الإعلامي مخول يتطرق في حلقته لهذا الأسبوع من "نيران الأديب" إلى قضية بناء فندق على أرض مقبرة القشلة
قبل عامين وعند مروري بجانب مسجد "المحمودية" المحاذي لدوار الساعة، استوقفني شخص وأبلغني أن عظام موتانا موضوعة في رُزم وأنها تُهان يوماً بعد يوم. سألته، وعلامات التعجب على وجنتي وخفقات القلب تنبض سريعاً، عما تتكلم يا أخي وعن أي عظام تتحدث ؟ أبلغني أنه في الماضي غير البعيد كانت بجانب المسجد مقبرة واسمها "القشلة"، والتي أقيمت عليها محطة الشرطة التي كانت عبارة عن أذان صاغية جداً لكل خطب الجمعة ناهيك عن التجسس على كل حركة وحركة لأبناء شعبنا من المصلين خصيصاً، وبعد هدمها قام مستثمرون يهود بشراء تلك القطعة وإقامة فندق على أنقاض هذه المقبرة. على اثر النشر في موقعنا، قامت الدنيا إلا أنها قعدت مبكراً وعمليات الاحتجاج لم ترتق إلى المستوى المطلوب لا محلياً ولا دولياً.
في تلك الفترة كتبت في احدى الصحف "فلتسمع كل الدنيا: عظام موتانا في "القشلة تصرخ". فهذه العظام صرخت وما زالت تصرخ إلا أن بعض الأذان كانت وما زالت صماء لا تريد أن تسمع لأن الأسباب عديدة ولكن تدنيس هذه المقبرة وحرمة أمواتنا تبقى واحدة.
فبعد عامين من هذا التدنيس الذي يأتي في واقع نعيش فيه نحن العرب ممزقين، متشرذمين وبعيدين من أن نكون غيورين على بعضنا البعض والمؤامرات لاجتثاثنا من مدينتا تسير على الأصابع أسرع من وطأة القدم، يأتي وحوش العقارات ويصوبون "البنادق" المالية أمامنا ونحن عاجزين عن صنع أي شيء ليحرمونا من حقنا الأساسي في وطننا، وطن الآباء والأجداد من العيش الكريم وليكونوا جزءاً من سياسة سلطوية عنصرية تساهم في طرد العرب من يافا وتهويدها وتطبيق عملية ترانسفير واضحة.
إنهم يبنون هذا الفندق في "القشلة" أمام المسجد ويحاولون تطويق وطمس المعالم العربية والإسلامية لهذه المدينة كي يجنوا الأموال والأرباح من السياح الأجانب الذين يجهلون تاريخ هذا المكان وكل هذا وبلدية تل أبيب يافا الحولدائية تتبجح بأنها تستثمر في يافا الأموال الهائلة من أجل التطهير العرقي لا التطوير متناسين أن تطويرهم يساهم في تدمير كياننا ويساهم في طردنا.
ليس بوسعي معاتبة الجهات التي لم تعمل بما يكفي من أجل صد هذه المحاولات العنصرية للمؤسسة الحاكمة أو حتى الوصول إلى هذه الوحوش والضغط عليها بعدم البناء هناك، بل يتوجب علينا الآن أن نعمل كل ما بوسعنا من أجل كشف تاريخ هذا المكان لكل سائح وسائح إضافة إلى القيام بحملة إعلامية من شأنها التأثير على السائح ومنع حضوره.
إن الضغوطات الإعلامية لها الأثر الأكبر في معارك شهدها التاريخ القديم والحديث ولدينا كل القدرات والطاقات من أجل العمل على ذلك رغم أنف المنتفعين على أشكالهم. لقد قامت المؤسسة الإسرائيلية ببناء فندق "هيلتون" على أنقاض مقبرة عبد النبي في تل أبيب بعد أن قام بعض "الوطنيين" ببيعها مقابل قطعة واحدة وثلاثين من فضة مستغلين سذاجة بعض أبناء شعبنا ليمرروا هذه الجريمة في واقع لم يكن الإعلام حقا القوة الثالثة التي تستطيع صناعة التغيير.
أما اليوم فالإعلام أصبح قوة هائلة من شأنه تغيير الكثير حتى ولو بأمور صغيرة وبسيطة يستطيع السائح الأجنبي استيعابها والتفكير بها إذا كان يعتبر نفسه من البشر ويأبى أن ينام على عظام الموتى ليصبح من الغجر.