كنت أظن أنه يمازحني لأنه من عشاق المزاح والتهكم ولكنه أصر هذه المرة أن كلامه يخلو من أي مزاح وأن الحديث يدور عن أمور جدية مبكية ومضحكة في نفس الوقت. لم أصدقه لأنني أعرف أنه وعندما تبدو على وجنتيه علامات الجدية يعني الأمر بأن المزاح عنده وصل أوجه ولكنه عاد وأصر أن الأمر جدي وحتى أنه يحدث تحت أنفي وأنا لا ادري بالأمر. كنت مصراً أن أمر على هذه الأقوال مر الكرام وكأنها قصة من الخيال إلا انه أصر وعاد وكرر أنها أغرب من الخيال.
سألته هل حقا هذه قصة حقيقية أم أنه يكتب سيناريو خيالي لفيلم عاشته البشرية تحت دكتاتوريات مظلمة؟ فقال لي لا يا صديقي انه الواقع الغريب الذي نعيشه ولا نستطيع فعل أي شيء لتغييره.
كنت في زيارة عائلية في بيته إذا تبادلنا أطراف الأسانيد وتطرقنا إلى عدة مواضيع اجتماعية اقتصادية وسياسية أنية ولكنه أصر التوقف عند أمر لا يستطيع المرء المرور عنه مر الكرام: ففي إحدى المدن الخيالية في المنطقة هناك مؤسسة خيالية أيضا تفرض على المغلوبين على أمرهم الوقوف عندما يدخل رئيسها وكأنه رئيس دولة أو رئيس حكومة والتعظيم به.
هذا الرئيس الذي يستغل ضعف المغلوبين على أمرهم وفقدانهم لأي بديل للمؤسسة التي يديرها يفرض على الجميع الوقوف وقفة خشوع عند وصوله لتلك المؤسسة لأن من لا يطيع هذا الرئيس قد يجد نفسه في مكان أخر يبحث عن مؤسسة تقل مستوى من المؤسسة التي يديرها. انه يفرض على المغلوبين على أمرهم أن يبجلوه ويمطروه بالمديح وكلام والثناء والشكر والعرفان وحتى أحيانا مساواته مع القديسين ومهاتاما جاندي والماما تيريزا لأنه يظن أنه لا يقل عنهم في العمل والعطاء في الوقت الذي يعرف فيه القاصي والداني أنه نكرة، مراوغ، ذهنه محدود وأن تفكيره لا يخترق قضبان عقله.ان من يعرف هذا المخلوق الخيالي يدرك جيداً أنه يعاني من جنون العظمة وأنه لا يصدق نفسه أنه يرأس تلك المؤسسة الخيالية اذ وصل إلى هذا المنصب لأنه جاء ليطبق المثل العربي الشهير"من قلة الأحصنة أصبح للحمير سروج".
انه الواقع الأليم الشحيح من القياديين الحقيقيين الذي جعل من كل ثرثار ومراوغ قائد ومن كل قزم مارد يتسلط على أناس استسلموا لواقع أليم إذ أضحوا عاجزين أن يضعوا حدا لظواهر عاشتها الإنسانية في القرون الوسطى وان يوقفوا مسرح السخافة خاصة أن الممثلين على منصة هذه المسرح من الدرجة المتدنية إذ يأبى المرء تضييع الوقت في مشاهدتهم لأنهم حقا ممثلون فاشلون.
ألم يحن الوقت حقا أن ينتفض المغلوب على أمره ويوضح لأشكال لويس الرابع عشر أن الأيام السوداء قد ولت إلى غير رجعة ؟ أم أننا مازلنا نخشى دفع الثمن من أجل صناعة التغيير الذي سيأتي بالفائدة على الجميع؟.