قبل فترة ليست بالقليلة استدعاني أخي و صديقي خميس أبو العافية للكتابة هنا في هذا الموقع اليافي الرائد . لا أملك بالطبع حق الرفض أو الشرط . لكن تنظيم العمل يحتاج إلى بعض الوقت . و هذا ما أعطاني مساحة للتأمل !
مع أن الكتابة هي حرفتي و هوايتي و هوايا فقد وقع بيني و بينها خصام محدود لأكثر من عشر سنوات مضت كنت أشبه خلالها بالشغّالة في عالم النحل أؤدي مهامي الكتابية الإلزامية بدأب و انتظام .
كان الاستدعاء بمثابة الشرارة لتجربة تأملية تزاحمت و تشابكت في سياقها العشرات من الأسئلة و الذكريات و المشاهد .
أن تتأمل : أن تمعن النظر و أن تتعمق في ما يعرض لك من أمور بالفكر و الروح .
بعد كل هذا التجوال بين العشرات من الصحف و الدوريات و مختلف القنوات الإعلامية على تنوعها في مصر و خارجها أعود إلى نقطة البدء ؟!
في سنوات الستينات الأولى تعلمت الحروف و هجاءها و تركيب الكلمات منها ؛ فاستهوتني القراءة . " في خيام اللاجئين " كتيب للناشئة كان المحرك الذي أدار عجلة الكتابة الإبداعية عند صغير لم يتلقَ بعد درسا واحدا في التعبير و الإنشاء . و كانت الباكورة ما أطلقت عليه في حينه " مسرحية من أربعة فصول " تحكي عن العودة . الأبطال من يافا و العودة إليها !
و جاءت حزيران . و ظل الحلم يافا . لماذا هي بالذات لا أدري ؟
في بيت العائلة الواقع بين جاردن سيتي و حي السيدة زينب في قلب القاهرة كانت نخبتها المعجونة من تراب مصر تجتمع يوميا من كل المشارب يأتون و يروحون حتى الفجر .
في كثير من الأحيان كان صالون العائلة يستضيف رموزا مرموقة من النخب العربية و الأجنبية الزائرين للقاهرة . منهم أذكر البروفيسور كاكيا البريطاني اليهودي الذي كان يدرّس العربية و آدابها في جلاسجو و إدنبره . كان الرجل يستهويني لطيبته و شعوره العميق بالسلام و تمكنه من العربية التي استحوذت على اهتمامي و فهمت مبكرا أنها أداتي الرئيسية للوعي و الإبداع .
في هذا السياق حضرت يافا مرة أخرى لكن حضورها كان أكثر تميزا . فالمؤثرون من النخبة كانوا يأتون إلينا بين وقت و آخر مدعوين على الغداء و منهم الموسيقار يوسف شوقي الذي درس في موسكو و أبدع لاحقا الكثير من الروائع الموسيقية و المطرب سمير الإسكندراني ، و كلاهما كان يعشق البصارة و هي طبخة مصرية رائعة تصنع من الفول المدشّش و الثوم و البصل و تطعم بالنعناع . و انتظارا لتجهيز البصارة التي كانت أمي رحمها الله تجيد صناعتها كان الدكتور يوسف يضرب على عوده في ما ينجلي ضيفنا الآخر مهزهزا أكتافه العريضة متغزلا في يافا بأشعار لوالدي تنثر الحنين إليها في ربوع المكان ؛ حيث يتجمع الناس حول منزلنا على وقع صوته المزلزل . و لماذا يافا بالذات ؟ لا أدري !
في وقت لاحق أدركت أن يافا التي أحبها تنافس مدينتي المأثورة و مسقط رأسي . فعند مغارب أيام الجمع تقريبا في سنوات السبعينات الأولى قبيل تشرين كان صوت الأستاذ صبري سلامة يتسلل إلى مسامع المصريين عبر المذياع مصحوبا بمؤثر صوتي لأموج البحر تحط في هدوء على الشاطئ قائلا " ميناء على المتوسط " . مع هذا البرنامج البديع نبت الحلم بزيارة يافا ... و طرطوس و بيروت و بيريه و مرسيليا و غيرها . استوقفني ما قيل عن أن يافا هي عروس المتوسط ! ّو ما تكون مدينتي الإسكندرية ؟ لاحقا أفادتني الموسوعة الفلسطينية التي أهداني إياها ... بأن يافا هي عروس فلسطين و المتوسط في آن . و تسامحت معها ! فقد تربيت على حبها .
في سنوات التسعينات و مطالع الألفية الثالثة تحقق الحلم . لم أزر يافا مرة واحدة بل مرات و مرات . و عند مينائها القديم تحديدا و على مرمى من مراكب الصيادين وجدتني و قد اغرورقت عيناي إذ استجمعت قطرات من إبداعات درويش يعتصر فيها آلام يافا و آمالها : هو الآن يرحل عنا و يسكن يافا و يعرفها حجرا حجرا – أعيدوني إلى بيتي إلى يافا تلملمني تقبلني أعيدوني إلى نفسي شقيا عشت يا يافا غريبَ المدّ و الجزر – على هذه الأرض ما يستحق الخيال ...
كانت الزيارات المتلاحقة ليافا إعلانا صريحا بانتمائي لهذه البقعة الجميلة من أرض خلقها الرب للناس أجمعين و تتويجا لغرامي الممتد بها . لم تكن يافا هي الوحيدة التي اختالت بها أشعار درويش في ديوانه الذي كنت أدققه قبل نشره أواخر الثمانينات . لكن قصائد يافا هي التي بقيت على سطح الوعي و الذاكرة . و لماذا يافا ؟ لست أدري !
تمثلت يافا في ما يزيد على عشريتين كاملتين انصب جهدي خلالهما في الدفاع عن الحلم الفلسطيني المشروع تمثلتها فكرا و روحا و جسدا . و كان سهل غزواتي لها الهبوط في مطار اللد لتكون هي و ساعتها و قلعتها و رائحة البحر فيها و برتقالها الشموتي و دفقة الحب في وجوه ساكنيها من جميع الأديان - وجهتي الأولي بصحبة أخي خميس .
هل أكون مجذوبا بيافا ؟ ربما ؟!
هي تلاحقني منذ البدء ! لأكثر من ثلاثين عاما ظلت تشاغلني و لمّا تملكتني زرعت في نفسي الحب الأول لفتاة يافاوية من المجدل علمتني قواعد العشق الواجبة في حضرة يافا حالما ألتقيها . و قد كان ! كانت فلسطينية العينين مثلما وصفها درويش : أخذتني تحت عينيها كأني بها مريم المجدلية و قد " نظر إليها المعلم كما تنظر الفصول إلى الحقل و تبسّم ليقول ... أما أنا فأحبك لأجل ذاتك " ] جبران – يسوع بن الإنسان [ .
اليوم أعود إلى يافا حاملا قلمي و أوراقي و تجاربي . أستطيع أن أتبين لماذا ارتبط بها الكثيرون مثلي " من النيل إلى الفرات " إلى ما بعد و ما بعد .
أتمعن ما قرضه فيها شاعر الرافدين العملاق الجواهري: أقلتني من الزوراء ريح إلى يافا و حلق بي عُقاب – أحقا بيننا اختلفت حدود و ما اختلف الطريق و لا التراب .
و أعي لماذا تختلف مواقف شيرلي ريمون عضو البلدية و صاحبة الفستان الوزيرة ميري ريجيف التي تكره درويش .
من يكره درويش لا يحب يافا ! و من يكره يافا لا يعرف معنى السلام و لا الجمال !
من أجل ذلك ينفر الكثيرون من التفكير في الآخرين و يكرهون درويش و برنارد شو و جيفارا و غيرهم ممن تحدث بلسانهم درويش قائلا :
و أنت تُعدّ فطوركَ فَكِّرْ بغيركَ لا تنسَ قوت الحمام
و أنت تخوض حروبكَ فكر بغيركَ لا تنسَ من يطلبون السلام
و أنت تعود إلى البيت بيتكَ فكر بغيركَ لا تنسَ شعب الخيام
فلماذا ترى ريجيف أمرا عاديا أن يعيش سابان أو كوشنر في أميركا و تستكثر على الفلسطينيين العيش في يافا أو في أي من بقاع فلسطين التاريخية بما فيها القدس – أورشليم ؟ و لماذا تكون إسرائيل دولة يهودية و تكون اميركا " دولة لكل مواطنيها " بتعبير جيل الرواد ؟
يا صديق العمر يا خميس يا من تعشق مصر العروبة الفتية دائما ؛
سأظل أنا و الكثيرون ممن يفكرون بغيرهم عاشقا متيما ليافا و من دراويشها ، و ستبقى أنت فيها ، تبثر فوق طحينها الأبيض نقوش فلسطين العبقرية بالزعتر و تدهن فوقها بزيت الزيتون ، و ستظل شيرلي تشاطرك الخبيز ، و ستبقى ريجيف مرتجفة تنظر إلينا جميعا بازدراء و اندهاش ؛ حتى تأنس لكلمات درويش حتى تفهمها و تتصالح مع نفسها فتهدي ثوب القدس لامرأة من شعب الخيام تتطلع إلى العيش في يافا أو هرتسيليا أو حتى في كريات شمونه ، فثمة من لم يجد حيزا للمنام ، و ثمة من يتهدده الهجير و التهجير .
طوبى لمن يفكر بغيره ! طوبى لمن يعي أن الأرض لنا جميعا ، لمن يستذكر أن الملايين على ظهر البسيطة يحتاجون إلى القوت و المأوى و السلام . إلى الوطن !
التأمل الذي هو واحد من قوانين العقل عامل جوهري في تقدم البشرية و سعادة البشر لأنه ببساطة يمنح الإنسان معرفة جديدة تتجاوز ما هو اعتيادي فهو من أدوات الفكر الخلاق و الإيجابي يحفز الوعي و يتحقق بالدخول الفكري و الروحي في عمق الأشياء .
يافا تعد قهوة الصباح بيارات البرتقال
الاستعانة بلقآتي مع فدوى و القاسم و شعرها الذي اختصتني به
هي البوابة مع مصر عبد الوهاب و غيره و إذاعة يافا
العائلات المصرية التي سكنت يافا
تهجير في حي العجمي
العاصمة الثقافية إذاعة الشرق الأدنى 1941
من سكنها من المشاهير