يافا اليوم - يومنت - الدب الأميركي في الكرم الفلسطيني..! - بقلم: علاء الدين أبو زينة
الرئيسية
المنبر الحر
الدب الأميركي في الكرم الفلسطيني..! - بقلم: علاء الدين أبو زينة
PM 16:21 16/06/2014
آخر الأخبار من فلسطين، أن "الجانب الفلسطيني أبلغ الإدارة الأميركية استعداده لاستئناف المفاوضات بشروط". وبغض النظر عن الشروط المعروفة التي سبق أن رفضها الاحتلال، فإن مجرد التعبير عن استعداد الفلسطينيين لاستئناف المفاوضات في هذه المرحلة يعني الإصرار على تجريب المجرب. وكانت الفرضية الشائعة لدى المعقبين أن الفلسطينيين سيتحولون الآن، بعد أكثر من عشرين عاماً من المفاوضات العبثية الضارة، إلى بدائلهم الأخرى التي لخصها بحث حديث فيما يلي: "التوجه إلى مؤسسات الأمم المتحدة، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية"؛ "التركيز على المصالحة الوطنية"؛ "التفاوض، وإنما كجزء من مؤتمر دولي"؛ "حل السلطة الفلسطينية"؛ "إنهاء التنسيق الأمني مع إسرائيل"؛ "حل الدولة الواحدة"؛ "قيام انتفاضة ثالثة".
من الواضح أن الفلسطينيين لا يعدمون البدائل المعقولة عن التفاوض في هذه المرحلة. وتبدو كل هذه البدائل أفضل من المفاوضات، لأنها كفيلة بإصابة العدو بالصداع على الأقل. ويعني حُكماً أن تفعيل هذه البدائل ينبغي أن يشكل مقدمة ضرورية لإعادة تخليق وضع فلسطيني له بعض سمات الطرف الصالح للتفاوض -المعدومة الآن. وكان منطق الاتفاق بالمفاوضات منقوضاً دائماً بحقيقة الفارق الهائل في القدرة والإمكانات بين الأطراف. ويقدر العقلاء أنه لا يمكن قيام سلام عادل، ولا أي نوع من السلام، عندما يتفاوض طرفان ليس بينهما أي قدر من التكافؤ.
في الحقيقة، كان الفلسطينيون يذهبون إلى كل جولة جديدة مجردين من أوراق جديدة، ليساوموا عدواً راكم مزيداً من الأوراق الكاسبة الجديدة: المزيد من الأراضي المصادرة والمستوطنات؛ المزيد من تخريب مقومات قيام شكل من الدولة الفلسطينية، تحت عنوان: "الواقع على الأرض"؛ المزيد من تحييد المقاومة واعتقال الناشطين وقتلهم، بل وحتى شن الحروب الشاملة على المناطق الفلسطينية وتدمير بناها وساكنيها، وأكثر. وفي المقابل، كان الفلسطينيون يذهبون ومعهم شيء يتنازلون عنه: حق المقاومة؛ حق جميع اللاجئين في العودة الحقيقية إلى بيوتهم الأصلية؛ الحق في دولة متصلة الأجزاء حرة الحدود وخالية من المستعمرات؛ حق الدولة المفترضة في امتلاك جيش وأسلحة تدافع به عن نفسها وتصون بها سيادتها. باختصار: يذهب الفلسطينيون للتسول من طرف همه أن يميتهم بالجوع والعري.
هذه الصورة المعروفة تكفي وحدها لنسف منطق المفاوضات كوسيلة لإنصاف الفلسطينيين بالشروط القائمة. لكن هناك سبب أكبر للخيبات الفلسطينية، وأهم من هذا كله: التعويل اليائس على وسيط المفاوضات وراعيها؛ الولايات المتحدة، باعتبارها "حكماً" يمكن أن ينقذ الفلسطينيين. والكل يعرف أن أميركا هي الطرف الذي يمول الاحتلال ومستوطناته ومؤسساته، ويدافع عن جرائمه في المحافل الدولية، وينقض أي قرار أممي يدينه، ويوفر له الأدوات التي يقتل بها الفلسطينيين، وحتى القيود التي توثق بها أيدي المعتقلين الفتيان الذين يواجهون الدبابة بالحجر. وباختصار، تجسد الولايات المتحدة كل الأسباب الابتدائية والنهائية لإدامة الكارثة الفلسطينية وتعميقها يومياً، فكيف يمكن أن تكون وسيطاً مقبولاً؟ إن المفاوض الفلسطيني يذهب ليواجه وحشاً برأسين في قاعة التفاوض!
في غياب كيان عربي متجانس وصاحب ضمير يمكن أن يضغط لصالح الفلسطينيين ويساندهم، يذهب هؤلاء إلى "بيوت العدالة" في المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة وأذرعها. وهناك، يجدون القرار مصادراً دائماً بـ"الفيتوهات" الأميركية، ضد الفلسطينيين بخاصة، ومن دون خجل من اللاأخلاقية التي ينطوي عليها الانحياز الأميركي الصلف إلى طرف معروف بانتهاكاته لكل شيء. ويبدو أنهم يفرون من الحقيقة الصعبة: لن ينفعهم إلا ما يفعلونه لأنفسهم بأنفسهم. وقد تساءل الناشط السياسي العربي الأميركي جيمس زغبي، في مقالة أخيرة: "كيف تستطيع الولايات المتحدة قيادة صناعة سلام إسرائيلي-فلسطيني عندما لا نستطيع انتقاد إسرائيل، أو خوض نقاش صادق عن سياساتها" في الولايات المتحدة، حتى في القضايا التي يناقشونها هناك في الكنيست؟
الفلسطينيون الذين كانوا أكثر حرية وهم يتدبرون سبل عيشهم ونضالهم بطرق مبتكرة، أصبحوا يعولون على أميركا وحدها في خبزهم و"سلاح أمنهم" ورواتب موظفيهم وترف قياداتهم الشخصي. الفلسطينيون الرسميون يأكلون الآن باطمئنان من صحون "البيت الأبيض" باعتبارهم أنفسهم صحبة وأهل بيت! ولا أعرف كيف لا يبدو أحد معنياً بتغيير هذه الحصيلة الغرائبية، ولماذا يستمر الفلسطينيون في دعوة الدب الأميركي نفسه إلى كرمهم، والذي سيكون حال كرمهم أفضل حتماً من دونه.