إغلاق
إغلاق
أحاديث البيت: استراتيجية نوح و ابنه يام - بقلم: عبد المجيد إبراهيم - القاهرة (خاص بيافا اليوم)
الاربعاء   تاريخ الخبر :2020-03-25    ساعة النشر :09:34:00



أمن المسموح لنا الحديث عن ما بعد كورونا ؟ و هل نملك نحن حق الحديث عن مستقبل كهذا ؟ طرح السؤال بالفعل منذ أيام ، و قد استفاق المعنيون نوعا ما من الصدمة ، لكنه لم يُلق على هذا النحو المتشائم !! نشرت كتابات و بثت مداخلات في كل أرجاء العالم في سياق ما نسميه المابعديات ؛ لا تملك العلمية منها أية حقيقة ، و الميثولوجية منها تغلف مقولاتها المؤكدة باللايقين و كلاهما يستويان في تفزيع الناس و ترويعهم و تخبطهم . الانتصار الصيني غير المؤكد أو غير الحاسم إلى حد الآن ؛ جعل المعنيين يتنفسون الصعداء و يتفكرون محاولين أن يتصوروا ما بعد كورونا ؛ من دون أن يلاحظ البعض منهم أن جانبا كبيرا من هذا التصور قد تشكل فعلا ، و أن المسار الذي سيمضي فيه العالم في المستقبل القريب - أيا كان مقداره - هو أن كل شيء قد اهتزت قواعده ، و أن القادم هو أشبه ما يكون بريح عاتية من التغييرات المذهلة في عالم البشر الذي لم يكن يدرك قدر ضعفه و جهله ؛ إلى اللحظة التي كشف فيها هذا الكائن الدقيق عن رأسه التاجي أمام من كانوا يتخيلون أن العالم بات تحت سيطرتهم بفضل علمهم و قوتهم و جبروتهم ، أو بفضل إيمانهم و ورعهم و رحمتهم ! فجأة يكتشف الطرفان أنهما يدوران معا في طوق محكم من الحقيقة المطلقة : يدعو داعش منتسبيه إلى استخدام الكحول ، و يستدعي ترامب أشياعه للصلاة ! فجأة تكتشف إن كنت ممن تستهويهم الاستراتيجية أنها هي أم العلوم و الفنون بل أم الآداب أيضا ، و أنها هي الديمومة و أنها هي أيقونة التقدم و الوجود و سر الكون الدفين . فجأة ينسحق أمام عينيك جوهر استراتيجيات داروين و هيجل و نيتشه : التناقضات تنسحب لحظة مواجهة الفناء الشامل ، و طموح التكيف و الاستمرار ينشطر إلى تطلعات لامتناهية إلى المزيد من القوة ، و لا تكاد تجد أثرا لما سمي بالإنسان الأعلى . و في تطور غير مسبوق يتحرك مجال الاستراتيجيا الكبرى إلى آفاق سرمدية ؛ إذ لن تعود البشرية لتبحث عن الفوز أو الربح أو النجاح أو النصر أو حتى التلاؤم و البقاء ، إنما تبيت في لمح البصر أسيرة لفكرة السيرورة و التقدم بكل ما تحمله الكلمات من معان فلسفية . إن المجتمعات التي أدمتها الجروح لن تقف في قادم الأيام عند خطوط الدفاع التقليدية ، لكنها ستستمر في الهجوم و التقدم حتى آخر قطرة من دماءها ؛ بحثا عن المزيد من البصيرة و القوة - و قد تبين أنهما تشكلان معا قانون الوجود . في اللحظة الراهنة تقدم الاستراتيجية نفسها مفسرة وحيدة للأحداث و التطورات و بكل الاختصار و الشمولية . لم يفعل الصينيون - و جرى الآخرون على أثرهم تباعا - أكثر مما اكتفى البعض باستدعائه من أحاديث و نبؤات و مرويات : العزل و الحصار و الحظر و الحجر و الاعتصام و حديث الطاعون و الهروب من قدر الإله إلى قدره ! كل هذا يبدو لافتا لكنه عسير على الفهم العام الذي يتعين أن يخرج من الإطار الفج المجرد للفلسفة إلى العالم الواقعي الملموس !! هناك ستداهمنا عشرات إن لم تكن مئات من الأسئلة المثيرة و الصعبة ، لكن في نهاية المطاف يمكن التفكر فيها على الأساس المتقدم . و من باب الاستهلال ؛ يتعين علينا التأكيد على أن أسئلة المجتمع العالمي عديدة و عسيرة ، و قد لا تستهوي الكثيرين ، و قد تزيدنا الإجابات عنها حيرة و عَمَهًا ؛ كوننا لا نعرف تحديدا متى سنصل ذروة الحدث ، و كيف ستكون النهاية ؟ إذن هيا بنا نطرح أسئلة أكثر تبسيطا و تواضعا ! و إلى حديث آخر .




تعليقات الزوار