يافا اليوم - يومنت - أين الوسيط ؟ - بقلم:- عبد المجيد إبراهيم
الرئيسية
المنبر الحر
أين الوسيط ؟ - بقلم:- عبد المجيد إبراهيم
PM 13:59 14/07/2014
خصنا الكاتب والاديب المصري،عبد المجيد إبراهيم بمقال يتطرق خلاله الى اسباب غياب الوسيط.نشر المقال يأتي من منطلق فتح المجال للرأي والرأي الأخر
ليست الوساطة في السياسة عملا خيريا يتلقى المرء جزاءه في الآخرة من خالقه . الميدان في الأساس ليس ميدانا لعمل الخير إنما هو ميدان لكل شرور الدنيا و مساوئها . و الوسيط في السياسة لا يتصرف بوحي من عواطفه و دوافعه الإنسانية النبيلة . الوسيط في السياسة يحصل على مكافآت و يسدد أثمانا . و لا تستطيع الأطراف المتنازعة أن تقبل بك وسيطا ما لم تكن تملك ما تستطيع أن تقدمه إليها و بشرط أن يسد احتياجا أساسيا لها يصرفها عن النزاع . و الرغبة في التسوية و امتلاك الإرادة و السيطرة على الأفعال و الاستعداد للمساومة لدى أطراف النزاع لا تنشأ من دونها الوساطة . و قبول أطراف النزاع بوسيط ما تلزمه شروط أخرى أبرزها ثقة هذه الأطراف بمن يتقدم لأداء دور الوساطة و تقديرها لعلاقاته العملية معها و القدرات التي يملكها و استعدادها لدفع الأثمان التي يطمع فيها . و يسبق كل ما تقدم - في حسابات الوسيط - تقييمه لطبيعة النزاع و إمكانية احتوائه و الأضرار التي يمكن أن تلحق به هو أو من يهمه أمرهم جراء استمراره أو تصعيده و المقاربات التي يمكن طرحها لمعالجته و معرفته لأطرافه المباشرة و غير المباشرة و قضاياه الرئيسية و الفرعية و مسبباته و احتمالات تطوره . و من أهم المفارقات التي تقدمها دراسات التفاوض و حل النزاعات أن الوسيط الأنسب في نزاع ما غالبا ما يكون واحدا من الأطراف غير المباشرة الداخلة فيه أو المتسببة في اندلاعه أو مندوبا عنه .
و يفوت الكثيرين أن النزاع الدائر الآن بين دولة إسرائيل و حركة حماس هو نزاع من النمط المتكرر . و هذا يعني أن قضية جوهرية تكمن في جوهره و تؤدي إلى انفجاره تباعا . و هي في الحقيقة قضية منفصلة عن القضية الأساسية المتعلقة بإقرار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني من حيث إنها تنتمي إلى مجال الاستراتيجية المجردة . فدولة إسرائيل التي هي دولة من طراز عسكري رفيع بمقاييس الحرفية القتالية و التسلح و البراعة التخطيطية طبقا لقياسات معاهد البحوث المتخصصة لا تستطيع أن تقبل بانهيار نظرية أمنها القومي التي تضربها صواريخ حماس في مقتل . و على مستوى البنية الأيدولوجية و الاجتماعية الراهنة في إسرائيل لا يمكن لأي محلل سياسي عاقل أن يستوعب فكرة أن يقبل بيبي نيتانياهو الذي تعهد مرارا بالاحتفاظ بيهوديا و السامرة ضمن أرض إسرائيل بأن يكون هو تحديدا و ليس غيره محطم نظرية الأمن الإسرائيلي . و إذا كان من الممكن أن تقوده إلى ذلك على غير إرادته اعتبارات السياسة فليس من المحتمل أبدا أن تفعل ذلك اعتبارات الأيدولوجية التي لها جنود أشداء من غلاة اليمين الصهيوني .
القضية هي صواريخ حماس التي حدّدت عمدا محاور المثلث الحيوي لدولة إسرائيل . القضية استراتيجية و أيدولوجية . و المثير أنها تواجه بيبي في ختام حياته السياسية التي أمضاها أميرا متوجا لأمراء الليكود الذين حطمت الكثيرين منهم تجاربهم السيئة . و تكفي هذه الملاحظة لتبديد الخرافة الرائجة عن تردده في اجتياح قطاع غزة الذي لا يعد بالمناسبة شرطا ضروريا لاجتثاث بنية حماس و تدمير ترسانتها الصاروخية . إنها خرافة صدقتها حتى النائبة حنين زعبي ربما تحت تأثير الصمت التركي و اللغو الذي اعتاد على ترديده المتاجرون بالدم الفلسطيني من كل الجنسيات .
تلك هي القضية . فأين هو الوسيط ؟ أين هو الطرف الذي بمقدوره أن يقدم إلى نيتانياهو ترسانة حماس الصاروخية على المائدة و معها بعض من المقبلات . بالطبع مصر لن تفعل ذلك .
يتصور حاكم البيت الأبيض الذي يبدو أن ارتباطه بجماعة الإخوان الإرهابية قد أصابه بشلل عقلي أن الأمير بيبي يقيم في الخليج و أنه سيهرول إلى عرضه المتمثل في العودة إلى اتفاق مرسي 2012 . ربما أقنعته بذلك مستشارته الإخوانية . لا تزال مستشارية أوباما تمارس حماقاتها حتى تجاه أفضل أصدقائها . لم يسألها الأحمق و لم يسأل رئيستها رايس : كيف يقبل بيبي باتفاق أطيح بعرّابه و ضامنه و جماعته التي لم يبق منها إلا جهازها العسكري القابع في غزة الذي يضرب صميم فؤاد الدولة العبرية بأوامر أصدقاء إقليميين تمردوا أخيرا على الرئيس الديموقراطي نفسه . أمر يطيّر العقل حقا !! هل أفهم رجال البنتاجون رئيسهم أن الاستراتيجية تنتحر و هي تعانق نظريات الأمن . لو كان هذا هو الدرس المستفاد من أوكرانيا المتحفزة فلنقل على العالم السلام . و من حقنا أن نسأل بدورنا أين ذهبت أصداء العبارة التي كررها بيبي على مسامع أوباما في القدس و في واشنطن : إسرائيل ليست تابعة لواشنطن و لن تقبل منها إملاءات ؟ هل طمستها العبارة المماثلة التي أطلقها السيسي من القاهرة ؟ كيف لا يدري عارض الوساطة أن بلاده قد همشت هنا و لم يعد لها أي تأثير حتى على جماعات الإرهاب التي ربتها في أفغانستان و نشرتها في ربوع الإقليم لاحقا ؟ بمقدور أوباما أن يترك المالكي ليلاقي مصيره مع داعش التي تقول إن الله لم يأمرها بمقاتلة إسرائيل و بمقدوره أن يسوي مع إيران لكنه لا يستطيع أن يفرض تخاريفه على الجنرال يعالون أو على الجنرالات المصريين . هل هذا هو الاختراع المذهل الذي أنجبته قريحة ساكن البيت الأبيض و مستشاريه لإعادة تدوير الإخوان الإرهابيين ؟
واشنطن ليست هي الوسيط . و لن تكون مصر أبدا وسيطا يدفع به عارض الوساطة إلى أتون النزاع المتكرر حول ترسانة حماس الصاروخية . هذه قضية إسرائيلية تحلها إسرائيل بمعرفتها أو تبحث عن وسيط فيها .
القاهرة 2014 ليست هي من ضمن اتفاق مرسي حماس و لم يكن أبو مازن طرفا فيه . تذكرون بالطبع أنه كان الأخ أبو مرزوق . فارق كبير بين الأبوين . بمقدور المصريين العاديين لأسباب عاطفية أن يتجاوزوا عن جرائم قادة حماس بحقهم لكن ليس بمقدور الحكم الرشيد في مصر لأسباب استراتيجية و أيدولوجية أيضا أن يتجاوز عن جرائمهم في ميدان التحرير و وادي النطرون و رابعة العدوية . و من حسن المصادفة أن ملابسات الوضع الراهن هي من تبطل بطبيعتها ندرة حمد الصغير التي كان يضحك منها حتى الثمالة في مجالسه الشاذة ندرة كان يشبه فيها مصر بطبيب لديه مريض واحد هو القضية الفلسطينية في الوقت الذي كان يمسك فيه هو بكل الخيوط ليتأكد من أحكام الشريعة الدينية في ما يخوض فيه تحت سماء " الربيع العربي " . صحيح أن القضية الفلسطينية هي في صلب الأمن القومي المصري لكن ليس بطريق الاستدعاء لا من أوباما و لا من حمد و لا على طريقة إهداء العمليات إلى جيش مصر الباسل الذي استهدفته جرائم قادة حماس . و من المفهوم أيضا أن صواريخ الحركة ليست هي القضية الفلسطينية و لن تكون فهي قابلة لأن تغير وجهتها حسب الأوامر الآتية من أنقرة أو الدوحة أو غيرهما . على المتاجرين بدماء الشعب الفلسطيني في الوطن و في الشتات أن يستحوا من دعوة جيش مصر الباسل الذي أشبعوه اتهامات بالخيانة و العمالة إلى التدخل لنصرة صواريخ حماس . هي لا تثير الشفقة و لا الإعجاب لأنها ملوثة بدماء المواطنين العرب قبل أن تنطلق باتجاه الإسرائيليين .
ليس لدى القاهرة ما تقدمه ثمنا للوساطة لا لدولة إسرائيل و لا لحركة حماس و لا لمن أوعزوا للقواسمه و رفيقه الخليلي بخطف الإسرائيليين و قتلهم . و لا هي تحتاج إلى أي منهم في شيء . الثمن الذي تريده دولة إسرائيل لتكف يدها عن غزة هو ترسانة حماس التي وسّعتها و طورتها مغامرات حمد و إردوجان و بعض عوائل الدرعية و أوباما في ليبيا و سورية و العراق و غيرها من أوطان العرب البؤساء .
أيها الأشقياء كفوا أيديكم عن مصر !! فهذا النزاع المتكرر ليست مصر طرفا فيه و لن تكون وسيطا لحله . و دولة إسرائيل ليست طرفا يمكن أن تتجه إليه وساطة مصرية تقترحونها عبثا . النزاع فجرته أطراف إقليمية يعرفها بيبي و قد ارتبط معها و سابقوه بعلاقات عمل و صداقات حميمة انتهت به إلى الواقع الراهن . هؤلاء هم الوسطاء المناسبون الفاعلون و ليست مصر التي توجه الآن كل معرفتها بمهنة الطب إلى معالجة جراحها و قد أسهمت فيها حماس التي هي أداة في أيديهم الملوثة بدماء الشعوب العربية جمعاء .
حماس هي الآن في خضم معركة للدفاع عن ترسانتها الصاروخية و ليس للدفاع عن الشعب الفلسطيني . و الذين قذفوا بها في أتون المعركة لن يتمكنوا من تعويضها لاحقا عبر الصحراء المصرية و الأنفاق التي تهدمت .
القضية أبعد بكثير من ساحة غزة . و لا بد من الالتفات إلى التعبير الذي يستخدمه نيتانياهو و جنرالاته إنه هو ذاته التعبير الذي كان يستخدمه شارون و هو ذاهب إلى بيروت في 82 . اجتثاث البنية التحتية لحماس هو الهدف . و أبو عمار ليس هناك حتى تحمله سفينة مصرية من ساحل غزة ليستقبله المصريون بالأحضان و القبلات . نحن ماضون إلى عملية دقيقة هدفها محدد و ستكون لها عواقب غير محتملة و ليس لمصر فيها لا ناقة و لا جمل . الوسيط هناك و ليس هنا . الوسيط الذي يستطيع أن يجرد حماس مما ألبسها على وعد برداء آخر في موعد جديد . الوسيط الذي بمقدوره أن يمنح دولة إسرائيل كل ما تريد و أن يتبادل معها الجياد على اتساع الإقليم . و إلا فإن إسرائيل ماضية لتأخذ ما تريد بيدها . لماذا يظل الناس أسرى للطريقة التي يفكر بها أحمق واشنطن أو أجحش الدوحة ؟ لماذا يتوجب علينا أن نقبل باستمرار حماس لاعبا على الطاولة ؟ لقد انتهت اللعبة . الخونة باتوا في الزنازين و لن ينالوا لا من جيش مصر و لا من شعبها . مصر ليست الوسيط الذي تبحثون عنه يا رفاق السوء . ابحثوا عن الوسيط الملائم . مصر ليست وسيطا في الخيانة . مصر تواجه الخونة في الشوارع و الحارات و ستظل أبية شامخة و وفية مخلصة لشعب فلسطين و لقضيته العادلة التي هي في جوهر أمنها القومي . الجهاز العسكري لجماعة الإخوان الإرهابية مثلما عرّف قادة حماس حركتهم وقت أن كان المصريون يقتلون في الشوارع ليس من دعائم دور مصر و مكانتها في الإقليم و العالم . لكن قضية شعبنا الفلسطيني هي في صميم أمنها القومي . و هي كذلك مع المقاومة الفلسطينية الشريفة ، مع أبو مازن و ليس مع أبو مرزوق أو حمد الصغير أو السيد مرمرة !!