إغلاق
في رحيله في الشّتات: الشاعر هارون هاشم رشيد كنار يافا ومزمارها - بقلم : د. سمير حاجّ
الاحد   تاريخ الخبر :2020-08-02    ساعة النشر :12:30:00


للمدينة بشكل عام صور وتجليات مختلفة في الأدب ، لقد كان جيمس جويس يكره مدينته دبلن حتى قال فيها :" أتعرف ما هي دبلن ،إنها كأنثى الخنزير تأكل أبناءها ". وفي الشعر العربيّ الحديث ، تظهر المدينة بثنائية ، فهي حينا نيكروبوليس (مدينة موتى) ،وهي أحيانا أكروبوليس (مدينة عمران)، تباعا لتجربة الشاعر فيها ومناخه النفسيّ ، ونظرته الأيديولوجية منها ومن ناسها . ويبقى الموقف من المدينة إشكالية مثيرة للجدل ، بالنسبة ل " أنا" الشاعرة . ورغم تهافت الشّعراء على العيش في المدن والصدام معها ، ف "شيخ الشّعراء" الفلسطينيين هارون هاشم رشيد ، الذي رحل عن 93 عاما والذي أصدر أكثر من 20 عملا شعريا ، إضافة إلى الرواية والمسرحية والدراسة الأدبية ، سكنت مدينة يافا قلبه وأسفاره الشعرية المترعة بلفحة المأساة وسمفونيات الحزن ومزامير الغربة والشّتات . وهو بنزعته الرومانسية ينتمي إليها قلبا وقالبا ، إنّها في قاموسه المكان الجميل والمشتهى وعصارة الماضي المعسول . حملها في أشعاره بشطريها ضياء وضياعا ، ألقًا وحُطامًا ، وغنّاها رمزا وواقعا ،حتى ظنّه الكثيرون أنّه يافيّ الأصل ، وهو ابن " حارة الزيتون" في غزة، وعاش في القاهرة ثمّ كندا . إنّه عاشق يافا ، ونسيب يافا ، فزوجته الكاتبة مروة أديب جبر ، صاحبة " نداء السّنونو " ابنة مدينة يافا . بزغ شعره في بداية الخمسينيات ، بعد إصدار ديوانه (مع الغرباء) عام 1954، هذا الديوان الذي يحمل عنوان القصيدة التي كتبها عام 1951 وجراح النكبة بعد ثخينة ، وهي تحكي الحرقة والمعاناة والحنين المبرّح ليافا ، بروح طفلة لاجئة . وقد غنّتها المطربة فيروز فشاعت في مفازات و أصقاع الغربة الفلسطينية ، و يقول فيها بلغة مباشرة سلسة وبأسلوب قصصي مؤثّر ، على لسان ليلى اليافية ،التي أضحت لاجئة في مخيّم البريج :
أبي ...
قُل لي بحقّ الله
هل نأتي إلى " يافا" ؟
فإنّ خيالها المحبوب
في عيني قد طافا
أندخلها أعزاء
برغم الدهر ..أشرافا ؟
أأدخل غرفتي ..قل لي
أأدخلها ، بأحلامي؟
وألقاها ، وتلقاني !
وتسمع وقع أقدامي !
أأدخلها بهذا القلب ؟
هذا المدنف الظّامي
أبي ....
لو أنّ لي كالطير
أجنحة ، لتحملني
لطرت بلهفة رعناء
من شوق ..إلى وطني
ولكنّي من الأرض
تظلّ الأرض تجذبني
هذه الأغنية الفيروزية القديمة والرائعة اشتهرت كثيرا ، مثل أغنية "سنرجع يوما" التي كتبها ولحنها الأخوان رحباني ، والتي يظنّ الكثيرون لموضوعها المفعم بالرجوع والعودة ، أنها للشاعر هارون هاشم رشيد .
زرته في بيته بالقاهرة بتاريخ 27/1/2008 ، وحدّثني قصّة قصيدته هذه ، قائلا : " ليلى فعلا حقيقية ، من إحدى الأسر اليافية التي لجأت إلى معسكر البريج إبان النكبة .وكنت من أوائل من دقوا أوتاد هذه الخيام ،وكانت أول قصيدة كتبتها بعد العام 1948 تدور حول الخيمة . حدث في أحد الأيام أن كان برد شديد ، فسمعت طفلة من إحدى الأسر اليافية التي تعيش في مخيم البريج ، تنطق بعد أن شعرت بالبرد والغربة " ليش بابا إحنا غربا هونا ؟!" التقطت هذه الكلمة وأوحت لي بالقصيدة . وبدأت أكتب ، وكانت " مع الغرباء" .وفي صبيحة اليوم التالي
أرسلتها إلى الأديب ألبير أديب محرّر "الأديب" البيروتية ، وقد نشرها على صفحتين في وسط العدد ، ثمّ قرئت في إذاعة القدس من قبل المذيع إبراهيم السّمان ،بعدها لحنها الأخوان رحباني وغنّتها فيروز ."
أسَرَتْهُ يافا حتى النّخاع ، فهي حاضرة برموزها و صورها الجميلة ، من بيّارة وصيّادين وميناء وشاطئ وميدان السّاعة ، في أشعاره الأولى المكتوبة مباشرة بعد مأساة العام 1948 . تحضر يافا الجميلة ، فوّاحة الشّذا ، مقرونة بهاجس العودة والحسرة على ضياع وفقدان الوطن ، هذا ما تفوح به " أوبريت العائدين " :
بيارتي هذي ..وتلك داري
وها هنا.. مجالس السّمار
وندوة الأحباب ..والأخيار
وفي قصيدة" مفتاح باب البيت " التي تصوّر الفلسطينيّ الحامل مفتاح بيته ، في غربته القسرية انتظارا للعودة ، تطغى العواطف الجيّاشة ومسحات الرومانسية . وهذه الميزة صبغت شعر الشتات الفلسطيني في تلك الفترة :
معي..مفتاح باب البيت أنّى سرت أحمله
وعبر مفاوز الأشجان والأحزان أنقله
معي في الصدر عند القلب أضغطه
..................
ويسألني إذا ما اهتز مفتاحي..وأسأله
أما من هبة للريح تحملني..وتحمله
إلى يافا ..إلى بيت بها ناحت خمائله
والشاعر في قصيدته الأولى بعد النكبة حول الخيمة ، والتي لحّنها و غنّاها محمّد فوزي ، استشرف الثورة والتفاؤل وتخطّي المأساة وتحقيق العودة :
أخي مهما ادلهم الليل سوف نطالع الفجر
..........
سنمشي ملء عين الشمس نحدو ركبها الحر
فلسطين التي ذهبت سترجع مرة أخرى

في ديوانه "المبحرون إلى يافا" (دار مجدلاوي-عمان،2004) تتراءى يافا الحاضر ركاما وبيوتا مهجورة :
هنا " يافا" شبابيك
مغلقة مهجورة
هنا أشلاء بستان
هنا أنقاض نافوره
.........
هنا "يافا " فيا ويلاه
يا ويلاه ...يا " يافا"
وقد مزّقت أحياء
وأنحاء، وصفصافا
ويافا عند الشاعر ميتارمز ، إنّها انتماء وهوية وجزء من كيانه .يقول في "يافا وبيروت " :
لكنّها " يافا"
تعشّش فيّ
تسكنني الروابي ، والشّعاب
بيارتي فيها، وداري
والأماني العذاب
ستظلّ " يافا" غنوتي الأولى
تصان ، وتستجاب ،
ما زلت أحملها معي ،
في القلب ، دامية الخضاب
ويختتم الديوان بقصيدة "بيت حبيبتي المأسور" ، احتفاء بزيارته بيت زوجته في يافا :
وقفت هناك فوق التل
أسال سيدي العجمي
وفي عيني نهر الحزن
والأشواق ، والألم
أمامي دارها البيضاء
دار حبيبتي حلمي
تكاد تهب ، تحضنني
بفيض الودّ والشّمم
باح الشّاعر في لقائي به : " هذه القصيدة كتبتها وأنا أقف أمام بيت زوجتي. لقد طلبت مني زوجتي حين ذهبت إلى يافا في العام 1996 ،أن ازور بيتها في العجمي ،عندما وصلت إلى هناك ،ركض الأخ المقدسي الذي كان معي بسرعة إلى البيت ودقّ الباب ، فخرج أصحاب البيت وهم عرب ، وحين تحدّثنا سألونا ، " عاوزين البيت ؟" .قلنا لهم " لا..حافظوا عليه نحن فرحون أنكم ساكنون فيه ." حين حدثت النكبة وزوجتي بعد طفلة ، رفض والدها الخروج من يافا ، فأرسل زوجته وأبناءه من عائلة جبر لاجئين إلى غزة ، وبقي هو في يافا ،وحين شعر أنّ نهايته تقترب ،أسكن معه أسرة فلسطينية ."
في شعر هارون هاشم رشيد أحزان و دموع حرّى ، ولغة صافية مرهفة الحسّ ، مشحونة بالصور البحرية ، ونسيج قصصي متكئ على مداميك الدراما .. تنساب قصائد التفعيلة عنده مثل نهر متدفق ، تلمس القلب وتأسره . هل عشق الشّاعر المدينة التخييلية ..المكان المفقود ،أم المدينة المعيشة من قبل ليلاه ؟ لقد أشعلت يافا الحزينة حرائق قلبه ، فصبغها بهالة شعرية متلألئة تميس عروسا للمدن في الشعر العربي.




تعليقات الزوار