نيران الأديب لهذا الأسبوع تتطرق إلى قضية النفسيات المهزومة التي لا تُحرك ساكناً عندما تجد مقدساتها تُدنس وتُغتصب
لم أتوقع أن تثير مقالتي من الأسبوع الماضي، والتي تطرقت من خلالها إلى تدنيس مقبرة "القشلة" الإسلامية وبناء فندق للأجانب على عظام الموتى في يافا، عاصفة كبيرة في الشارع اليافي ولم أقصد من ورائها تأليبه أيضاً. كان القصد الأول والأخير الاحتجاج والتذكير، فذكر إن نفعت الذكرى....، لأن من لا تاريخ له لا مستقبل له وعلى القاصي والداني من أبناء شعبنا أن يعرف أن لكل حجر في يافا تاريخه العربي على مر العقود. ولكني، لم أتوقع أن اكتشف نتيجة هذه المقالة، عدواً جديداً لنا يسرح ويمرح بيننا وهو فقدان البصيرة والنفسيات المهزومة واليائسة عند البعض. فبعد المقالة، ولا أبالغ لو قلت أنه وصلتني مكالمات هاتفية استسلامية انهزامية عديدة تعبر عن استغرابها من طرح هذا الموضوع تحت شعار سقيم وهو "ما هية مبيوعة يا زلمة...شو بدك بهالشغلة".
فعندما يعدد العربي في البلاد أعداءه يجدهم كثر ومعروفين لدى القاصي والداني ويعرف في أغلب الأحيان مواجهتهم وعلى أحسن وجه. ولكن الصعوبة عندما تعرف أن العدو الرئيسي يتواجد في طريقة التفكير والنفسيات التي تعبت نتيجة الخيبات التي شهدها الشارع العربي على الصعيدين المحلي والقطري.ولكن تلك الخيبات، ومهما كثرت، يجب أن تجعل الإنسان أكثر قوة وصلابة في مواجهة الأمور وعدم الاستسلام لضربات الزمن بل مواجهتها بكل قوة وحزم من أجل عدم تكرارها.
فتلك النفسيات والعقول التي فقدت أي أمل في صناعة التغيير تصبح، شئنا أم أبينا، العدو الأول لكياننا العربي لأن نقطة انطلاقنا في ظل هذه العقول تكون ضعيفة للغاية وتجعل تحقيق وكسب الانجازات لأمراً مستحيلاً.
ولنفرض أن مقبرة "القشلة" قد فُقدت منا بسبب عوامل كثيرة تستحق منا وقفة تأمل طويلة، عميقة ودقيقة جداً ربما تكون في حلقةٍ أخرى منفصلة من حلقة الأديب النيرانية. لكن ما يجعلني أستشيط غضباً هو وجود الروح الانهزامية والاستسلامية الموجودة في نفوس البعض منا مما يجعلهم يتناسون مصائبهم وآلامهم. وعندما تبني إسرائيل مستوطناتها على أنقاض الشعب الفلسطيني، أليس حرياً بنا التذكير وغرس التاريخ العربي في نفس كل فلسطيني وعربي في العالم أن شعبا كان في هذه الأرض وأن كيانا غاصبا عنصريا قام بطرده من وطنه؟ كيف يمكن لنا أن نعيش في نفسية المهزوم في الوقت الذي نطمح إلى التغيير أو الحلم بتغيير الواقع ؟ وهل من المستحيل إعادة المسلوب حتى ولو بعد عقود وعقود؟
تصوروا لو أن شعوبا في التاريخ المعاصر، والتي ناضلت من أجل نيل حريتها كانت تعيش في عقلية المنهزم وأخص بالذكر المقاومة الايرلندية أمام البعبع والشيطان البريطاني، هل كانوا سيحققون احلامهم لو عاشوا في نفسية "كلها مبيوعة"؟ وماذا كان سيكون رد فعلهم لو سمعوا هذا المصطلح العربي المقيت ؟ ألم يكن لهم كل الحق بأن يسخروا وبابتسامة صفراء من امة تعيش في عقلية المنهزم؟ آن الأوان أن نُغير أنفسنا كي لا نشرعن ما قيل عنا في الماضي "أمة ضحكت من انهزامها الأمم". أما للمحتل، لكل محتل أردد على مسامعه ما قال الشاعر المناضل المرحوم توفيق زياد،
من يسلب حقاً بالقتال كيف يحمي حقه يوماً إذا الميزان مال.