لولا حسن الظنِّ بالله سبحانه وتعالى لقتلتنا خيباتُ الأمل . ولولا ثقتنا في صدق وعده : " والعاقبة للمتقين "، " وكان حقَّاً علينا نصرُ المؤمنين "، " وما النَّصر إلّا من عند الله" . لولا الثِّقة في أنَّه سبحانه قادرٌ على إنفاذ وعده ، وتهيئة المؤمنين لأمره ، لفقدنا كلَّ أملٍ في عودة الحياة إلى هذه الأُمَّة المُنهكة المنكوبة من جديد . ولكنَّ القرآن الكريم يحدِّثنا أنَّ المتصرِّف في مواجهة المُفسدين في الأرض هو الله وحده : " لتُفسِدُنَّ في الأرضِ مرَّتين ولتعلُنَّ علوَّاً كبيراً * فإذا جاء وعدُ أولاهما بعثنا عليكم عِباداً لنا أولي بأسٍ شديد ......." ، " فإذا جاء وعدُ الآخرة جِئنا بكم لفيفاً " ، " وإذ تأذَّن ربُّك ليبعثنَّ عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب " . أنظر إلى الأفعال المَنسوبة مباشرةً إلى الله تعالى : بعثنا عليكم ، جئنا بكم ، وإذ تأذَّن ربُّك ليبعثنَّ ..... وكذا في غيرها من الآيات، فالوعد من الله ، والتصرُّف منسوبٌ مباشرةً إلى الله تعالى ، حيث تقتضي حكمته ومشيئتة سبحانه .
وبالمقابل ، فإن الكرة في ملعب المؤمنين : " إن تنصروا الله ينصركم ويثبِّت أقدامكم " ، " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصَّالحات ليستخلفنَّهم في الأرض " ، " وأُخرى تحبونها نصرٌ من الله وفتحٌ قريب .... وبشِّر المؤمنين " . إذاً فوعد الله بالنَّصر هو للمؤمنين ، وللمتَّقين ، إذا نصروا دينهم ، وأخذوا بأسباب النَّصر والتمكين . فإن لم يفعلوا فلا يلومُنَّ إِلَّا أنفسهم .
❖ نُحسِنُ الظَّنَّ في أنَّ أُمَّتنا الإسلاميَّة ولَّادةٌ ، ومعطاءةٌ ومجدِّدةٌ . فالأُمَّة التي أنجبت مهاتير محمَّد ، ورجب طيب أَردوغان ، الَّذَّين إنتقلا بدولتيّهما نقلاتٍ نوعيَّةً كبرى ، لن تعجز عن ولادة غيرهما في أماكن أُخرى بإذن الله تعالى .
❖ تركيا التي أَسقطت الإِنقلابيين ، وقطر التي تُصارع المُحاصِرين ، وشعبنا الفلسطيني الذي يقارع الإِحتلال ، ويرفض الخضوع لمخطَّطاته لتهويد وتقسيم الأَقصى ..... كلُّها محطاتُ أَملٍ ، تستحقّ حُسن الظَّنّ في زمن النَّكبات والنَّكسات .
❖ كانت لنا خيبة أَملٍ كبيرة من عدم إستثمار حادثة قتل المواطِنَين الأُردنيَّين على يد ضابط أمن في السَّفارة الإسرائيليَّة بالشَّكل المطلوب . وقد توقَّعنا أَن يُقَدَّم الجاني المُجرِم للعدالة في الأُردن ، وأن تدفع الحكومة الاسرائيلية ثمن تلك الجريمة ، بإلغاءٍ فوريٍّ لكلِّ ما أَحدثته في باحات ومحيط المسجد الأَقصى المبارك ، فضلاً عن تحرير أَسرى أُردنيين من سجون الإحتلال ( لم يرتكبوا مِعشار جريمة الضَّابط الإسرائيلي القاتل) . خيبة أمل كبرى من كلِّ النِّظام الرسمي العربي ، ولكن بالمقابل حُسن ظنٍّ ، وتفاؤلٌ كبيرٌ من الموقف الشَّعبي والقيادي لأَهلنا في القدس الصامدين على بوَّابات الأقصى ، لا يتنازلون عن مطلبهم العادل بإلغاء كلّ إجراءات الإحتلال -الرَّامية لتقييد حرّيَّات المسلمين ، وتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى لصالح السَّيطرة والهيمنة الإِسرائيلية المرفوضة - حتى النتيجة الحتميَّة بتفكيك كل ما أحدثته سلطات الإحتلال من تغييرات وتقييدات ، وعودة المسجد الأقصى بالكامل للسيادة الإسلاميّة ممثلةً في إدارة الأوقاف .
❖ خيبةُ أَملٍ من أُسلوب المراوغة والمماطلة في إنفاذ استحقاق التناوب بين اعضاء القائمة المشتركة . يقابلها حُسن ظنٍّ ، وثقة كُبرى في معظم مركِّبات القائمة المشتركة ، وفي لجنة الوفاق ، أن إصرارهم على إنفاذ التناوب في أَسرع وقت سيُكلَّل بالنَّجاح ، وسيضمن ذلك نجاح تجربة الشَّراكة ، وتجاوزها لهذا الإمتحان كمحطة أُولى في طريق النَّجاح والإستمراريَّة .
وختاماً : فإنَّ حقارة نتنياهو قد تجاوزت كل الحدود . مكالمته واستقباله بحفاوةٍ للقاتل الإسرائيلي في السفارة الأردنية ، وفعله ذلك بإسم " كل الشعب الإسرائيلي" ، هو دليل استخفاف بالدم العربي والأنظمة والشعوب العربية ، بل وبالقيم الإنسانيَّة والإعتبارات والأعراف الدَّوليَّة . ولكم أن تتصوَّروا لو أن موظفاً في السفارة الأردنيَّة في تل أبيب قام بمثل هذه الفعلة ، ولو أدت إلى إصابات وليس قتلى إسرائيليين ، هل كان سيعود إلى وطنه ؟ وكيف لو استقبله العاهل الأردني بالأحضان ؟ هل سيسلم من التحريض الإسرائيلي الأرعن والتهييج الدَّولي ضدَّه ؟. نحن منذ زمن بعيد لا نعوِّل على العدالة الإسرائيليَّة ، ونستبعد أن ينظروا إلينا يوماً ما بعين المساواة كبشر . ولكننا بالمقابل نحسن الظنَّ في ثبات وصبر ورباط شعبنا ، وتمسُّكه بحقِّه . أنَّه بإذن الله تعالى ، سينتصر على العلوِّ الكبير ، والظلم الصارخ ، والتمييز العنصري الهمجي .
اللهمَّ إنَّا نتقرَّب إليك بحسن الظَّنِّ فيك فلا تكلنا لأحدٍ سواك ، ولا لأنفسنا طرفة عين .
واللَّه غالِبٌ على أمرِه