إغلاق
إغلاق
أحاديث البيت ( 3 ) : استراتيجية الخواجة خريستو !! - عبد المجيد إبراهيم- القاهرة
الاثنين   تاريخ الخبر :2020-03-30    ساعة النشر :08:44:00


قلنا في السابق إن النموذج اللاإنساني الأكثر تطرفا لاستراتيجيات مواجهة الوباء يقوم " على حماية كامل الثروة الرأسمالية و بنيتها أيّا كان مقدار الخسائر في الثروة البشرية التي يتعين تحملها في المقابل " . و أشرنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها الحالة المثالية الفجة لهذه الاستراتيجية الفاجرة . و لهذا ، لن يكون مفاجئا أن يتطاول فيها مدى الكارثة الصحية لعدة أشهر تالية - و إن صحت توقعات البروفسور LEVITT بنهاية جائحة الفيروس التاجي - و أن تتبوأ الصدارة في حالات الإصابة و الوفيات بعد الصين و إيطاليا ؛ خلال عشرة أيام مقبلة في الحد الأدنى ( سبقت الأحداث التوقعات ، و أصبحت الولايات المتحدة في المرتبة الأولى من حيث عدد الإصابات بعد يوم و نصف اليوم من كتابة هذه السطور . و لذلك ؛ فربما تتخطى الدول التالية لها بعشرات الآلاف من الإصابات ؛ خلال تلك الأيام العشرة ).

و المؤكد أن الرئيس الأمريكي و نائبه و صهره لا يملكون أية استراتيجية بديلة من الاستراتيجية التي اعتمدوها ؛ بحكم عقيدتهم الرؤيوية و أيدلوجيتهم . و ليس هذا فحسب ؛ فالدولة الأمريكية باعتبارها حالة فريدة في النماذج الرأسمالية الليبرالية و توابعها تملي هي الأخرى استراتيجية كهذه ، و إن حاول الديمقراطيون أن يدخلوا عليها بعض التحسينات التي تستلهم أفكار سميث أو كينز و ريكاردو و غيرهم ؛ مما كان و لا يزال اليساريون القريبون من الاشتراكية العلمية يمقتونها . و ثالثا ؛ فإن التاريخ المدون يمنحنا الكثير من الحوادث الدالة على الكيفية التي تضار بها المجتمعات في الكوارث الكبرى بطريقة طردية ؛ تبعا لحجم قدراتها .

و بالتتبع التحليلي المنظم لهذه الحوادث ؛ يحتمل أن يكون لزاما علينا جميعا أن نستعد لاستساغة مرارة الهيمنة الصينية - و ليس أكثر من الهيمنة ؛ مؤقتا - في السنوات المقبلة ؛ شريطة أن تخرج الولايات المتحدة من حرب الكائن التاجي وهي تحتفظ بقدرتها العسكرية الفريدة ، و كيانها الاتحادي ، و شريطة ألا يكون الانتصار الصيني في هذه الحرب مؤقتا أو مخادعا أو غير قابل للارتداد .

إن النظام الدولي القائم الآن - و هو نظام انتقالي يتحرك في سياق هلامي إن صح الوصف - سيشهد سريعا - على الأرجح - تحولات عنيفة إلى حد كبير ستكون الدول المتوسطة و الصغيرة و الكيانات - بالمعايير التي تعتمدها المنظمة الدولية - هي الأقل تعرضا لتأثيراتها المدوية ؛ ناهيكم عن المجتمعات التي يرى المؤرخون و دارسو الحضارات - من أمثال البروفسور توينبي - أنها تمتلك مخزونا هائلا و متنوعا من التجارب و الخبرات التي تمكنها من مقارعة التحديات و تجاوزها .

لكل هذا ، و بدوافع أخرى سنتناولها لاحقا ؛ جنحنا إلى الإسقاط على استراتيجيات مواجهة الوباء المالتوسية الفاشية بالعبارة الجدلية التي غرستها خليلة الملك لويس الخامس عشر مدام دى بومبادور على لسانه الزلق : " نحن ( أنا ) و من بعدنا الطوفان " . فالاستراتيجية الترامبية و تلك التي تجري على منوالها و منوال يام ابن أبينا نوح ؛ هي استراتيجيات أنانية جامحة تحكمها عقدة الامتلاك و السيطرة و القوة الغاشمة ، استراتيجيات لا تبالي بمصائر الآخرين بل تمر فوق أجسادهم مثلما تمر نجمات المهرجانات الفنية فوق السجاجيد الحمراء ؛ و قد تعرت نهودهن و زنودهن البظة ، و الأهم أنها استراتيجيات لا تفلت أبدا من العقاب . و لقد عاقب الفرنسيون سلالة لويس بعد سنوات قليلة من تلك المقولة بالثورة الفرنسية الخالدة و مقاصلها التي استلهمت العبارة الأشهر المنسوبة لماري أنطوانيت ؛ فأكلت رءوس الجميع .

كيف ستعاقَب استراتيجية ترامب و دائرته الحاكمة في الداخل الأمريكي ؟ و كيف ستؤثر على مآلات المرحلة الانتقالية التي يمر فيها النظام الدولي ، و التي تمادت تفاعلاتها منذ انهيار الإمبراطورية السوفييتية ، و بناء بريماكوف للتحالف الاستراتيجي الصيني الروسي بعدها بسنوات ؟ الإجابات تؤخذ من المؤشرات . و هي فاجعة حقا !

في صدارة المؤشرات ؛ تلك التصريحات التي يدلي بها ترامب تباعا كاشفا فيها عن طبيعة استراتيجيته للمواجهة . إنها استراتيجية " يوما بيوم " كحال الملايين من أصحاب المهن الثالثة جنوب خط الاستواء في كسب قوتهم ، و هو يروج لها بالتبشير بالانتصار على الوباء خلال أسبوعين ، و بالقول إن علاجا أسوأ من الداء سيؤدي إلى المزيد من الضحايا ، و إنه لن يسمح بوقوع أزمة مالية بسبب كائن " صيني " تافه . و لهذا تفاجأت و أنا أكتب هذه العبارة تحديدا - في مصادفة عجيبة – بإعلانه الطوارئ في تكساس و فلوريدا و في نيويورك الغاضبة ؛ بعد مضي ثلاثة أيام من نشره الحرس الوطني فيها و في واشنطن و كاليفورنيا التي اعتبرها في حينه الأكثر تضررا !

يدير ترامب و عصبته المجنونة الأمر باعتباره حربا اقتصادية تجارية ، و و عليه فإن الشركات و قطاعات الإنتاج الصناعي الرأسمالي الأمريكية يجب أن تبقى قوية و قيد التشغيل . و لهذا جاءت استراتيجيته موضعية و متقطعة و ليست تعبوية وطنية شاملة . و إذ يصرخ عمدة نيويورك في وجهه يوميا " دعونا نتصرف كأمة واحدة !! " ؛ فليس من المستبعد مع تطاول الوباء في البلاد أن تحدث طفرة في نمو نزعة الانفصال عن الكيان الاتحادي الأمريكي - خاصة في كاليفورنيا - حيث تشاهد الطوابير المتوجسة للمواطنين على متاجر بيع السلاح ، و الأرفف الخاوية من السلع في المتاجر ؛ مثلها في ذلك مثل بقية الولايات ؛ باستثناء نيويورك التي تركت للأشباح و الخفافيش لتكتب عنها أجاثا كريستي لاحقا من العالم الآخر !!

و بدل أن يستذكر المحيطون بالرئيس الأمريكي في هذه اللحظات التحليلات الصارمة التي قدمها البروفسور كينيدي عن الانحلال و التفكك الأمريكي ؛ تراهم يفتحون الأبواب على مصاريعها للعنف و الفوضى و البلطجة و الصراع و الانفلات الاجتماعي ؛ كأنهم لا ينتمون إلى بلد أعطى العالم الكثير من العلم و التنظير السياسي و الاستراتيجي ؛ امتدادا لأعمال آبائه العظام الصيني سن تسو و الألماني كلاوزفيتز . و بدل أن يتحلى ترامب بروح القيادة و يدافع بشرف و مهارة عن جنوده - شعبه في مواجهة الكائن التاجي ؛ تطوع و إدارته للدخول المبكر في حرب اللقاح ، و ضبط متلبسا بمحاولة رشوة شركة كيورفاك و علمائها في شتوتجارت ؛ لاحتكار عقار تعمل على إنتاجه للسيطرة على الفيروس التاجي ، و اختار لنفسه لباس القرصان و قبعته ، و جند أساطيله الجوالة في الأمواه الدولية للاستيلاء على المعدات الطبية و الوقائية و آلات التنفس .

و الأكثر إحباطا و إذهالا أن جماعة ترامب الرؤيوية التي من المحتمل جدا أن تصطدم علنا و قريبا بالعسكريين التقليديين المحترفين في البنتاجون الذين حذروا من انهيارات اجتماعية - تبدو كأنها لا تلقي بالا للاعتبارات الجيو سياسية التي وضعها الوباء على المحك ! إن إيطاليا المتعافية في المستقبل كمثال قد تتحرك باتجاه الخروج من الناتو ، و انزلاق الوضع في إيران إلى الفوضى يمكن أن يفجر براكين و يحدث هزات أرضية مدمرة في الخليج ، و قد نرى واشنطن في المستقبل القريب تكافح فيروس استعادة موسكو هويتها الأوربية الكاملة وصولا إلى باريس !

و في كل الأحوال فإن انكسار الولايات المتحدة في مصفوفة الدول الكبرى سيكون خبرا سيئا جدا للعالم بأسره ؛ حتى لمنافسيها ، و بمن فيهم الصين ؛ لأن أعباء استقرار النظام الدولي ستكون أكثر من قدرتهم على إدارة الميراث الأمريكي الثقيل . و إلى حديث آخر .




تعليقات الزوار