سكان غزة .

و العامل الفلسطيني مهم جدا في استراتيجية إسرائيل ، و يعادله في الأهمية عامل الطموح لقنص فرص متاحة ، و الاستعداد لمواجهة تهديدات جسيمة يراها المخطط الإسرائيلي مع الوباء على امتداد الإقليم ، و هذه قضايا لا يتحمل هذا الحديث بحثها .

لقد أظهرت أزمة كورونا بعض المثالب التي تعتمل في المجتمع الإسرائيلي : اجتماعية و سياسية و تنظيمية و تعبوية ، و هي ستترك مجتمعة اقتصادها القومي في وضعية صعبة ؛ يؤخر التعافي منها خسائرُ مجتمع المال و الأعمال و تجارة السلع النادرة ، و تزايد أعداد العاطلين ، و تآكل فرص المشروعات الإنتاجية كثيفة العمل .

و لكل ما تقدم ؛ فإن إسرائيل ما قبل الفيروس التاجي غير ما بعده ، و سيكون عليها أن تواجه عالما جديدا ، و إقليما جديدا ، و داخلا جديدا أيضا . فالعالم و المحيط لن يتغيرا وحدهما و تبقي هي على ما هي ؛ تستمتع برائعة ليلى مراد " أنا زي ما انا و انتَ بتتغيّر ... أنا هو انا عمر الهَنا قصيّر ... و انتَ بتتغيّر " !! و إلى حديث آخر .

و هذا رابط للراغبين في الاستماع إلى الأغنية https://youtu.be/gdfWi7aWbDs



.




تعليقات الزوار