إغلاق
إغلاق
أحاديث البيت ( 13 ) : استراتيجية بنيامين " الثاني " بقلم:- عبد المجيد إبراهيم- القاهرة
الاحد   تاريخ الخبر :2020-05-24    ساعة النشر :00:45:00


( كانت شخصية بنيامين تجسد - على نحو مذهل - فكرة أو مفهوم الازدواج / الثنائية ؛ بكل أبعادها و مضامينها ؛ حتى إنه كان قد اشتُهر بين أقرانه في التعليم الأوليّ ب " الثنائي " ... مخيلته لا تعبأ بالحقائق المفردة ، و هو المغرم بالتأملات الثنائية التي تحفزها ذاكرة قوية يصارع بها الجميع ؛ بمن فيهم المحققون ! )

]" ثنائية الثنائي " ، مقال للكاتب ، يافا اليوم ، 25 أغسطس 2019 [

( رأى أنه انتهى من كتابة التماسه على نحو مثالي في وقت متأخر من ليل حالك ... لكنه لا يقدر على التوقيع عليه ... فلربما احتاج إلى إجراء تعديل ما هنا أو هناك ! تتلبسه قناعة بأنه بات مكبلا بالشك ؛ يرتاب في كل شيء يَعرِض له أو يُعرَض عليه ؛ بما في ذلك الطعام المحبوس في مربعات و مثلثات ضيقة ؛ تذكّره بالخرائط التي استغرقت من وقته الكثير ليشرحها لمشاهديه ... يستثيره المكان الذي يحدد هويته رقم ! لا يتبين معالمه على نحو دقيق ! لكن يستغربه ! هو ليس ببعيد عن مسقط رأسه ؛ مثلما يحدّثه عقله الباطن ! هويته هنا هي الأخرى مجرد رقم ! يتساءل : ألا يكفي أن يحمل هذا المكان اسم الحارس الأمين للملك ؟! شيش خميش خميش ... شيش خميش خميش ... مسئوما يكررها ! و في كل مرة تزيد شدة صوته عن الأخرى ، و يرتفع منسوب انفعاله ؛ من دون أن يجد ما يطفئ شعلة توتره ، و غضبه المكتوم ؛ ليستشعر مدى احتياجه إلى أحضان زوجته التي باتت هي الأخرى رقما في جداول الزيارات المغلقة ! يعيد إشعال سيكاره الفاخر الذي جاء به إلى هذا المكان ؛ ليدفع به حاقدا إلى المِتكّة المصنوعة من عجين الورق المضغوط ، و قد حُفر على جانب منها الرقم ذاته ... يقذف بها مع السيكار صارخا : شيش خميش خميش ... شيش خميش خميش ... شيش خميش خميش ... لا يكاد يكمل صرخته الثانية ؛ حتى يجد نفسه محاصرا بين رجلين يتهيأ له أن كلا منهما مضروب في اثنين ... يتحسس أصابعه كمَنْ يجري عملية حسابية ! فإذا بيده بالكامل تلتقطها أكفُّ رجل نحيل ... يتبين له بصعوبة أنه يرتدي رداء أبيض ؛ يحمل في يده الثانية مِحقنة طويلة ، يغرس إبرتها بلا رحمة في وريده ! يهمس بصوت مقيد : خميش ... خميش ... خميش ... مخدورا يكررها ؛ في كل مرة تقل شدة صوته عن الأخرى ، و ينخفض منسوب انفعاله ... نائم بل غارق في نومه و هو نائم !! ينتفض على زعيق صوت مزلاج عملاق ؛ ليعود أدراجه إلى سباته العميق . يستحضر عقله الباطن الذي لا ينام وقائع منتقاة من الأشهر التي سبقت وصوله إلى هذا المكان ؛ محاولا استرضاءه ، مستعينا بالمادة الفاعلة التي حقنها " النحيل " في وريده الذابل اليَّبس ، يقلبه المسكين بين أمواج متلاحقة منها ؛ محركا مراكز عشقه لذاته و صلفه و أنانيته ؛ ليسبح معها متنقلا بين انفعالات متعددة باعثة على النشوة و الارتواء : يضحك مرة بملء فيِهِ و حنجرته الخشنة ، و مرةً يبتسم ابتسامته الذئبيّة ، و يدعك كفيّ يديه و يتنحنح مرةً ؛ على عادته عندما ينجز أمرا ما كان يؤرقه ! تبدأ أناهُ في مداعبته حتى يستريح ... تتجسد ذاته أمامه بلباسه الأزرق الذي يفضله مع رابطة العنق الوردية ؛ مبتسمة في وقارها المصطنع ... يتحسس لباسه مبهوتا ، و يصيح مأخوذا : بنيامين ! ينظر إلى رفيق عمره بازدراء و تبجح و استخفاف يحاول إخفاءه ؛ ليبادره بنيامين معاتبا :
- هل استأذنتني - يا بنيامين - قبل أن تحرك المتظاهرين في تل أبيب ؟
- ( يلهث على وقع السؤال ) أووه … أنت تذهب بعيدا بسؤالك أيها الرفيق الحميم بنيامين ! أنت من حركتهم بأفعالك ... لقد كنتَ معنيا بتنظيم الحدث ! جانبا نحيتَ التقارير التي نتابع عبرها مؤشرات كورونا ، و كلفتني بالنظر فيها ، و تفرغت للتأكد من نجاحه ؛ لتضغط على شريكنا القديم الذي تعودنا التغرير به ، و تحميله إخفاقاتنا المتوالية ... أنت أول من يعرف أن قطاعا كبيرا من الجمهور يكرهوننا حتى من أنصارك في اليمين الذي تحتمي به ... إنهم يتطلعون إلى اليوم الذي نخرج فيه من حياتهم !
- و لماذا أفعل ؟
- تسألني ! أنسيت أنك أخبرتني عشية إعلان اتفاق الائتلاف - و نحن نتبادل أنخاب النبيذ الفرنسي ، و نتنافس في تعبئة غرفة مكتبنا بدخان السيكار الكوبي - بأنك ترغب في الوصول معه إلى اتفاق يجعلك قادرا على تعيين القضاة الذين سيحاكموننا ؛ بتهمة الفساد و الرشوة و خيانة الأمانة ، و على حرمانه من رئاسة الحكومة ؛ حال قررت المحكمة العليا منعنا من رئاستها ... اِسمعْ ؛ لقد أعجبتني الصيغة ! جاءت مناسبة تماما ( هازئا ) " حكومة طوارئ وطنية " ( متصنعا الجديّة ) تحمي الديمقراطية ، و تضم أجزاء من الضفة ، و تحارب كورونا مع رئيسي أركان سابقين ( يرفع وتيرة صوته ) و تؤمّن مصالحنا ؛ ( يشدد على الكلمات ) تحت شعار الحرب الشاملة ، و الصمود الذي يشبه صمود الشعب أمام فرعون ! صمودٌ يعطينا القوة و الأمل ( يقهقه و تتطاير نهايات كلماته ) في النجاة برقابنا من سيف العدالة ... ( يستعيد طبقة صوته الاعتيادية ) لكمْ تأسرني عباراتك الساحرة !! لقد كانت دائما مصدرا لإلهامي و إبداعي ... غير إن ما يحزنني أن علاقتنا الوثيقة لم تعرف يوما طريقها إلى الثقة و المكاشفة ، و مع ذلك أرى من واجبي أن أثني عليك ؛ عندما يستوجب الأمر الثناء ( يربت على كتفه ) ... لقد أبليت بلاء حسنا يا رجل في مواجهة الوباء ! ( متأففا ) رغم أنك حمّلتني بأعباء كثيرة على المسار الآخر ...
- أي مسار تعني ؟!
أعني استراتيجية فريق " الدماغين " ! الاستراتيجية الموازية التي وضعت لها التسمية العملياتية " بنيامين الثاني " ؛ لمواجهة فيروس " القضاء " - مثلما تصفه في أحاديثنا المغلقة !! حتى إن الإجراءات التي كنا نتفق عليها بدت لي مزدوجة ، أو لنقلْ ثنائية ! خذ مثلا إحراج القضاء ؛ على خلفية إقرار إجراءات تستوجب مطابقة القانون ، و إرجاء التئام الكنيسيت بدعوى حماية أعضائها ، و الأهم القرار الخاص بتعطيل عمل المحاكم !! كمْ كان موفقا و رائعا - يا عزيزي ! لكني لن أخفيك سرّا لقد أصابني الهلع ؛ بسبب حديثك عن تمرد شعبي و حشود الشارع و مقاطعة الانتخابات ؛ إذا ما منعونا من الترشح لرئاسة الحكومة ! قلبي كاد يسقط بين أقدامي ، و أنت تحمل قلبا من حديد ... يا لها من ثنائية متوازنة ...
- ( يقاطعه ) كفّ عن هذه الثرثرة ! و أجب بكلمة واحدة ... هل أعجبتُك ؟!
- بالطبع ! قلت لك توّا ! لقد أخبرت سارة بذلك في المساء ألم تخبرك في الصباح ؟ ألم تقابلها ؟ هل انطلقتَ إلى عملكَ قبل أن نصحُوَ ثلاثتنا من النوم ؟!
فجأة يجد بنيامين الثاني نفسه وحيدا بلا إجابة ، و قد بدأ جسده المنهك يتحرك بعناء ... يزيح عنه الغطاء بصعوبة بالغة ، و قد نسج على جانب منه الرقم ذاته ؛ فيعود إلى صراخه هذه المرة باكيا : شيش خميش خميش ... شيش خميش خميش )

***

يحلم بنيامين في منامه بأنه يحلم !
و في أحلامه يواجه بنيامين بنيامين !
ثنائيته متيقظة حتى في نومه و في منامه !
يصحو مفجوعا على وجهه المُصفرّ يمر بيديه التي لا تزال مخضبة بدهن عشاء ثقيل ، يتأوه من أعماقه ، يستفسر من نفسه : أين أنت يا بنيامين ؟! يلتفت فإذا إلى جواره سارة ؛ و قد أرقها صراخه المتتالي ... تدير جسدها في صمت ، و ينهض هو متثاقلا ... يتهيأ ليوم حافل برعونة لم يعهدها في نفسه من قبل ... يصغي إلى سكرتيره الخاص و هو يتلو عليه لائحة المهام ... يحرك رابطة عنقه الزرقاء بين مهمة و أخرى من اليمين إلى اليسار و العكس كأنها بندول ساعة حائط ... يتدخل مترددا : سنبدأ اليوم بمقابلة بن بعور ... يمكن ترحيل موعد الاجتماع الحزبي لساعتين أو حتى إلغاؤه ؛ لعلهما تكفيان لتجليات هذا المسكون ! يقهقه ضاحكا بملء حنجرته التي بدأت تفقد الكثير من خشونتها محكما رابطة العنق حولها ؛ ليعود إلى هدوئه المصطنع ، و يواصل ... بعدها نتناول الغداء مباشرة ، رتب اتصالا هاتفيا مع كوهين قبل الكابنيت المصغر بساعة واحدة ... أكد عليه هذا الأمر ، و على أن ينتبه إلى فارق التوقيت الجديد ... ينظر في ساعة يده بقلق ... تذكرْ أن ساعات قليلة تفصلنا عن جلسة النطق بالحكم في قضية الفساد المزعوم ... يلوي عنقه ساخرا و هو يمطّ رابطته بعنف إلى الأسفل مضيفا : يتعين علينا إتاحة المزيد من الوقت للقاء الفريق القانوني الذي يواجه كيد الساحرات ! ماذا عندك أيضا ؟ يبتسم - و الألم يعتصره ! و هو يضع بعض الأوراق و الملفات في حقيبة يده ... يغلقها ، و قد تأكد من وجود المنديل الذي يطلبه بن بعور في كل لقاء يجمع بينهما ، و يتقدم نحو باب الخروج بخطى وئيدة متعثرة ...
و لتحديد الخطى الواجبة حال إدانة الزعيم ؛ صمّم كبار القادة في الحزب على عقد الاجتماع المقرر ، و كان أداؤه فيه سيئا رديئا ، و احتدّ على صديقه كوهين عبر الهاتف برغم محاولات جليسه المتكررة لتهدئته ، و في الكابنيت ؛ لم يكن يطيق النظر إلى شريكه الذي كان يترأس الجلسة ، بعد أن انتقل هو إلى موقع البديل ، و انفعل على سارة لمّا هاتفته للاطمئنان ، و لتسأله عن اللباس الذي يفضل ارتداءه في جلسة المحاكمة ؛ حتى تتأكد من جاهزيته ، و على مائدة الغداء ؛ اكتفى بملعقتين من حساء أبو جَلمْبو و شريحة صغيرة من سمك موسى ؛ ثم إن سيكاره الفاخر سقط من بين فكيه في دورة المياه مرتين ؛ إحداهما في قلب المرحاض ، و خلال التمرين الحربي الذي حضر جانبا منه ؛ لم يصدق نفسه و هو ينظر في منظاره المعظم بوضعية مخالفة ؛ على طريقة عمير !!
على مدار اليوم لم تفارقه الكلمات الملغّزة التي سمعها من المسكون بن بعور و هو ممسك بمنديله ... كان يقلبها على نار غضبه و وقود غيظه و كراهيته لهؤلاء الحمقى الذين لم يقدروا أعماله الجليلة التي قدمها للشعب و الدولة ... يتذكر حرفيا أكثرها تلغيزا : " الأول هو ، و الثاني أنت ، و الدار هي ... سيف عظيم له هيبته طوله ستمئة ذراع يلتف حول الرقاب ... عندها يكون اليوم بيومين ، و الشهر بشهرين ، و العام بعامين ... خمس و خمسون ساحرة يخرجن من بحر الملح يزيد كيدهن في عموم الوادي ... يطير النوم من العيون ، و تتعثر الأقدام ... اِفهم الكلام الذي أكلمك ... الأرقام تحاصر الملوك ... و حين تتساقط الرءوس ؛ تتهاوى الأقدام ، و تتحول النّضَارة إلى فساد " !!!
يعانده النوم ، يتردد في أذنه صوت بن بعور يجأر ؛ يذكره بالنواعير التي كانت تخيفه طفلا في الرَّملة القديمة - يسمعه كلمات حاول على مدار يوم كامل أن يجد لها تفسيرا ؛ من دون جدوى ... لقد تركه العربيد غارقا في أحزانه و تحيراته ، بل زادها عمقا و ارتباكا ... تمرق ذاته عبر باب غرفة نومهما المشرع ... هذه المرة يبادر هو متلهفا بالعتاب :
- أين كنت يا بنيامين ؟ أنسيت أن جلسة المحاكمة ستنعقد في الصباح ؟! كنت أرغب في الإفضاء إليك بشأن هذه المسألة التي تؤرقنا ... فلنذهب إلى غرفة مكتبنا لنتحدث ؟!
- ( منكسا رأسه و بصوت خفيض ) أبو يائير ... لقد جئت لألقي عليك النظرة الأخيرة ... لماذا لا تنام ؟ نَمْ ... نم يا بنيامين !
- ( مهزوما و بصوت هامس ) أنام !! أنا " لا أنام " !!
تغادره ذاته ، و تعزيه أناهُ المعذبة مذكّرة إياه بتندّرات الرفاق في الحزب ... لقد بات بالفعل أشبه بذئاب البوادي !! يبتسم من نفسه ! عينه اليمنى تنام ، و تبقى اليسرى مفتوحة على كل الاحتمالات ! و إلى حديث آخر .




تعليقات الزوار